محمد زغلول عامر   أعادت هيئة الكتاب طباعة كتاب «الأورطة المصرية فى حرب المكسيك» للأمير عمر طوسون، الذى لقب فى عصره بأمير العلماء، فقد كان ذلك الأمير النابغة شخصية فذة

الأورطة المصرية فى حرب المكسيك

محمد زغلول عامر

 

أعادت هيئة الكتاب طباعة كتاب «الأورطة المصرية فى حرب المكسيك» للأمير عمر طوسون، الذى لقب فى عصره بأمير العلماء، فقد كان ذلك الأمير النابغة شخصية فذة فى مختلف جوانبها، ولم يكن نبوغه كمؤرخ محقق ذى نزعة وطنية سوى جانب من جوانب شخصيته الفذة، وكانت تلك الشخصية بكل جوانبها جانبا مضيئا فى حياة المصريين العامة، إبان النصف الأول من القرن العشرين.

فقد نشأ الأمير عمر بن الأمير «محمد طوسون» بن الوالى «محمد سعيد باشا» ابن «محمد على الكبير» فى خضم تراجع عام للنزعة الوطنية فى بداية عهد الاحتلال البريطانى، الذى حاول محاصرة تلك النزعة فى نفوس المصريين لضمان بقاء طويل الأمد بين جنبات وادى النيل، فما كان من ذلك الأمير إلا محاولة إحياء تلك النزعة من خلال مؤلفاته المتعددة، التى اتخذت من بطولات الجيش المصرى فى عصر ما قبل الاحتلال سبيلا لإحياء النزعة الوطنية، التى تراجعت بتراجع قوة وتأثير الجيش المصرى فى الحياة العامة خلال حقبة الاحتلال البريطانى القاتمة، وكان ذلك المؤلف الثمين إحدى تلك المحاولات الموفقة، التى ربطت المصرى بماضيه العسكرى المجيد، الذى عكس أصالة الروح العسكرية المصرية، مثلما عكس تأثير تلك الروح على نظرة الآخر وتقييمه للمصرى.

وقد ظهرت تقييم الآخر للمصرى عندما بدأ الإمبراطور فرنسا «نابليون الثالث» أن ينشئ مملكة تابعة له فى جمهورية المكسيك، التى كانت تعانى فتنا وقلاقل مستمرة منذ نشأتها، وقام العاهل الفرنسى إثر ذلك بتنصيب صهره الأمير النمساوى «فرديناند ماكسمليان» إمبراطورا على المكسيك مما أثار حربا طاحنة بين فرنسا وبعض المكسيكيين الذين عارضوا تنصيب الأمير «ماكسمليان»، وشن هؤلاء المعارضون حرب عصابات منهكة على القوات الفرنسية، التى عانت أيضا رداءة جو المكسيك، حيث مات كثير من الجنود الفرنسيين بتأثير وبائى الحمى الصفراء والدوسنتاريا، مما دفع بإمبراطور فرنسا إلى طلب قوات مصرية سودانية تسد النقص فى صفوف الجيش الفرنسى، وقد لبى والى مصر وقتها «محمد سعيد باشا» طلبه وأرسل إليه أربع كتائب «بلوكات» تتبع ألاى «لواء» المشاة التاسع عشر، وقد شكلت تلك البلوكات الأربعة الأورطة السودانية المصرية، التى ضمت 453 جنديا تحت قيادة البكباشى «المقدم» جبرة الله محمد، والتى أبحرت من الإسكندرية فى 8 يناير عام 1863 على ظهر السفينة الفرنسية «لاسين» باتجاه المكسيك مارة بميناء طولون الحربى الفرنسى، ورست بميناء «فيرا كروز» المكسيكى بعد سبع واربعين يوما.

الأمير عمر طوسون

الأمير عمر طوسون

الأمير عمر طوسون

مكثت تلك الأورطة ببلاد المكسيك أربع سنوات وسبعة عشر يوما، خاضت خلالها ثمانى وأربعين معركة ضد الثوار المكسيكيين، وكان النصر فى مجمل تلك المعارك حليف هؤلاء السودانيين المصريين، الذين عانوا كثيرا رداءة الطقس، حيث كان يرقد منهم بالمستشفيات الميدانية بصفة مستمرة ثلاثون مقاتلا من كل كتيبة، وقد أودت الحمى الصفراء المنتشرة بتلك البلاد بحياة قائد الكتيبة البكباشى «جبرة الله محمد»، الذى توفى بعد قدومه المكسيك بشهرين، وقد أكرمت قيادة الجيش الفرنسى بالمكسيك ذكراه، ومنحت ذويه خمسة آلاف فرنك علاوة على قيمة ما تركه من منقول بالمكسيك حين وفاته، والذى قدر بـ5567 فرنكا، وقد قدرت قيادة الجيش الفرنسى بالمكسيك الجاهزية القتالية لجنود تلك الأورطة، وأثنى القائد العام الفرنسى المارشال «فورى» على حسن نظام هؤلاء الجنود وشدة بأسهم فى تقاريره العديدة، وكان ذلك القائد حريصا على التفاهم مع جنود تلك الأورطة عن طريق الجنود الجزائريين المجيدين للغة الفرنسية، والذين جندتهم فرنسا لخوض غمار تلك الحرب ضمن جنود مستعمراتها، حيث كان هؤلاء الجزائريون ترجمان حال السودانيين المصريين، الذين وإن لم يجيدوا بطبيعة الحال اللغة الفرنسية، إلا إنهم أجادوا استعمال البنادق الفرنسية الحديثة المتعددة الطلقات، والتى وزعتها عليهم القيادة الفرنسية عوضا عن بنادق الرش التى كانت بحوزتهم، وحين سقطت «بويبلا» ثانى كبريات المدن المكسيكية فى أيدى الفرنسيين يوم 17 مايو عام 1863، واستسلمت حاميتها المؤلفة من 26 جنرالا و900 ضابط و12 ألف جندى، قام جنود هذه الأورطة بمهمة حراسة هؤلاء الأسرى الذين قاموا بأعباء مد السكك الحديدية إلى تلك المدينة بأمر القيادة الفرنسية، كما قام جنود الأورطة أيضا بمهام تأمين مدينة «مكسيكو سيتى» عاصمة المكسيك، التى احتفل الفرنسيون باستيلائهم عليها يوم 21 يونيو عام 1863، وكانت كفاءة جنود الأورطة دافعا للقيادة الفرنسية على تشكيل كتيبة نخبة «برنجى نفر» ضمت ربع جنود الأورطة، وأمر القائد العام الفرنسى «المارشال فورى» بمنح جنود تلك الكتيبة ثلثى فرنك فرنسى يوميا علاوة على رواتبهم الأصلية.

وكان عام 1864 شاهدا على بطولة جنود تلك الأورطة، الذين دحروا قوات مكسيكية تفوق أعدادهم ست مرات، يومى 12، 14 يوليو من ذلك العام، وأثنى المارشال الفرنسى «فورى» فى تقريره عن تلك المعركة على بسالة الأونباشى «عبد الله حسين باشى»، الذى منح وساما عسكريا لبسالته التى أبداها وعدد القتلى الذين أجهز عليهم برغم الجرح العميق الذى أصابه، ولطعنه بحربة «سونكى» بندقيته جنديا مكسيكيا، فلما نشبت به رفعه بها وذراعه غير منثنية.

وتدل التقارير المحررة عن أوضاع تلك الأورطة عام 1864 على فقدان ثمانية وستين من جنودها لغاية لغاية 18 أبيب عام 1579 وفق التقويم القبطى الموافق لعام 1864، مما يدل على ضراوة المعارك التى خاضتها تلك الأورطة، التى انتشرت فى سبعة مواقع على مساحة مائة وستين كيلو مترا.

اشتبك جنود الأرطة فى 21، 23، 24 يناير عام 1865 فى معارك ضارية مع المغيرين المكسيكيين، وقد أثنت القيادة الفرنسية فى تقريرها على الملازم الأول «فريق فيما بعد» فرج الزينى، الذى كان يقود مؤخرة الأورطة خلال تلك المعارك، كما امتدح التقرير أيضا الملازم أول «عقيد فيما بعد» أحمد سليمان، الذى داوم على إطلاق النيران برغم إصابته بست إصابات جراء أعيرة نارية، وكان ذلك الضابط قد صار عام 1877 قائدا لجيش الحكومة المصرية بدارفور، وكان له الفضل الأكبر فى سحق تمرد «هارون حسام الدين» حفيد سلطان دارفور القديم «محمد الفضل»، الذى كان يحكم إقليمى كردفان ودارفور قبل الفتح المصرى للسودان عام 1821.

وكان «الخديو إسماعيل» قد أمر «جعفر صادق باشا» حكمدار «حاكم عام» السودان فى برقية أرسلها له يوم 27 فبراير عام 1865 أن يعهد إلى أمير ألاى «عميد» آدم بك بمهمة إعداد ألف جندى سودانى يحلون محل تلك الأورطة التى تحملت عبء القتال فى المكسيك عامين كاملين، وكان «آدم بك» هذا يقود فى ذلك الوقت الألاى «فرقة» المشاة الأولى بالخرطوم، والتى ضمت 81 ضابطا و2190 جنديا، قبل أن يتولى القيادة العامة للجيش المصرى فى السودان عام 1868، وتتابعت بعد ذلك برقيات «الخديو إسماعيل» لكل من «ممتاز أفندى» مأمور الأشغال العامة بميناء سواكن السودانى على البحر الأحمر، ومحافظ إقليم التاكة شرقى السودان، والفريق «جعفر باشا» الحاكم العام الخاصة بتجهيز هؤلاء الجنود الألف، وإرسالهم من سواكن الى السويس على ظهر الفرقاطة الحربية المصرية «إبراهيمية»، لكن إرسال هؤلاء الجنود تعثر برغم تشديد الخديو إسماعيل على إرسالهم، بسبب انتشار وباء الكوليرا فى سواكن وقت قدوم «إبراهيمية» لإقلال هؤلاء الجنود إلى مصر ومنها إلى موانئ المكسيك، وبرغم عدم وصول تلك النجدة الى المكسيك، فقد صمد جنود الأورطة صمودا بطوليا عامين آخرين، وتورد وثائق الكتاب بطولة فصيلة الملازم «عميد» فيما بعد «صالح حجازى»، الذى تعرض يوم 12 أغسطس 1865 لهجوم يقوده مئتا مكسيكى، بينما كان يسير فى دورية ليلية على رأس عشرين من جنوده، ولكنه صد الهجوم بعد أن أوقع خسائر جسيمة فى صفوف المهاجمين الذين يفوقون قواته عشر مرات، وفى ديسمبر 1865 شكلت القيادة الفرنسية كتيبة فرسان من جنود تلك الأورطة تضم 50 مقاتلا للقيام بأعمال الحراسة والتأمين، وقد قام ثلاثون من هؤلاء الجنود الخمسين بمهام حرس شرف إمبراطورة المكسيك، التى زارت مدينة «فيراكروز» محور عمل جنود تلك الأورطة فى ديسمبر عام 1865.

وكانت القيادة الفرنسية ترجو استتباب الأمن بحلول عام 1866، لكن العصابات المكسيكية واصلت هجماتها فى ذلك العام، وقد استطالت معركة وقعت بينهم وبين أبطال الأورطة يوم 25 يوليو 1866 حتى الخامسة والنصف صباحا، وانتهت بانسحاب مخز للمكسيكيين، الذين تركوا فى حومة الوغى تسعة من قتلاهم، كما قام جنود الأورطة بتحصين ميناء «فيرا كروز» بعد ازدياد هجمات المكسيكيين عليه.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، أقام «نابليون الثالث» يوم 2 مايو 1867 فى ساحة «فرساى» بباريس احتفالا شائقا لجنود تلك الأورطة حضره ناظر الجهادية «وزير الدفاع» المصرى الفريق شاهين باشا، وأتحف إمبراطور فرنسا كل ضباط وجنود الأورطة بوسام «الليجيون دى نور» كما قلد قائد الأورطة البكباشى «مقدم» محمد الماسى ذلك الوسام من درجة «فارس»، وقد أصدر «الخديو إسماعيل» خلال حفلة تكريم أقامها لأبطال تلك الأورطة بعد عودتهم إلى مصر يوم 28 مايو 1867 مرسوما بترقية كل ضباط الأورطة، كما أمر بإلحاق عدد كبير من جنودها بحرسه الخاص ثقة بهم وتنويها بكفاءتهم.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 829 الثلاثاء 24 مايو 2016