محسن صالح   تواجهنا المجموعة القصصية الجديدة للدكتور بهاء عبد المجيد «طقوس الصعود» بعزف جديد على سيمفونية الحياة بكل إخفاقاتها وصرخاتها وتبرمها وتلاشى الأمل مع بصيص النور الموازى الذى يزيل

بهاء-عبد-المجيد

محسن صالح

 

تواجهنا المجموعة القصصية الجديدة للدكتور بهاء عبد المجيد «طقوس الصعود» بعزف جديد على سيمفونية الحياة بكل إخفاقاتها وصرخاتها وتبرمها وتلاشى الأمل مع بصيص النور الموازى الذى يزيل جوانب الإحباطات وإن كانت لا تزال آثارها خلف الأحداث والشخصيات والذكريات. إنها مجموعة قصصية كالدنيا الدوارة تأخذك فى إشارات تعمق من الإحساس بالجمال وفهم كنه هذه الحياة المعاشة فى عملية صعود لسماوات عالية من السرد الرائق الصافي.

فى قصص هذه المجموعة نجد قصتين وهما «رجل وامرأتان» و«بلد الحلم البعيد» نلمح فيهما بعض تيمات من الرواية السابقة للكاتب «النوم مع الغرباء» والتى تتكلم عن شروخ العلاقة بين الرجل والمرأة وتلاشى السفر – الحلم للولايات المتحدة ونهايته بالعودة من هناك. أما فى قصة «مراكب الشمس» والتى أسمع فيها أصوات ودعوات وهمهمات الكهنة فى معبد آمون وهم يسردون محاسن ذلك الذى مات فى ترانيم كأنها دعوة للبعث من جديد أو الحفاظ على من ترك الحياة لعالم الموتى. وكذلك فى قصة « سينما شبرا بلاس» والتى تتحسر على أيام شبرا القديمة وذهاب الماضى الجميل الحلم، نرى فى هاتين القصتين ترديدات لتيمات فى الرواية الرائعة للمؤلف «سانت تريزا» والتى تتناول شبرا وتفاعل المجتمع المصرى بعناصره المختلفة وتواشج فئاته والاهتمام بالأضرحة كطقوس تمتحى من القديم والفرعونى والمقدس سماته وآثاره.

إذا ذهبنا إلى أعماق قصص منتقاة من هذه المجموعة القصصية الضافية لكاتبنا الشاب الدكتور بهاء عبد المجيد سنجد تيمات معينة تواجهنا فى سماوات الصعود، فنجد فى القصة الأولى «الإله الذهبي» ولنا أن نقف أمام كلمة الإله ومغزاها هنا فى هذه القصة والتى تنتهى بولوج بطلها مفتول العضلات والجسد لعالم الأفلام الإباحية مقابل مبلغ كبير من الدولارات وذلك فى عبارة خاتمة للقصة تنقلنا إلى عالم «عادل» بطل قصتنا المتيم بجسمه « لم يرفض متعللا بأن هذا عمل مثل أى عمل، خاصة بعدما خفت السياحة فى شرم بعد الثورة، وقال: متعة ونقود وهجرة، بدلا من هذا البلد الذى يأكلنا أحياء ويرمينا جيفة بعد موتنا» ص16

فى قصة «سينما شبرا بالاس» نجد الحنين إلى الماضى بكل طقوسه وأحداثه ولفتاته، حنينا يأخذ على النفس أقطارها. نلمح فى القصة طبواغرفيا سينمات شبرا ووصفا مفصلا لأماكنها وتنتهى القصة ونحن نسمع نبرة الصرخة فى كلام بطل القصة وهو يقول «هدمت سينما بالاس الآن، وحل محلها متجر كبير، وبناية قبيحة، وهدمت سينما الأمير وقيل: إن عادل إمام اشتراها وهدمها لكن لا تزال سينما التحرير باقية تسكنها أشباح وخيالات الأفلام والممثلون» ص73. تنتهى القصة بعبارة ملؤها المرارة حيث يقول البطل «… ولم تعد شبرا هى شبرا لأن أهلها تغيروا» ص 73.

فى القصة التى تأخذ المجموعة اسمها «طقوس الصعود» نرى فى القصة بساطة الحياة وتعقيداتها، فهذا هو الأستاذ «علي» يترك فى ابنه آثارا ولقطات لا تنمحى من الذاكرة حيث تتمازج فيها الورود مع الكلام مع البسطاء والماضى الجميل وكفاح الأب وتضحياته. لقطات كأنها فيلم تسجيلى لحياة نتمنى أن نحياها وأن نكون فى مثل هذه النوعية من العطاء. فى القصة تتمازج لغة الواقع مع لغة لها ترنيمة خاصة وكأنها النشيد.

تختتم القصة بفقرة تلخص الصعود بمعناه كما نحسه وندركه «عاش الأستاذ على فقيرا، ومات بروحه التى تحوم وتجيء لى كل ليلة عند الفجر تردد مع الأذان أنغام السماء وتتحد روحانيا فى لحن سماوى بديع هو الآن فى مكان آخر بعيد جدا، ولكنه قريب من الحور والأعناب المتدلية، ويطير فوق أنهار من لبن وعسل مصفى ويتنفس عطور الجنة، ويخدمه الولدان المخلدون، ويعيش على لحم الطير، ويرى ما لا عين رأت، ولا خطر على قلب بشر» ص 81 و82 خاتمة أجملت وعبرت وأوجزت فى سبك من العبارات زاد من جلالها الأخذ من الأسلوب القرآنى ولكنها «طقوس الصعود» ذات اللغة الضافية.

فى قصة «أوراق تسقط فى الخريف» تواجهنا أحداث ألمح فيها جزءا من تأثيرات حياة الكاتب الذى سافر إلى الخارج ودرس وعاش هناك « من رحلتى من إنجلترا هذا العام حيث كنت أحاضر فى جامعة أكسفورد، والحقيقة أننى لم أحاضر كثيرا لأننى كنت مشغولا بنفسى كونى كاتبا، وشغفى بمعرفة البشر قرأت الأوديسة هذا العام وصورة دوريان جراى لأوسكار وايلد. وقصائد الكانتوز لعذرا بوند، وأولاد حارتنا لنجيب محفوظ، ومات أبى هذا العام، وحزنت عليه كثيرا، وافتقدته وغابت عنا الفرحة منذ أن رحل «ص 87»

فى قصة «حبال ومشانق» وهى آخر قصص المجموعة نرى فيها الأرستقراطية الإنجليزية فى قاهرة بداية القرن العشرين حيث الاحتلال الإنجليزى الجاثم فوق صدورنا المصريين البسطاء. قصة قصيرة أرشحها أن تكون رواية قصيرة أو رواية طويلة يصول فيها كاتبنا ويجول فلديه من «حادثة دنشواي» الكثير والكثير فى ذاكرة التاريخ والذاكرة الجمعية. قصة كانت خاتمة المسك فى هذه المجموعة.

لقد أخرت حديثى عن هذه القصة «مراكب الشمس» – القصة قبل الأخيرة فى المجموعة التى نحن بصدد الحديث عنها – لأنها قصة ترانيم وتعزف على نغمة الطقوسية فى المجموعة، إن القصة نشيد دائم التجديد وهى عبارة عن سرد فى لغة شاعرية لتصرفات «العبد» الذى أدى الفضائل فى الحياة الدنيا حيال أهله المقربين وحيال الفقراء والمساكين وحيال الحياة من حوله من نهر وطيور كما تسرد سمات التدين من تردد على المعابد وتقديم القرابين والأضاحى وحب الشمس وحب القمر وحب البحر.. إلخ فى سرد لكل الصفات التى تؤهل للحياة الأخرى الجميلة، حيث نرى «أيها المعلم الحكيم الذى أسعدت تلاميذ القرية، أنت الآن تصعد للسماء وتبارك معراجك الملائكة، لأنك أخلصت فى دنياك لإلهك وأحببت ابنك، ولم تفرق فى ميراثهما. خطواتك ناعمة فى المسير، وممرك آمن نحو السموات العلى» ص 105

ينتهى هنا الحديث عن هذه المجموعة القصصية التى أثلجت صدورنا ورسمت لنا لقطات من الحياة وأضافت لبنة إلى لبنات الإبداع القصصى المصرى وشيدت مع الإبداعات الأخرى لكاتبنا الشاب الدكتور بهاء عبد المجيد عالما ندخله ولا نريد أن نخرج منه لأنه ببساطة الحياة فى خفتها وثقلها فى أخذها وردها فى إقبالها وإدبارها فى سرد نقف أمامه مشدوهين كأننا أمام أثر فرعونى خالد ننظر إليه فنزداد إعجابا وتقديرا ولا نريد أن نفارقه.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 829 الثلاثاء 24 مايو 2016