فاتن شوقى على   يقول الكاتب والشاعر الفرنسي «جان كوكتو»: «الكتابة ليست سجادة فارسية يسير فوقها الكاتب، فالكاتب يشبه الحيوان البرى الذى كلما طارده الصيادون كتب أفضل»، نستطيع أن نُقر

صوفية العشق والغزل فى «بين الكلمات» لمريم توفيق

فاتن شوقى على

 

يقول الكاتب والشاعر الفرنسي «جان كوكتو»: «الكتابة ليست سجادة فارسية يسير فوقها الكاتب، فالكاتب يشبه الحيوان البرى الذى كلما طارده الصيادون كتب أفضل»، نستطيع أن نُقر إلى حد كبير بمصداقية هذه العبارة وانطباقها المشع على أشعار الشاعرة «مريم توفيق» فى ديوانها «بين الكلمات» الصادر عن مكتبة «جزيرة الورد»، فحالة العشق الخالص النقى، هى المحور الذى يدور حوله الديوان، ليصب فى مسارب متنوعة ويلتقى فى بؤرة الفؤاد، وتتكئ الشاعرة فى رحلتها الغزلية هذه على محاور عديدة، حيث تتجلى صورة العشق والعاشق والمعشوق فى صورةٍ تقترب فى صفائها وصدقها من حالات الصوفية للمعنى الحقيقى للعشق ذاته، فى حين يتجلى الحبيب بصوره وحالاته المختلفة داخل أجواء التصوير الفنى والحالة الشعرية، كناسكٍ يدور حول كعبة العشق. ومن هنا تتحقق مقولة «جان كوكتو»: بأن الشاعرة لم تسع إلى القوالب الجاهزة والأخيلة المعتادة كسجادة غزلية ترسم فوقها حالاتها المتعددة، وإنما طافت فى أروقة الدنيا، وطاردتها حالات العشق العليا حتى اقتنصت أفضلها، وتنعمت فى هالات أضوائها.

– مفاتيح العشق عند مريم توفيق:

للعشق مفاتيحٌ عند الشاعرة، وهى مفاتيح تصور جمال الحياة، إيمانا بمبدأ «أن العاشق دائما يرى الوجود جميلا، ومن هذه المفاتيح «البوح الكامل»، وهو حالة وجدانية صادقة وظفتها الشاعرة عبرالحوار الثرى بين العاشق والمعشوق، عبر كلمات «هو وهى، أو قال وقالت»، وتلك سمة أغلب القصائد، كأنها تجيب عن تساؤلاتنا الخفية وتفصح عن مكنون قلوب العاشقين كما فى قصيدة «وعد» تقول: قالت: تحت ظلال وعودك جئت/ أنتظر الحلم الآتى أتسابق واللحظة كى أبدأ معك العمر القادم… قال: يا نجمة صبح قمرية، وقصائد عشق ليلة/ يا كأسا أشربه فأذوب/ يشربنى فيذوب/ وتذوب جميع الكثبان الرملية، وقد تسعى الشاعرة للبوح أيضا عبر «المناجاة النفسية»، كما فى قصيدة «فى خلوتي» تقول «فى خلوتى صافحت مراكب النور حين بدد القلق أيتها العصافير/ الآن ربحت النور والشمس فى ظلال/ سأبعث الأشعار فيه مزامير من ألحانه/ وأبنى قصرا على كفيه، أغدو محارة عشق/ أضيء كل حروف الصمت، وأيضا من مفاتيح العشق، «مناجاة الطبيعة»، فالشاعرة ليست شاكية، وإنما تحمل عشقها لتنثره فوق الروابى وحول الزهور لتضفى جمالا طبيعيا يتناغم مع جمال حالة العشق الحقيقية، والقمر هو الصديق المقرب للشاعرة، حيث برعت فى جعله صديقا لها من دم ولحم، كما فى قصيدة «هاتف» تقول: طوف بى نحو الشهب/ ثم عد بى للنخيل والنهر/ للنحل فأعب قارورة الشهد/ أسقيه قطرة فقطرة/ عد بى للسحر/ يا قمر.. رجاء.. كن شاهد علي، ومن أهم مفاتيح العشق لدى الشاعرة هو مفتاح القصصية «الحدوتة»، فدرامية المشهد هى من تجدد دماءه، مثل قصيدة «حوارية مع ساعة»، تقول: يا ساعتى.. رجوتك أن تسرعى الدقات أسرعي/ طال انتظارى عاما بعد عام/ مهلا.. مهلا. لا تتعجلي/ ربما أعاقت حضوره تعاريج الطرق.

– مريم توفيق والمخاض الإبداعي:

القارئ لديوان «بين الكلمات»، يعى تماما، أن الشاعرة مرت بتجربة «المخاض الإبداعي» بوعى شديدٍ، وهى لحظات متقطعة توزعت على جميع القصائد، حيث بذلت الشاعرة جهدا فكريا ونفسيا لمعايشة اللحظات النورانية فى القصائد والتى تجر الشاعرة لتجارب ولغة ووجدان مثقل بالموهبة، فالشعور يأتى أولا، ثم موجات التعبير ثم تجربة المخاض الفكرى، حتى تولد القصيدة يانعة مشرقة معبرة عن حالة التوهج للحبيب، وهذا ما فعلته الشاعرة، عبر مستويين فنيين الأول: يخص القصيدة الأولى «الأمس الحارق»، وهى قصيدة طويلة جدا، وحالة وجدانية خاصة تسرد فيها الشاعرة تقلبات القلب، وحالات الحبيب المختلفة، وقد تجد عبارات اللوم والعتاب، والمستوى الثاني: باقى القصائد التى تصطبغ كلها بصبغات الحنين والشوق واللهفة، فلن تجد لوما أو عتابا للحبيب، ولم تصوره ولو مرة بالغادر أو بالهاجر، إنما هى هالات من الضوء المشع للحب، واستخدمت فى ذلك كل وسائل العشق، كأغانى «أم كلثوم وعبد الوهاب»، كقولها: بعد ألف عام كنت على حق يا رفاقى/ ملاك يدور بالأفق خلف الغمام الرقيق/ فأطبقت عليه جفنى/ وبت لا أنام دون أن أطوقه/ فيشدونا «عبد الوهاب»/ جفنه علم الغزل ومن العلم ما قتل/ فحرقنا نفوسنا فى جحيم من القبل، وقد تستدعى أبطال العشق القدامى، كقيس وليلى: تتملكنى نوازع الشوق/ ما أرى قيسا إلا فى الصور/ لا فرح ولا عرس/ لا باقة زهر ترميها ليلى، وتظل الشاعرة فخورة دائما بشعرها، فالأنا الشعرية حاضرة فى أغلب القصائد، فالشعر والقصائد والورق والقلم، كلمات اتخذتها الشاعرة زادا فى رحلتها عبر الديوان، تقول: هتفت يا طائر الفجر/ ليس لى سوى الحب والشعر/ بالحنان طوقت نحري/ فصرت أداعب نسمة العطر. وقد ربطت الشاعرة عبر جسر المخاض الإبداعى دائما بين جسد القصيدة وبين «مريم العاشقة» نبضا وحسا وقلبا وشعورا، وكلها ألفاظ حرصت الشاعرة على تناثرها عبر عطر القصائد، ولك أن تجد أيضا صور النماء والخصوبة والزرع، بساطا أخضر يفترش هذا العشق العذرى فى القصائد، وبرغم ذلك الفيض كله، ما زال عند الشاعرة موجات من العشق لم تفصح عنها بعد، كقولها «فى قلبى تبقى الكلمات/ تنبض بالعشق وبالرقة/ تجهر بحروفٍ يانعة/ تزهر فى البهو وفى الطرقة/ تُوقظ أزهارا هاجعة/ لتيسر للساهر أرقه/ فى قلبى تبقى الكلمات/ لو أنطقها تفضح عشقه.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 829 الثلاثاء 24 مايو 2016