مريم سليمان   هل جرّبت أن تستمع إلى قطعتين موسيقيتين معا فى نفس الوقت؟ إن حدث وجربت، حتما تعرف أنك ستصاب بالتشويش، ستنهك أفكارك، وتتخبط مشاعرك بلا طائل؛ هذا تماما

راى برادبيرى

مريم سليمان

 

هل جرّبت أن تستمع إلى قطعتين موسيقيتين معا فى نفس الوقت؟ إن حدث وجربت، حتما تعرف أنك ستصاب بالتشويش، ستنهك أفكارك، وتتخبط مشاعرك بلا طائل؛ هذا تماما ما يحدث لنا جميعا فى كثير من الأحيان، نريد ونحتاج أن نركز على شيء واحد، ثم تظهر- بطريقة شيطانية – آلاف الأشياء الأخرى ثم ماذا؟ ينتهى الأمر إلى لا شيء، نقول لأنفسنا مرارا وتكرارا الحكمة القائلة «حبة رمل واحدة فى المرة، عمل واحد فى المرة»، لكن هذا لا يكفى للأسف، ليس لأننا لا نستطيع تطبيقه؛ بلى.. نستطيع وبصرامة، لكنه لا يكفى.. لا يكفى وحسب، لماذا؟ لأن المشاكل تجد ثغرة ما وتنفذ إلينا بطريقة أو بأخرى.

طيب.. ما العمل؟ «لا تصرف كثيرا من الوقت بالتأمل فى مشاكلك، لكن عوّل على وعيك الباطن أو ما سماه ووردزورث «السلبية الحكيمة» انك تحتاج إلى فلسفة الزن لحل مشاكلك، فهذه الفلسفة من الفلسفات المتبعة، ولكن أتباعها تعلموا بالفطرة ما عاد عليهم بالنفع فنشارة الخشب والنحات وراقصة الباليه هم فى الحقيقة يطبقون تعاليم الزن دون أن يسمعوا عنه» هذا ما يقوله لنا راى برادبيرى فى كتابه «الزّن فى فن الكتابة».

عنوان صادم كما وصفه برادبيرى بنفسه، وقد اقترح علينا قراءة كتاب «الزّن فى فن الرماية» وهو من تأليف يوجين هيرجل، حيث سنجد فيه نفس الكلمات التى بدأ بها حديثه «العمل، الراحة، عدم التفكير».

ويوضح برادبيرى الفكرة قائلا: «العمل الجاد يهيئ الطريق إلى المراحل الأولى من الراحة التى يقترب فيها الشخص من المرحلة التى سماها جورج أورويل عدم التفكير»، ولمزيد من التوضيح يقول: «إن ما يجلب لنا التوتر والاضطراب هو عدم المعرفة أو الإحجام عن محاولة المعرفة، وعلى النقيض فإن الخبرة والمعرفة اللتين نكتسبهما من العمل تمنحاننا ثقة جديدة هى الطريق إلى الراحة، تلك الراحة المفعمة بالحيوية».

يتحدث برادبيرى فى الفصل الأول عن أهم العناصر فى تكوين الكاتب من وجهة نظره ويقول انها اللذة والمتعة «أنت لديك قائمة بكتّابك المفضلين، فكّر بكل هذه الأسماء، لقد عرف جميعهم متعة الخلق، لقد عرفوا المتعة فى عملهم. لا يهم إذا ما جاء الخلق صعبا هنا أو هناك على طول الدرب، أو ما هى الأمراض والمآسى التى لامستهم فى حيواتهم الخاصة. الأشياء المهمة هى تلك التى مرروها لنا من أيديهم وعقولهم، الأشياء التى تمتلئ حدّ الانفجار بالقوة الحيوانية والحيوية الذهنية. إنهم يبلغوننا عن أحقادهم ويأسهم بشيءٍ من الحب».

وفى فصلٍ عن الإلهام بعنوان ساحر ولطيف هو «كيف تطعم ربة الإلهام وتستبقيها» يتحدث برادبيرى بأسلوب مشوق وفريد، وفى خطوات عملية وواضحة، عن الكيفية التى «تنمو بها ربة الإلهام» حيث يحدد لنا «نظاما غذائيا للاوعينا».

يحثنا برادبيرى أن نقرأ الشعر فى كل يوم، وأن نهتم كذلك بكتب المقالات وأيضا القصص القصيرة والروايات، فالأمر يبدو له أنه « ركضٌ لا يتوقف خلف الأمور التى نحبها»، و«مشى طويل فى أى وقت داخل المكتبات ومتاجر الكتب».

ثم يوجّه هذا السؤال المهم والكاشف قائلا: «هل كتبت بما فيه الكفاية لكى تكون مسترخيا وتسمح للحقيقة بأن تنبعث منك؟» ويسأل أيضا «متى كانت آخر مرة كتبت فيها قصة قصيرة حيث حبك الحقيقى وكراهيتك الحقيقية خرجا بطريقةٍ ما إلى الورق؟ متى كانت آخر مرة تجرأت فيها على إطلاق تحيّزاتك العزيزة حيث تضرب الصفحة مثل سهمٍ من برق؟ ما أفضل وأسوأ الأشياء فى حياتك، ومتى ستتجرأ للهمس بها، أو الصراخ؟»

هذا النوع من التقديس للحقيقة يعتبر إحدى الركائز الأساسية للكتابة الأصيلة والجميلة، وهو ما تحدثت عنه أيضا الروائية آن باتشيت فى كتاب لماذا نكتب ( وهو الكتاب الأول لمشروع تكوين للكتابة الإبداعية، والذى أصدر أيضا هذا الكتاب الذى نحن بصدده)، تقول باتشيت: «أنا شخص متمحور حول الحقيقة، أعرف بأننى فيما أكتب سأستمر فى القول لنفسى بأن تقول الحقيقة حول كل شيء».

وبالعودة مرة أخرى للحديث عن الفصل الأهم فى الكتاب، والذى يحمل نفس عنوانه «الزّن فى فن الكتابة»، نجد أن براد بيرى يتحدث مجددا وبشكلٍ متواصل عن الحقيقة والتعبير عنها، حيث يؤكد لنا أن «جميع القصص الجيدة تشترك فى كون الكاتب تفرّد بكتابتها من حقيقته الخاصة»، ويخاطب القارئ لافتا نظره إلى «الشخص الذى لا بديل له فى العالم، ذلك الشخص الذى لا توجد منه نسخة أخرى، إنه أنت».

وفى الفصل الأخير نجد تنويعا إبداعيا لبرادبيرى على هذه الفكرة الجوهرية نفسها من خلال قصيدة له بعنوان «أنا ما أفعله ولذلك خلقت».

يقول فيها: «ستحفر عميقا حتى تجد التعاليم اللذيذة هناك/ عندما خلقك الرب وطبعك لترى الحياة : اذهب من هنا ! افعل هذا! وافعل وافعل! وافعل شيئا آخر! هذه النفس لك! كُنها! وما هذا؟ أتبكى على صدر متّقد/ أليست هناك راحة؟ لا، بل فقط الرحلة إلى نفسك.

وحتى وعلامات الولادة تتلاشى/ فى أذن الصدفة تتلاشى الآهات، وترسلك كلماته الأخيرة إلى العالم:

لست أما، لست أبا، لست جدا/ لا تكن غيرك/ كن نفسك التى خلقتها فى دمك».

فى ختام الكتاب يسأل برادبيرى القراء «هل أبدو بكلامى هذا متطرفا من نوعٍ ما؟ كممارس يوجا يأكل ثمر البرتقال الذهبي، وحبوب العنب، واللوز تحت شجرة البانيان؟» وبصفتى كقارئة أعتقد أنه يحق لى أن أجيبه؛ وسأجيب بنعم.. نعم تبدو متطرفا، وقد جررتنى معك لأبدو متطرفة بدوري، وأدعو كتابك سِفْر الحكمة.. لكن أتعلم؟ هذا لا يهم.. سأعمل بنصيحتك وأتوقف عن التفكير.. كل ما أريده الآن هو أن أكرر كلمات قصيدتك التى أحببتها «لست أما، لست أبا، لست جدا.. لا تكن غيرك.. كن نفسك التى خلقتها فى دمك».

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 830 الثلاثاء 31 مايو 2016