تيسير النجار – أسوان   لما رأى حيرتى وسمع رجائي، دنا مني، مد يده الخشنة بأصابعها الغليظة، كنت جاثيًا على ركبتيّ، مطرقًا إلى الأرض أبكى.. أبكى فقرى وضعفى وقلة حيلتى

Man-Digging

تيسير النجار – أسوان

 

لما رأى حيرتى وسمع رجائي، دنا مني، مد يده الخشنة بأصابعها الغليظة، كنت جاثيًا على ركبتيّ، مطرقًا إلى الأرض أبكى.. أبكى فقرى وضعفى وقلة حيلتى وحماقاتي، ما زالت يده ممتدة أرى ظلها يتماهى مع ظل رأسي، نظرت إليه وكابرت دموعى ولم تسقط، أمسكت يده، رفعني، خطواتى تنزلق من لزوجة الوحل، تحاوطنى بركة من الطين المتعفن، لا أرتدى حذاء ولا أتذكر أين وضعته؟ ولا كيف أضعته؟ آخر ما أتذكره بكاء زوجتى ولعنات أمى التى قالتها بصوت مبحوح تخنقه الشهقات، لم أنس أيضًا وجه طفلتى الشاحب، التى يرقص الموت بجوارها سعيدًا بمحاولاته فى اختلاس روحها التى حاولت إسعادى فيما مضى، يدنسها اسمى الملحق بها ولوثت طفولتها بفظاظتي، هل حُرمت من جملتها:

«ح استناك لحد ما تخلص شغل لو حتى لآخر العمر».

– هل جاء آخر عمركِ قبل مجيئى وكان أرحم بكِ منى يا بنيتي؟

وقفت بالقرب منه كانت الرمال ساخنة، تلهب قدميّ لكن طبقة الطين خففت السخونة قليلا، مستند على عصاه، منتعل صندلا من الجلد، ثيابه بلا لون فقط طبقات متراكمة ورائحة زفرة، تمكنت من تحديدها مثل زفارة السمك وتعفنه أيضًا، بالرغم من نتانتى ميزت رائحته، حاسة شمى ما زالت قوية، العطش يفتك بحلقى ويلصق لسانى بفمى فلا يستطيع الرد فى أسئلة العجوز، تبينت من تلميحاته أنه يعرف معاناتى وضائقتى الأخيرة متعلقة بالمال، أخبرنى أن هناك كنزا خبأه أبوه منذ زمن ثم أشار إلى بعيد، كانت سبابته متشققة وأسفل ظفره منتفخًا، يرتدى خاتمًا بفص أخضر، عروقه ظاهرة، تذكرت أنه من المفترض النظر إلى ما يشير وليس تأمل يده، كان هناك هضبة ذات سطح مرتفع بنسبة قليلة وفى واجهتها رمال مجتمعة لونها أصفر فاقع، حاولت تركيز نظرى نحو اتجاه أصبعه لكنه تلاشى سريعًا. وجدت مكانه أدوات الحفر، قرفصت وأنا أفحصها، دق قلبى عند رؤية قربة ماء وبعض من الخبز، تناولتهما سريعًا، لا أدرى كم يومًا مر وأنا هنا، تذكرت فجأة بعد خروجى من المنزل، مشاجرتى مع المعلم الذى سرق حصتى فى العملية الأخيرة، حذرتنى زوجتى كثيرًا من عملى لكنى لا أعرف غير ذلك، منذ مراهقتى وأنا هكذا ولم أسعِ له مطلقًا، أنه القدر الذى لا هروب منه، لم يجدِ معى رجاء زوجتى أو تعنيف أمى وحزن صغيرتى من الشرطة ونوبات غضبي.

جلست أفكر هل كان يقصد الرمال أم الهضبة ؟ سبابته لم تمل كانت فى المنتصف، من سيساعدنى هنا؟ لا أحد أو حيوان أو صوت، فقط غراب يحوم حولي، لا أؤمن بالتشاؤم لكن وجوده ضايقني، حملت الكوريك والمقطف، تركت الفأس والأزميل والمجرفة، سأبدأ عملى فى الرمال، بالتأكيد يوجد الكنز أسفلها، كيف سيدفن الكنز ثم يضع فوقه الهضبة ؟! تبدو متماسكة وبلا شروخ توضح أنه تم تكسيرها من قبل، عبأت مقطفى وأفرغته بعيدًا ثم أعدت الكرة حتى أنهكنى التعب، حلق الغراب فوق رأسى بشكل دائرى وكان ينعق نعيقًا متواصلا، يهبط فوق الهضبة وينبش بمنقاره، حاولت أن أصرفه، لكنه يعود مجددًا بذات الحركات، تجاهلته وواصلت عملى حتى غاص نصفى الأسفل فى الرمال.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 830 الثلاثاء 31 مايو 2016