«القارئ» لبرنهارد شلينك ترجمة تامر فتحي تصدر قريبًا عن روافد   1 أُصبتُ بالتهاب كبدي، حين كنتُ فى الخامسة عشر من عمري. بدأ ذلك فى فصل الخريف وانتهى فى فصل

كيت-وينسلت

«القارئ»

لبرنهارد شلينك

ترجمة تامر فتحي

تصدر قريبًا عن روافد

 

1

أُصبتُ بالتهاب كبدي، حين كنتُ فى الخامسة عشر من عمري. بدأ ذلك فى فصل الخريف وانتهى فى فصل الربيع، وكلما كانت السنة المنصرمة تزداد برودةً، وليلها يزداد طولا، ازددتُ وهنًا على وهن. فقط عند مطلع السنة الجديدة بدأت الأمور فى التحسن. كان يناير دافئًا، فأخرجت لى أمى السرير فى الشرفة، فرأيتُ السماء، والشمس، والسحب، وسمعتُ أصوات العيال، وهى تلعب فى الحوش، ثم بعدها بفترة وجيزة، وفى احد مساءات شهر فبراير سمعتُ شحرورًا يغنى.

أول مرة تجاسرت، وخرجت فيه كانت من شارع الزهور، حيث نعيش فى الطابق الثانى من بناية شُيدت فى مطلع القرن، إلى منزل كبير فى شارع المحطة. هناك حيث تقيأتُ فى أحد أيام الاثنين من أكتوبر الماضى عند عودتى من المدرسة للبيت. قبلها بأيام، وأنا أشعر بضعف شديد، لم يسبق أبدا أن شعرتُ به. كل خطوة كان يلزمها مجهود، وكنت كلما وقفتُ، سواء أمام سلم البيت أو المدرسة، تمكنت بالكاد من رفع قدمي، وما عادت لى رغبة فى الأكل أيضًا. وإن جلستُ أمام المائدة جائعًا، سرعان ما كنتُ أشعر بالغثيان، وذات صباح استيقظتُ بفمٍ جاف، وشعور بأن أعضائى الداخلية ثقيلة، وفى غير محلها داخل جسدي. استحيتُ من ضعفى الشدي، خاصة عندما تقيأتُ. كان ذلك أيضًا أمرًا لم يحدث لى أبدًا من قبل. فلقد امتلأ فمى فجأة، فحاولتُ بلع ما فيه، وأطبقتُ شفتيّ، ووضعت عليهما يدي، إلا ان كل شيء اندفع عبر فمى وأصابعي. استندتُ إلى الحائط، ونظرتُ إلى القيء حول قدمى، ثم عاودنى التقيؤ إلى أن تقيأت سائلا مخاطيًا، أبيض اللون.

المرأة، التى أسعفتنى تصرفت معى بخشونة تقريبًا. أمسكتْ بذراعي، وشدتنى عبر المدخل المعتم لحوش البناية. فى الأعلى كانت توجد حبال ممتدة من نافذة إلى أخرى، ويتدلى منها غسيل. وخشب مصفط فوق بعضه داخل الحوش؛ ومن ورشة مفتوحة تعالى صوت صرير منشار، وتطايرت نشارة خشبية. قرب مدخل الحوش كان هناك صنبور للماء. فتحت المرأة الصنبور، ثم غسلتْ يدى أولا، وألقتْ بالماء، الذى غَرفته بيدها على وجهي. جففتُ وجهى بمنديلٍ.

«أحضر هذا». كان على مقربة من الصنبور جردلان، خطفتْ هى واحدًا وملأتْه، وأخذتُ أنا الآخر، وملأتُه وتبعتُها عبر المدخل. طوّحتْ ذراعيها، ثم بعدتْ عن الماء المتدفق على الرصيف، الذى جرف القيء إلى داخل البالوعة. بعدها أخذتْ جردلى، وأرسلتْ دفقة ماء أخرى عبر الرصيف.

عدلت قامتها، ورأتنى أبكي. «هاى… يا ولد، » قالت، وقد جفلتْ، «يا ولد»، ثم أخذتنى بين ذراعيها. كنتُ أطول منها قليلا، فشعرتُ بصدرها قبالة صدري، وشممتُ فى غمرة عناقنا، وحموضة أنفاسى رائحة عرقها الطازج، ولم أدرِ ماذا أفعل بذراعيّ.

توقفتُ عن البكاء. سألتنى أين أسكن، ثم وضعتْ الجردلين جانبًا فى المدخل، وأخذتنى إلى البيت. مَشتْ بجواري، تحمل فى يد حقيبتى المدرسية، وذراعى فى اليد الأخرى. لم تكن المسافة من شارع المحطة لشارع الزهور طويلة. مَشتْ بسرعة، وفى ثبات ساعدنى على أن أحذو حذوها. وأمام بيتنا قالت وداعًا.

فى ذات اليوم استدعت أمى الطبيب، الذى شخص الحالة بأنها التهاب كبدي، وفى النهاية حكيتُ لأمى عن المرأة، ولا أعتقد أنى كنتُ سأزورها، إن لم أفعل ذلك، فأمى افترضتْ، بالطبع، أنه فور تحسنى سأبتاع من مصروفى بعض الورد، وأذهب لأُعرفها بنفسى وأشكرها، ولذلك توجهت فى أواخر فبراير إلى شارع المحطة.

2

ما عاد البيت، الذى كان فى شارع المحطة موجودًا الآن. لا أدرى متى ولماذا هُدم، فلسنوات عديدة كنتُ خارج بلدتي. المبنى الجديد، الذى أُقيم فى السبعينات أو الثمانينات، وبه خمسة طوابق، فضلا على عِلّيّة، خالٍ من النوافذ الكبيرة أو البلكونات، ومغطى بقرميد أملس. أزرار أجراس كثيرة تشى بكثرة الشقق الصغيرة. شقق ينتقل إليها الواحد، ثم يغادرها كأنه يُؤجر سيارةً، ثم يُعيدها، وفى الطابق الأرضى يوجد مكان الصيدلية القديمة محل كمبيوتر، وسوبر ماركت، ونادى فيديو.

البيت القديم كان فى الارتفاع نفسه، لكنه ذو أربعة طوابق فقط، طابق أرضى مشيد من كتل حجر رملى مكشوط، وثلاثة طوابق مبنية من الطوب والملاط، وبه نوافذ كبيرة بارزة مصنوعة من الحجر الرملي، وبلكونات ونوافذ مطوقة، وكانت تقود للطابق الأرضى وإلى بئر السلم بضع درجات، تتسع من أسفل، وتضيق من أعلى، ويحاوطها جدران على كل منها درابزين حديد اِنثال من طرفه لأسفل فى شكل حلزوني، وكان الباب الأمامى يحده عمودان، ومن جانبى الحلية المعمارية يبرز أسدان، أحدهما كان يطل على شارع المحطة، بينما الآخر ينظر إلى أسفل، ولم يكن المدخل، الذى أخذتنى من خلاله المرأة للصنبور داخل الحوش، إلا مدخلا جانبيا.

مُذ كنتُ طفلا صغيرًا، وأنا ألحظ البيت. كان يهيمن على صف البيوت، وكنتُ أتصور أنه إن أراد أن يزداد سُمكًا أو اتساعًا، فإنه لا بد للمنازل المجاورة أن تفسح له، وفى الداخل كنتُ أتخيل الدرج مطليا بالجص، وبه مرايا، وسجادةُ طويلة مزينة بنقوش شرقية، وعليه قوائم نحاسية لامعة. توقعتُ أن البيت العالى لا بد أن عِليّة القوم تسكن فيه، لكن بما أن المبنى كان مسودًا بفعل السنين، وأدخنة القطارات، فقد كنتُ أتخيل أن ساكنيه الكبار لا بد أنهم مثله مغبرون، وغريبو الأطوار، وربما صُم أو بُكم، حُدب أو عُرج.

بعد ذلك بسنوات حلمتُ بالبيت مرارًا وتكرارًا. كانت أحلام متشابهة. تنويعات على حلم واحد، وموضوعا واحدا. أمشى فى بلدة غريبة، وأرى البيت. يقف فى حيٍ لا أعرفه وسط صف من البيوت. أواصل المشى مبلبلا، فالبيت مألوف، لكن ما يحيطه ليس كذلك، بعدها أتذكر أنى رأيته فعلا من قبل. أنا لا أرى شارع المحطة الموجود فى بلدتى، بل مدينة أخرى، أو بلدًا آخر. فى حلمى أنا فى روما، مثلا، وأرى المبنى، وأدرك أنى شاهدته من قبل فى مدينة برن. متذكرًا ذلك. أحلم وأنا مطمئن، فرؤية البيت فى أماكن مختلفة ما عادت تفاجئنى، بل صار كلقاء صديقٍ قديم مصادفة فى مكان غريب. أستدير وأعود وأصعد درج البيت. أريد الدخول، وأدير مقبض الباب.

حين أرى البيت فى مكان ما فى الريف، فإن الحلم قد يطول أو أتذكر تفاصيله جيدًا. أقود السيارة. أرى البيت على الجانب الأيمن وأواصل القيادة، ما يحيرنى للوهلة الأولى فقط هو وقوف مثل هذا البيت، الذى يشبه بيوت المدن، وسط حقل مكشوف، بعدها أتذكر أنى رأيته من قبل فتزداد حيرتي، وحين أتذكر أين رأيته قبل ذلك أستدير، وأقود السيارة عائدًا إليه. الطريق خالية دائمًا فى الحلم، بحيث يمكننى أن أستدير بعجلاتى الصارخة، وأعود إليه بسرعة عالية. أخشى أن أتأخر، فأقود بسرعة أعلى، عندئذ أراه، محاطًا بحقول اللفت والحنطة، أو الكرم اليوناني، أو شجيرات الليمون الفرنسي. على مساحة مسطحة مرتفعة قليلا. دون أشجار، والنهار صافٍ، والشمس مشرقةٌ، والهواء يهب ويلمع فوق حرارة الشارع. الأسوار تجعل البيت غير جذاب، ومعزولا، لعلها أسوار تخص بيتًا آخرًا. البيت ليس أكثر عتمة مما كان عليه فى شارع المحطة، غير أن النوافذ متربة تمامًا لدرجة لا تُظهر شيئًا مما بداخل الغرف، ولا حتى الستائر، فيبدو البيت كالأعمى.

أتوقفُ على جانب الطريق، وأعبر إلى المدخل. لا أحد على مرمى البصر، ولا شيء يُسمع، ولا حتى صوت محرك بعيد، أو صرير ريح أو صوت طائر. العالم ميت. أصعد الدرج، وأدفع مقبض الباب.

لكننى لا أفتح الباب. أستيقظ، وأنا أعرف أنى أمسكت المقبض وأدرته. عندئذ يعود الحلم ثانية إليَّ، وأعرف أنى حلمته من قبل.

3

لم أكن أعرف اسم المرأة. كنت ممسكًا بباقة ورد، وأقف مترددًا أمام البوابة، ولوحة مفاتيح الأجراس. وددتُ لو أنى استدرت وصرفتُ نظرًا، لكن حينئذٍ خرج رجل من البيت، وسألنى عمن أبحث، ثم دلنى على السيدة شميتز فى الطابق الثالث.

لا قرميد مزركش، ولا مرايا، ولا سجاد، وأيًا ما كان عليه جمال الدرج البسيط، الذى لا يمكن مقارنته بأُبهة الواجهة، فإنه تلاشى منذ وقت طويل. زال طلاء السلم الأحمر من المنتصف، وبُليّ المشمع المزخرف بالأخضر الملصق على الحائط بمحاذاة الكتف، وشُدّت خيوطٌ مكان فجوات الدرابزين، ومن المكان كانت تفوح رائحة سوائل التنظيف. أظن أنى لم ألحظ هذا كله إلا مؤخرًا فقط. كان دائمًا بنفس القِدم والنظافة، وكانت تفوح منه دائمًا رائحة المنظفات نفسها، وأحيانا كانت تمتزج برائحة الكرنب، أو الفاصوليا، أو طعام مقلي، أو رائحة غلى الغسيل.

لم أعرف عن باقى السكان شيئًا بخلاف هذه الروائح، ومسَّاحات الأقدام على أعتاب الشقق، ولوحات الأسماء تحت كل جرس، ولا أذكر حتى أنى التقيتُ بساكن آخر على السلم.

لا أذكر كيف سلمتُ على السيدة شميتز. أعتقد أنى حضّرتُ جملتين أو ثلاثا عن مرضي، ومساعدتها إياي، وكيف أننى ممتن لها، ثم تلوتها عليها. قادتنى إلى المطبخ.

وكان أوسع مكان بالشقة فيه موقد، وحوض للغسيل، وحوض للاستحمام، وسخان، وطاولة وكرسيان، وخزانة مطبخ، ودولاب وأريكة، وكانت على الأريكة قطعة قطيفة حمراء، دون نوافذ، وكان الضوء يدخله من زجاج الباب المؤدى إلى البلكونة، فلم يكن ضوءا مبهرًا، فالمطبخ كان يضوى فقط لو كان الباب مفتوحًا، حينها كان صوت صرير المنشار يعلو من ورشة النجارة الموجودة فى الحوش، وتفوح رائحة الخشب.

وكان بالشقة أيضًا غرفة معيشة صغيرة بها تسريحة وطاولة وأربعة كراسى ومقعد ومدفأة. هذه الغرفة لم تكن تجرى تدفئتُها طيلة الشتاء تقريبًا، وبالكاد كانت تُستخدم فى الصيف أيضًا، وكانت بها نافذة تطل على شارع المحطة، ومكان المحطة القديمة، الذى حُفر وجُهز الآن لتركيب أساسات المحكمة الجديد والمبانى الإدارية، وأخيرًا كان بالشقة حمام من غير نافذة، وكان إذا ما فاحت رائحة من الحمام، عبقت الردهة.

ولا أذكر كذلك ما كنا نتحدث عنه بالمطبخ، فقد كانت السيدة شميتز تكوى ملابسها، وفردت على الطاولة بطانية صوف، وفوقها قطعة قماش من الكتان، ترفع قطعة ملابس تلو الأخرى من السلة، تكويها وتطويها، ثم تضعها على أحد الكرسيين، وكنتُ أجلس على الجهة الأخرى. كوت حتى ملابسها الداخلية، ولم أشأ أن أنظر، لكننى لم أتمكن من فعل ذلك. كانت ترتدى ثوبًا أزرق فضفاضًا بلا كمين وبه زهور وردية. كتفاها، شعرها الفضى المعقوص بحلية خلف عنقها. يداها العاريتين البيضاوتين. أداؤها، وهى ترفع المكواة لتكوى بها، ثم تعيدها مكانها، ثم تطوى الملابس وتضعها جانبًا، كانت بطيئة ومُركِزة، تمامًا كحركتها، وهى تنحنى للأمام، ثم تعتدل ثانية. كان يعلو وجهها حينئذٍ أحد وجوهها، التى سترسخ فيما بعد فى ذاكرتي. لو أستدعى صورتها الآن أمام عينيّ كيف كانت حينها، فإنها تبدو بلا وجه، مما يوجب عليّ أن أعيد تركيبه. جبهة عالية، وجنتان بارزتان، وعينان زرقاويتان، شفاتان مكتنزتانفى استدارة مثالية لا اعوجاج فيهما، وذقن مربع. وجهٌ أنثويٌ قوى وعريض. أعرف أنى وجدتُه جميلا، لكننى لا أقدر على استحضار جماله ثانيةً.

4

«انتظر»، قالت حين نهضتُ لأنصرف، «يجب أن أذهب أنا أيضًا، سأتمشى معك».

انتظرتُها فى الردهة. غيرتْ ملابسها فى المطبخ، وكان الباب مواربًا. خلعت مريلتها الفضفاضة، ووقفت بقميص داخلى أخضر فاتح، وعلى ظهر الكرسى تدلى جوز من الجوارب. التقطتْ أحدهما، وأخذتْ تشمره كالطوق بين يديها، ثم وقفتْ ثابتة على قدم واحدة، مرتكزة بكعب قدمها الأخرى على ركبتها، وانحنت للأمام، وفردت الجورب على مقدمة قدمها، ثم وضعت قدمها على الكرسي، وشدت الجورب على سمانتها وركبتها، ووركها، ومالت جانبًا لتثبت الجورب بالحمالات التحتية. اعتدلت، ووضعتْ قدمها على الكرسي، وأمسكت بالجورب الآخر.

لم أستطع رفع عينيَّ عنها. عن عنقها، وكتفيها، ونهديها، اللذيّن شف عنهما القميص، ولم يخفهما، ووركيها من حيث انحسر القميص عنهما لما ارتكزت على ركبتها بقدمها، التى وضعتها على الكرسى عارية شاحبة، فى أول الأمر، ثم متلألئة، بعد ذلك فى الجورب الحريري.

أحستْ بنظراتي، فأوقفتْ لبس الجورب الآخر، ثم استدارت ناحية الباب، ونظرت فى عينيّ مباشرة. لا أقدر على وصف كيف بدت نظرتها متفاجئة، مرتابة، عارفة، زاجرة. احمرّ وجهي، ولوهلة وقفتُ محترق الوجه. لم أحتمل أكثر من ذلك، فانطلقتُ أجرى من الشقة، ونزلتُ السلم بسرعة، وخرجتُ من البيت.

تسكعتُ. شارع المحطة، شارع هوسير، شارع الزهور – لسنوات كان هذا طريقى للمدرسة – كنت أعرف كل بيت، كل حديقة، كل سور، الأسوار التى تُدهن كل عام، والرمادية المتآكلة، التى كان بوسعى تفتيت خشبها بيدى، والسياج الحديدية، التى كنت أطرق عليها بالعصا فى صغري، وأنا أجرى كى تُحدث صوتًا، والجدار الحجرى العالى، الذى كنت أتخيل أن وراءه أشياءً عجيبةً ومخيفة، إلى أن استطعتُ تسلقه، ورؤية ما وراءه من صفوف رتيبة لأحواض مهملة لورود، وتوت، وخضار. كنت أعرف حصوات وطبقات القار على الطريق، وتبدلات الرصيف بين البلاط المسطح، وكتل البازلت، والقطران، والحصى.

كل شيء كان مألوفًا بالنسبة لي، ولما توقف قلبى عن الخفقان الشديد، وما عاد وجهى محمرًا، وصار ما حدث لى بين المطبخ والصالة بعيدًا تمامًا. تضايقت. لقد كنت كالطفل الهارب بدلا من التصرف بثقة كنت أحسبها لدي. ما عدتُ ابن تسع سنوات، بل كنتُ فى الخامسة عشر، إلا أننى ما زلتُ أجهل كيف يكون رد الفعل المتمكن.

الأمر المحير الآخر فيما حدث بين المطبخ والصالة كان لماذا لم أتمكن من رفع عينيَّ عنها؟ كان لديها جسد أنثوى للغاية، وقوى للغاية، أكثر حسية من البنات اللاتى أحببتهن، وأتطلع إليهن. كنت متأكدًا أنها ما كانت ستلفت انتباهى لو أننى شاهدتها فى حمام للسباحة. لم تكن أكثر عريًا من البنات والنساء اللواتى كنت رأيتهن بالفعل فى حمام السباحة، فضلا على أنها كانت أكبر سنًا من البنات اللواتى حلمت بهن. فى حوالى الثلاثين عامًا من الصعب تخمين عمرٍ ما دون أن تكون تجاوزته أو أوشكت على ذلك.

بعد ذلك بسنوات خطر لى أن السبب فى عدم قدرتى عن رفع عينيَّ عنها لم يكمن فقط فى جسدها، بل فى أوضاعها وحركاتها. كنت أطلب من صديقاتى أن يرتدين جوارب، ولم أشأ أن أفصح لهن عن السبب أو التحدث عن لغز ما حدث بين المطبخ والردهة. لذا كان يأتى طلبى على أنه مجرد رغبة فى رؤية الحمالات التحتية والكعوب العالية، واحدة من التهويمات الجنسية، لذلك كان الأمر يُلبى على نحو استعراضي، ولم يكن ذلك ما جعلنى لا أتمكن من رفع عينى عنها، فهى لم تكن تستعرض، ولم تكن تغويني، ولا أذكر أنها فعلت خلاف ذلك. أذكر أن أوضاع جسدها وحركاته كانت بطيئة أحيانًا. ليس لثقل وزنها، بل بدت أكثر، وكأنها تنسحب داخل جسدها، لتتركه لنفسه، ولإيقاعه الهادئ، غير عابئة بما يدور فى رأسها، ناسية العالم من حولها. النسيان نفسه، الذى غشى نظراتها وحركاتها، وهى ترتدى جواربها، لكنها هنا لم تكن ثقيلة، بل كانت تتهادى فى رشاقة وغواية، غواية لا علاقة لها بالنهود والأرداف والسيقان، بل بالدعوة للاستكانة داخل الجسد ونسيان العالم.

حينها لم أكن أعرف شيئًا عن هذا كله – هذا لو أننى حقًا أعرف الآن شيئًا – ولستُ أضرب مجرد أمثال فى الهواء، لكننى منذ ذلك الوقت كلما فكرتُ فيما كان يثيرني، عاودتنى الإثارة ثانيًة، ولفك اللغز، كنتُ أُذكر نفسى بما حدث، وعندئذُ تتلاشى المسافة، التى وضعتُها كى أجعل من الأمر لغزًا، فأرى كل شيء أمامى مرة أخرى، ومرة أخرى أجدنى غير قادر على أن أُشيح بعينى عنها.

5

بعد أسبوع كنتُ واقفًا أمام بابها ثانية.

لأسبوع، وأنا أحاول ألا أفكر فيها، لكن لم يكن هناك شيء آخر يشغلنى أو يصرف تفكيرى عنها، ولم يأذن لى الطبيب بالذهاب إلى المدرسة بعد، وكنتُ مللتُ من الكتب بشدة، بعد شهور من القراءة، ورغم أن أصدقائى كانوا لا يزالون يأتون لزيارتي، لكننى صرتُ مريضًا لفترة طويلة لدرجة أن زياراتهم ما عادت تسد الفجوة بين حياتهم اليومية وحياتي، إلى أن قلّتْ مع الوقت، وكان من المفروض أن أخرج للتمشية، كل يوم مسافة أطول، دون أن أرهق نفسي. الجهد الذى أحتاج إليه.

وما أيام المرض فى فترة الطفولة أو البلوغ إلا فاصل زمنى من السحر! يكون فيه العالم الخارجي، عالم أوقات الفراغ فى باحة البيت أو الحديقة أو فى الشارع مجرد همهمة بعيدة عابرة فى غرفة المرض، ففى الداخل، يتنامى عالم كامل من الشخصيات والحكايات الخارجة من الكتب، التى يقرؤها المريض، والحمى، التى تضعف الإدراك وتشحذ الخيال، تحيل غرفة المرض إلى غرفة جديدة، مألوفة وغير مألوفة، تطل فيها الوحوش عبر تموجات الستائر والسجاد، وتتجمع الكراسى والطاولات وحقائب الكتب والخزانات فى هيئة جبال ومبانٍ، أو سفن قريبة لدرجة اللمس، وبعيدة فى الوقت نفسه. خلال ساعات الليل الطويلة تصاحب المريض دقات ساعة الكنيسة، أو جلبة سيارة تمر كل حين ملقية بأضواء كشافاتها الأمامية، التى تمسح الحائط والسقف، وهناك ساعات دون نوم، لكنها ليست ساعات أرق أو ضعف، بل ساعات غنى. رغبات، وذكريات، ومخاوف وشهوات تشكل متاهة يفقد فيها المريض ذاته، ويسترجعها، ثم يفقدها مرة أخرى، وهناك ساعات يكون فيها كل شيء ممكنًا، حسنًا كان أو سيئًا.

يقل هذا إن تحسن المريض، لكن لو استمر المرض فترة أطول، عندئذ تتشربه الغرفة، ويظل الذى زالت عنه الحمى، وهو فى فترة النقاهة رهين المتاهة.

كنت أستيقظ كل يوم بشعور بالذنب، وأحيانًا وقد ابتل بنطال بيجامتى أو تبقع. الصور والمشاهد، التى كانت تواتينى فى أحلامى لم تكن طيبة. كنت أعرف أن أمى لن توبخنى على ذلك، ولا قس الكنيسة، الذى راعانى فى تعميدي، وكنت أحترمه، ولا أختى الكبرى كاتمة أسرار طفولتي، لكنهم كانوا سينصحوننى بمودة وقلق، وذلك أسوأ من التوبيخ. كان الخطأ يكمن تحديدًا فى أننى لو لم أكن أحلم بالصور والمشاهد فى دعة، كنت أعمل بنشاط على تخيلها.

لا أدرى من أين واتتنى الشجاعة للعودة للسيدة شميتز. هل انقلبت نشأتى الأخلاقية على نفسها؟ أعنى لو أن النظر إلى شخص ما برغبة لهو أمر خبيث تمامًا كإشباع الرغبة ذاتها، أو أن تخيل شيء بقوة لهو سيئ سوء فعل الشيء المتخيل نفسه. إذن لم لا يتم الإشباع والفعل؟ ومع مرور الأيام أدركت أنى غير قادر على ترك الأفكار الآثمة، بل وجدتنى أرغب أيضًا فى فعل الخطيئة.

كان هناك اعتبار آخر، فعلاوة على أن الذهاب إلى هناك قد يكون خطيرًا، لكنه كان يستحيل فعلا إدراك الخطر، فقد ترحب السيدة شميتز باندهاش، وهى تستمع لاعتذارى عن تصرفى الغريب، ثم تودعنى بسلام، أوَليس عدم الذهاب أشد خطورة، لأننى بذلك أكون فى خطر ألا أتمكن من التخلص من تخيلاتي، لذا فقد فعلت خيرًا بذهابى إليها، فقد تتصرف على نحو عادي، وأتصرف على نحو عادي، ويصبح كل شيء عاديًا مرة أخرى.

هكذا عقلتُ الأمر حينها جاعلا من رغبتى بندًا فى حسبة أخلاقية غريبة، مسكتًا شعورى بالذنب، إلا أن هذا لم يكن ما منحنى الشجاعة للذهاب إلى السيدة شميتز. كان شيئلا واحدا، وهو أننى قلت لنفسى ان أمي، وراعى كنيستى المحترم، وأختى الكبيرة، لو أنهم تفكروا فى الأمر، فعلى الأرجح أنهم لن يمنعوني، بل قد يصرون على ذهابي.

فى الحقيقة لقد ذهبت إليها لأمر آخر مختلف كليًا. لا أدرى لِم فعلت ذلك، إلا أننى أدرك اليوم أن ما حدث فى ذلك الوقت هو جزء من نمط حياة طويلة قد يفلح فيه تفكيرى وفعلى فى الإتيان معًا أو قد يخفقان فى الإتيان معًا. أفكر، وأصل إلى نتيجة، أحيل النتيجة إلى قرار، فأكتشف أن الفعل أمرٌ مختلف تمامًا فقد يكون وليد قرار، لكنه ليس بالضرورة كذلك. على مدار حياتى كثيرًا ما فعلتُ أشياءً لم أقررها، وقررتُ أمورًا لم أفعلها. أحيانًا – أيما كان الأمر – يكون، سواء كان الذهاب لرؤية امرأة لا أرغب فى رؤيتها ثانية أو أن أعطى ملاحظات لرئيسى فى العمل، وأنا أعلم أنها ستكلفنى رأسى أو أن أستمر فى التدخين، على الرغم أنى قررت أن أُقلع، ثم أُقلع عن التدخين، حين أتقبل حقيقة أننى مدخن، وأننى دائمًا سأكون كذلك. لا أقصد أن التفكير، والوصول إلى قرار ليس لهما تأثير على الفعل، لكن الفعل لا يتأتى بمجرد التفكير فى شيء، ثم اتخاذ قرار بفعله، بل له مصادره، التى تخصه. تصرفى مستقل تمامًا، كما أن أفكارى هى أفكاري، وقراراتى هى قراراتي.

6

لم تكن بالبيت. كانت بوابة البيت مواربةً، فصعدتُ الدرج، وضغطتُ الجرس وانتظرت، ثم ضغطتُ الجرس ثانية. داخل الشقة، كانت الأبواب مفتوحةً، رأيت ذلك، وأنا أنظر عبر الزجاج الأمامى للباب، كما كان بوسعى تبين الردهة والمرايا والدولاب والساعة، وكان بإمكانى سماع تكاتها.

جلستُ على السلم وانتظرت. لم أكن مرتاحًا، تمامًا كما يحس الواحد حين يتخذ قرارًا معينًا، وفى الوقت ذاته يخشى عواقبه، لكنه مستريح لأنه عقد العزم على اتخاذه دون أن يحفل بالعواقب، ولم أكن محبطًا، فقد كنت مصممًا على رؤيتها، وانتظارها حتى تأتي.

ودقت ساعة الصالة معلنةً مرور ربع ساعة، ثم نصف ساعة، ثم ساعة كاملة. حاولتُ متابعة التكات الخافتة، وعدّ التسعمائة ثانية الفاصلة بين كل دقة وما يليها، إلا أننى كنت أخطئ فى العد، فأعيد الكرّة، وارتفع فى باحة المنزل صرير منشار النجار، وغزت المبنى أصداء أصوات بشرية وموسيقى انبعثت من إحدى الشقق، وفُتح باب، ثم أُغلق ثانيةً، ثم سمعتُ وقع أقدام متمهلة ثقيلة تصعد السلم. تمنيتُ أن يكون ساكنًا بالطابق الثاني، فلو أنه رآني، فكيف أشرح له سبب وجودى هنا؟ لكن الخطوات لم تتوقف عند الطابق الثاني، بل استمرت فى الصعود، فوقفتُ.

كانت السيدة شميتز. تحمل فى يد مقطف فحم، وفى الأخرى صندوق غبار، وحصى للمدفأة. كانت ترتدى زيًا مكونًا من جاكيت وجيب، وعندها أدركتُ أنها تعمل محصلة تذاكر ترام. لم تلحظنى حتى وصلت إلى البسطة. لم تكن متضايقة أو متفاجئة أو هازئة – لا شيء مما كنت أخشاه. كانت تبدو متعبة، وحين وضعت الفحم جانبًا، وأخذت تنتشل المفتاح من جيب جاكيتها، سقطتْ منها بعض العملات المعدنية، فالتقطتُها، وأعطيتُها إياها.

«هناك مقطفان بالأسفل فى البدروم. هلا ملأتهما، وأحضرتهما إلى هنا؟ فالباب مفتوح».

نزلت السلم جاريًا. كان باب البدروم مفتوحًا، والبدروم مضاءً، وعند أسفل الدرج وجدتُ غرفة خشبية بابها موارب، ويتدلى من مزلاجه قفل غير مغلق. كانت الغرفة واسعة، والفحم فيها مكدس حتى فتحة السقف، التى يُصب منها من خارج إلى داخل البدروم، وبجوار الباب، كانت توجد كومة منمقة من تراب المداخن، وعلى الجانب الآخر مقاطف الفحم.

لا أدرى ما الخطأ، الذى ارتكبته، ففى بيتنا كنتُ أحضر الفحم من البدروم أيضًا دون أى مشاكل، لكن الفحم فى بيتنا لم يكن مكدسًا ومرتفعًا بهذا الشكل. ملأت المقطف الأول بسلام، وحين التقطت المقطف الثانى من قبضتيه، وحاولت جرف الفحم من الأرض، بدأ تل الفحم فى التحرك. من أعلى بدأت القطع الصغيرة تتساقط، وفى أعقابها قطعٌ أخرى كبيرة على مهل، ثم تزحزح التل كله، وتدحرج على الأرض وانزاح عن مكانه، وتصاعدت سحب الغبار الأسود. كنتُ واقفًا مرتاعًا، بينما كتل الفحم تصدمني، وهى تسقط إلى أسفل، وسرعان ما غمر الفحم كعبيَّ.

وحين هدأ التل، أخرجتُ قدمى من الفحم، وملأتُ المقطف الثاني، وبحثتُ، فوجدتُ مقشةً كنستُ بها كتل الفحم، التى تدحرجت إلى ممر البدروم، وأعدتها إلى المخزن الخشبي، وأغلقت الباب بالمزلاج، وحملت المقطفين صاعدًا لأعلى.

كانت خلعتْ جاكيتها، ووسعت من رابطة عنقها، وفكت زر الياقة العلوي، وجلست على الطاولة فى المطبخ، ومعها كوب من الحليب. رأتني، وكادت تَشرَق من الضحك، ثم أطلقت ضحكة مجلجلة، وأشارت إليّ، وبيدها الأخرى ضربت الطاولة. «انظر لنفسك يا ولد.. فقط انظر لنفسك»، ثم طالعنى وجهى الأسود المغبر فى المرآة الموجودة أعلى الحوض، فضحكتُ أنا الآخر.

«لا يمكن أن تعود إلى البيت بهذا الشكل. سأجهز لك الحمام، وسأنفض التراب عن ملابسك». ذهبتْ إلى حوض الاستحمام وفتحتْ الصنبور، فتدفق الماء بشدة. «اخلع ملابسك بحرص، فأنا لستُ بحاجة لأن يملأ الغبار المطبخ».

ترددتُ، ثم خلعتُ سترتى وقميصي، وترددتُ ثانية. كان الماء يرتفع بسرعة، وأوشك الحوض على الامتلاء. «هل تريد أن تستحم بحذائك وبنطالك؟ لا تخشى شيئًا يا ولد فلن أتطلّع إليك»، إلا أننى حين أغلقتُ الصنبور، ونزعتُ لباسى الداخلى أخذتْ تتفحصنى بهدوء تام. احمر وجهي، ونزلت فى حوض الاستحمام، وحجبتُ نفسى تحت الماء، وعندما رفعتُ رأسى ثانية، كانت فى البلكونة، ومعها ملابسي. سمعتُها تقرع فردتى حذائى ببعضهما، وتنفض بنطالى وسترتي، وتحدثتْ بصوت عال مع شخص ما بالأسفل عن غبار الفحم وغبار الخشب، فرد عليها هو الآخر بصوت عالٍ، فضحكتْ، بعد أن عادتْ إلى المطبخ وضعت أشيائى على الكرسي، ثم، وهى تخطف نظرة عابرة إليّ، قالت: «خذ من الشامبو واغسل شعرك. دقيقة وأحضر لك المنشفة»، ثم أخذت شيئًا ما من الدولاب، وغادرت المطبخ.

غسلتُ نفسي، واتسخ ماء الحوض، وفتحتُ الصنبور عن ماء جديد كى يتسنّى لى غسل شعرى ووجهى تحت فيض الماء، ثم استلقيتُ على ظهري، مستمعًا لهدير السخان، ومستشعرًا على وجهى الهواء البارد الآتى من باب المطبخ الموارب، والماء الدافئ على جسدي. كنت مسترخيًا استرخاءً مثيرًا، فأحسستُ بالانتصاب.

لم أتطلع إليها، حين أتت إلى المطبخ، ووقفتْ بجوار حوض الاستحمام، وبطول ذراعيها المفرودتين، أمسكتْ بمنشفة كبيرة. «تعالى». أدرتُ ظهري، وأنا أنهض، وأخرج من الحوض. أحاطتنى بالمنشفة من الخلف من أعلى رأسى حتى ساقي، وأخذتْ تجففني، ثم تركتْ المنشفة تسقط على الأرض. لم أجرؤ على التحرك. اقتربتْ منى حتى صار بوسعى أن أحس بنهديها قبالة ظهري، وبطنها قبالة مؤخرتي. كانت عارية هى الأخرى. طوقتنى بذراعيها. يد على صدري، ويد على عضوى المنتصب.

«لهذا أنت هنا!»

«أنا… »، لم أعِ ماذا أقول، فلم يكن الأمر نعم، لكنه لم يكن لا. استدرتُ، ولم أقدر على رؤية الكثير منها، فقد كنا متلاصقين، إلا أن حضور جسدها العارى غمرني.

«كم أنتِ جميلة!»

«هاى يا ولد ماذا تقول!»، وضحكتْ، وأحاطتْ عنقى بذراعيها، فأحطتُ عنقها أيضًا.

كنتُ أخشى أن ألمسها أو أُقبلّها، كنتُ أخشى ألا أرضيها أو أشبعُها، لكننا حين تعانقنا لبرهة، وشممت رائحتها، وأحسستُ بدفئها وقوتها، حدث كل شيء من تلقاء نفسه. تفحصتُ جسدها بيديّ وفمي، إلى أن تلاقت أفواهنا فى النهاية، ثم اعتلتنى وراحت تنظر فى عينيّ مباشرة، حتى بلغتُ الذروة، فأغمضتُ عينى بشدة، وحاولت أن أتمالك نفسي، ثم صرختُ عاليًا لدرجة تحتم عليها أن تغطى فمى بيدها كى تخفض الصوت قليلا.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 830 الثلاثاء 31 مايو 2016