كان – أحمد شوقي   بتكريم الممثل الفرنسى القدير جان بيير ليو وإعلان جوائز المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة والطويلة، أُسدل الستار مساء الأحد 22 مايو عن دورة ممتعة من مهرجان

888

كان – أحمد شوقي

 

بتكريم الممثل الفرنسى القدير جان بيير ليو وإعلان جوائز المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة والطويلة، أُسدل الستار مساء الأحد 22 مايو عن دورة ممتعة من مهرجان كان السينمائى الدولي. دورة شهدت مشاركة عدد كبير من الأسماء البارزة فى السينما العالمية بأفلامهم الجديدة فى برامج المهرجان المختلفة. أفلام جاء بعضها أقل من التوقعات وكسب بعضها الإعجاب، لتنتهى المنافسة بمنح السعفة الذهبية إلى أحد هؤلاء الكبار، البريطانى كين لوتش عن فيلمه الجديد “أنا دانيال بليك”.

قبل الجوائز لم يكن فيلم لوتش يتصدر ترشيحات النقاد المتابعين للدورة، بل لم يكن حتى فى المراتب الأولى للترشيحات التى تصدرها أفلام “طونى إردمان”اللألمانية مارين أدي، “أكواريوس” للبرازيلى كليبر ميندوسا فيلهو، “باترسون” للأمريكى جيم جارموش، “البائع” للإيرانى أصغر فرهدي، و”بكالوريا” للرومانى كرستيان مونجيو. لجنة التحكيم التى رأسها المخرج الاسترالى جورج ميللر تجاهلت أول ثلاثة أفلام فى القائمة، منحت جائزتى السيناريو والتمثيل الرجالى لفرهدي، وقسّمت جائزة الإخراج بين مونجيو والفرنسى أوليفيه أساياس عن “متسوقة شخصية”. بينما ذهبت الجائزة الأغلى إلى فيلم لوتش المُلتزم عن نجار عجوز يناضل للحصول على معاش بعد إصابته بمرض يمنعه من العمل.

عنوان المقال يكشف بالطبع أن رأى كاتب هذه السطور أن فيلم كين لوتش لا يستحق أن يكون هو حامل الجائزة السنوية الأهم فى عالم السينما، لعدة أسباب تخص الفيلم أولا والمنافسة ثانيا ودور المهرجان ثالثا.

عن الفيلم

“أنا دانيال بليك” فيلم جيد الصنع بالطبع، كما يليق بمخرج فى الثمانين يصنع أفلاما من نصف قرن بالتمام والكمال، بالإضافة لكونه رجلا شريفا صاحب موقف اجتماعى وسياسى واضح لا يتورع عن إعلانه بشجاعة ودون حسابات. لكن المعطيات ذاتها التى جعلت الفيلم متماسكا مؤثرا، يطرح قضيته بشجاعة بعد أن يجعلها خلفية لقصة لقاء إنسانى بين النجار العجوز والأم العزباء التى تعانى نفس أزمته (يلعب الدورين ديف جونز وهايلى سكويرز برهافة استحقت التتويج أكثر من الفيلم نفسه)، هى أيضا الأسباب التى جعلته عملا عتيق الطراز فى شكله ومضمونه.

هذا فيلم يقسم العالم إلى مجموعتين من البشر: أخيار وهم الفقراء الساعون لحياة كريمة يعملون فيها بشرف فى بلد يحترم جهدهم عند التقاعد بمعاش آدمي، وأشرار هم ممثلو الحكومة التى تتعامل مع مواطنيها باعتبارهم أرقاما فى قوائم، وتفترض فيهم التلاعب والتنطع إلى أن يثبتوا العكس. تقسيمة بخلاف كونها بعيدة عن الواقع الذى لا يوجد فيه ما هو أبيض وأسود بهذه الصورة، وعدم بذلها أى جهد فى محاولة تفهم دوافع الطرف الآخر متمثلا فى الموظفين الذى لا يفعلون فى الفيلم سوى إحالة حياة الأخيار جحيما، فهى خيار لم يعد ملائما لتعقد العالم المعاصر وتقدم فنونه.

قطبية طرفى الصراع خيار يسارى بامتياز، تشبعت سينما كين لوتش به طيلة مشواره الممتد. خيار لا يرتبط بجودة أو رداءة بل ينتج أحيانا أعمالا جيدة مثل “أنا دانيال بليك”، لكنه خيار آت من ستينات القرن الماضي، من زمن السينما الملتزمة التى تتكامل مع المظاهرة والمقال لخدمة غرض يراه المبدع غالبا أهم من الفيلم ذاته. وهو فهم مختلف كثيرا عن السينما المعاصرة التى حتى وإن طرحت هما سياسيا أو حملت رأيا قاطعا، فهى فى النهاية عمل إبداعى بصرى قبل أن تكون موقفا اجتماعيا.

عن المنافسين

الأزمة هنا فى تواجد البديل الأكثر حداثة وجودة حسب رأيى. أى أنه حتى لو افترضنا أن لجنة جورج ميللر انحازت لسينما الهم الاجتماعى أكثر من أعمال عن النفس البشرية مثل “طونى إردمان” و”البائع”، فإن فيلما مثل “أكورايوس” الذى خرج من المسابقة خال الوفاض سيظل خيارا أكثر فنية فى طرح قضيته. حكاية فيلم فيلهو الرئيسية عن كاتبة متقاعدة ترفض ترك المنزل الذى قضت فيه أغلب عمرها لشركة إنشاءات ضخمة تريد أن تهدم المنطقة لتقيم أبراجا، ولا يتورع أصحابها عن فعل أى شيء للتخلص من الساكنة الأخيرة التى تُعطِل مشروعهم.

نظريا هو أيضا فيلم هم اجتماعي، لكنه على النقيض من فيلم لوتش لا يتعامل بالأسود والأبيض ولا يحاضر فى مشاهديه، بل يجعل المخرج الأمر فصلا من حياة زاخرة بكل صفات البشر، بالحب والكراهية والسعادة والغضب والرغبة والغرور وكل ما يجعل بطلة الحكاية امرأة من لحم ودم، بل يجعلها شخصية روائية تبدو أكثر إنسانية من الواقع نفسه، وليست مجرد رمز لطبقة أو مسيح مظلوم كما هم أبطال البريطانى المخضرم.

8555

عن دور المهرجان

ما سبق ليس تدخلا فى خيارات المحكمين أو فرضا لنظرية، وإنما هو محاولة لفهم دوافع منح السعفة لفيلم يبدو مثاليا لحمل السعفة الذهبية لعام 1976 لا العام الحالي. فإذا كان دور اللجنة فى مهرجان بحجم كان اختيار الفيلم الأفضل فنيا دون أى حسابات فسيكون الخيار مختلفا، وإذا كانوا يسعون للجمع بين جماليات الفيلم وقيمته الاجتماعية والسياسية فقد تضمنت المسابقة ما هو أفضل، وإن كان دورهم تسليط الضوء على الأفلام التى تستحق الشهرة والمخرجين الذين يحتاجون الانتشار، فبالتأكيد لن يكون كين لوتش هو الخيار المناسب.

مجددا “أنا دانيال بليك” ليس فيلما سيئا، بل هو عمل مؤثر سيشعر مشاهده بالتعاطف مع أبطاله فى أزمتهم، يستمتع بالحكاية ويتوحد معها. لكنه فيلم عادي، عتيق الطراز، خال من المغامرات فى الشكل والمضمون، يقول ما قد سبق وان قاله مخرج عديد المرات من نفس المنصة. ورغم كل الفرص التى سينالها للانتشار بحكم تتويجه بالسعفة الذهبية، أزعم أن دورة كان 69 ستُذكر فى المستقبل مقترنة بأفلام أخرى غير حامل سعفتها، تماما كما صارت كان العام الماضى دورة “ابن شاؤول” رغم تتويج “ديبان” في نهايتها.