كتابة وتصوير.. سامح فايز   فى مدخل قرية تونس بمحافظة الفيوم المصرية كتب على جدارية تحتل أول المدخل «زاد المسافر»، ثم على جانبى الطريق تجد أرضا زراعية تسير فيها لدقائق

الفنان محمد عبلة يتفقد المتحف (9)

كتابة وتصوير.. سامح فايز

 

فى مدخل قرية تونس بمحافظة الفيوم المصرية كتب على جدارية تحتل أول المدخل «زاد المسافر»، ثم على جانبى الطريق تجد أرضا زراعية تسير فيها لدقائق قبل أن يقابلك فندق «زاد المسافر» المبنى على طراز مبانى الريف بقبابها الطينية والذى يحل فيه زوار القرية ضيوفا حين يأتون إليها، تحتاج إلى دقائق أخرى من السير فى ممر ضيق تغطيه أوراق الشجر حتى تصل إلى أرض واسعة يتوسطها مركز للفنون ومتحف للكاريكاتير أسسهما الفنان المصرى محمد عبلة، وهما مبنيان أيضا على طريقة بيوت الريف الطينية لكنهما يمتازان بلمسة جمالية فى التصميم لم تكن تعهدها هذه البيوت من قبل.

داخل مركز الفنون يمسك عبلة بريشته وهو يجلس أمام لوحاته يرسمها، ثم يتوجه بالحديث إلى قائلا: «لن نطعم الثقافة إلى أهل القرى بملعقة، فقط نضع أمامهم لوحة، كتابا، منظرا جماليا لم يعهدوه من قبل، من المؤكد سيكون له أثر فى نفوسهم على المدى البعيد، نخلق لهم واقعا جديدا، وعليهم الاختيار».

مدخل قرية تونس

الفن سبيل التغير

تتركز الأنشطة الثقافية فى مصر داخل المراكز والمدن الرئيسية فى المحافظات، وتغيب هذه الأنشطة تماما عن القرى التى يتجاوز عددها الأربع آلاف قرية، كما تغيب أيضا عن أغلبها الخدمات الأساسية للحياة مثل مرافق الصحة والمياه والكهرباء، فى ظل هذه الظروف قرر عبلة أن ينتقل بريشته ولوحاته إلى القرية، فى محاولة لتحقيق نوع من العدالة فى توزيع الثقافة، وأيضا ليدرك الناس أن التغير لن يحدث بعيد عن الفن والتعليم وعن ذلك يقول:«بدأت فى إقامة مشروعى الفنى الأول فى القرية عام 2005، ثم أسست متحف الكاريكاتير عام 2009، والآن مضت عشر سنوات وأنا بين أهل المكان، لكن يجب أن ندرك فى المقام الأول أن الثقافة كوسيلة للتغير نتاجها بعيد المدى، نرى أثرها بعد سنوات، ربما أجيال أخرى ستأتى بعدنا تشعر بهذه النتائج».

الفنان المصرى محمد عبلة درس التصوير فى كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية عام 1977. ثم درس النحت فى كلية الفنون والصناعات بزيورخ – سويسرا 1981.

وعمل مديرا لقاعة الفنون التشكيلية بدار الأوبرا المصرية لمدة ستة شهور 1990 وأستاذا زائرا للفنون مدرسة أوربرو السويد. وعاش لفترات فى مدريد وألمانيا والنمسا وزيورخ. وأقام معارض فنية فى ألمانيا وإيطاليا وهولندا والسويد، لكنه قرر فى النهاية أن يقيم فى قرية نائية غرب محافظة الفيوم ليقدم دورا حقيقيا للفنان فى تغير المجتمع الذى يعيش فيه.

مركز الفنون (2)

لكن قرية تونس التى حولها الفنانون إلى مزار سياحى وقرية حرفية يتميز أهلها بصناعة الفخار غاب عنها الدعم الحكومى وعن ذلك يقول عبلة: «المدهش أنه لم يفكر أى وزير ثقافة مصرى على مدار 40 عاما زيارة القرية، وعلى الرغم من تلقينا وعودا من أحد الوزراء بدعم هذه المشاريع التى هى فى الأصل الدور الطبيعى لهذه الوزارة ومن أجل مثل هذه المشاريع الثقافية أنشئت إلا أنها لم تتجاوز مجرد الوعود».

أن تؤمن بقدراتك

يترك عبلة ريشته ويعاود الحديث قائلا: «يستقبل المتحف زواره بعدد من الرسومات الكاريكاتيرية المأخوذة من صحف ومجلات ترجع إلى فترة العشرينات من القرن الماضي، حيث تعود أقدم رسومات المجموعة لعام 1927. ومعظم اللوحات أصلية سوى بعض اللوحات القليلة المأخوذة من صحف ومجلات، فضلا عن أن معظم هذه الرسومات الكاريكاتيرية من أقدم اللوحات التى تضمها مقتنيات المتحف. وظهرت هذه الرسومات فى صحف لم تعد تُصدر الآن مثل «المطرقة» و«الفكاهة» و«الكشكول» بالإضافة لإصدارت صحفية مثل مجلة «روزاليوسف» و«صباح الخير» التى تصدر حتى الآن».

متحف الكاريكاتير (2)

يستكمل عبلة حديثه قائلا: «وعلى الرغم من انفاقى جميع مدخراتى على المركز الثقافى ومتحف الكاريكاتير فى حين لم تنتبه وزارة الثقافة إلى المكان وأهميته باعتباره المتحف الوحيد للكاريكاتير فى إفريقيا، إلا أننى أشعر براحة الآن أنه كان أمامى هدفا وحققته فى النهاية بتأسيس هذه المتحف لحفظ تراثنا من الكاريكاتير. وكى تدرك أهمية المتحف لحفظ هذا التراث يجب أن تعلم أولا أن مؤسسة دار الهلال التى تضم أهم مجلات الكاريكاتير فى مصر ضاع أرشيفها بالكامل، جريدة الأهرام ذاتها لا تملك أصول رسومات صلاح جاهين، وفى حين تتجاهل الدولة ممثلة فى مؤسساتها الثقافية هذا المتحف. حضر إلى القرية دارسون من سويسرا وألمانيا لعمل رسالة ماجستير ودكتوراه عن تاريخ الكاريكاتير فى الشرق الأوسط».

مع اقتراب وقت الغروب جلس شاب أمام المتحف ومركز الفنون ومنزل عبلة الذين يتوسطون حقول قرية تونس ممسكا بآلة العود وبدأ فى العزف والغناء، على مقربة منهم وقف طفلان من أبناء القرية يستمعان للموسيقى ثم اصطحبانى فى جولة داخل المتحف لنشاهد فى جزء منه مكتبة عامة للقراءة تقع فى الدور العلوى تضم كتبا بجميع اللغات متاحة للقراءة فى أى وقت، توجهت بسؤالى لصاحب متحف الكاريكاتير مستفسرا عن زوار المكان فقال:«تأتى إلى المتحف رحلات مدرسية من أغلب محافظات الفيوم بشكل دوري، وتأتى رحلات من القاهرة والمحافظات المختلفة خاصة يومى الجمعة والسبت، ولو تجولت فى القرية الآن ستلمس ما كان للفن والثقافة من دور مهم فى تغير أهلها إلى الأفضل، تغير ستراه واضحا فى نسبة تتجاوز الـ 40% من أهلها».

مكتبة عامة للقراءة ضمن المركز الثقافي الذي أسسه بعله فى قرية تونس

 

حديث مع السائق

حضرت إلى قرية تونس فى سيارة نقل بصندوق خلفى يجلس فيه الركاب، هذه الوسيلة رغم خطورتها لأنها غير مهيئة لنقل الركاب إلا أنها الوسيلة الوحيدة للانتقال بين قرى الفيوم، جاءت جلستى فى كابينة السيارة بجوار السائق، ورغم أن السائق أحضرنى من مدينة ابشواى فى قلب محافظة الفيوم التى تبعد مسافة 50 كيلو مترا عن قرية تونس إلا أنه أخذ يذكر أسماء الفنانين الذين يعيشون فى هذه القرية كأنه يعيش بينهم ويعرفهم قائلا:«عبده جبير، محمد عبلة، ايفلين».

ثم أخذ السائق يسترسل فى ذكر قرية تونس قائلا:« كان لهؤلاء الفنانين دور كبير فى تغير وضع أهل القرية إلى الأفضل، خاصة السيدة ايفلين السويسرية أول من حضر إلى القرية منذ عشرات السنين، لكن هذا التغير يشعر به فقط أهل قرية تونس، هناك قرى كثيرة تحيط بها تحتاج أيضا لمثل هذا الاهتمام».

 

Goethe-Institut

 

كُتِبَت هذه المقالة في إطار مشروع (فوتور بيرفيكت)، الذي ينظمه معهد جوته، المعهد الثقافي الألماني ، بالتعاون مع مؤسسة (فوتور 2) والجريدة (القاهرة).

لمزيد من المعلومات عن المشروع، ولمزيد من قصص النجاح من كل أنحاء العالم www.goethe.de/futureperfect

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 830 الثلاثاء 31 مايو 2016