أسامة عبد الفتاح يكتُب .. عن الفيلم الفائز بسعفة «كان» الذهبية «أنا دانيال بليك».. سينما «المانيفستو» السياسي ** يعانى العمل المباشرة والتطويل والحلول الميلودرامية القديمة مثل عمل البطلة بالدعارة لكى

_i_daniel_blake_2

أسامة عبد الفتاح

أسامة عبد الفتاح يكتُب .. عن الفيلم الفائز بسعفة «كان» الذهبية

«أنا دانيال بليك».. سينما «المانيفستو» السياسي

** يعانى العمل المباشرة والتطويل والحلول الميلودرامية القديمة مثل عمل البطلة بالدعارة لكى تأكل

 

 

يؤدى فوز الأفلام بالجوائز فى المهرجانات السينمائية الدولية إلى طفرة هائلة فى معدلات بيعها وتسويقها حول العالم، خاصة إذا حصلت على تلك الجوائز من مهرجان فى حجم «كان» لأنه الأكبر والأهم عالميا.. لكن التتويج فى حفلات الختام لا يغيّر من تصنيف الأفلام ولا يرفع مستواها الفنى ولا يصلح عيوبها، والأهم: أنه لا يعبّر سوى عن وجهة نظر لجنة التحكيم التى قررته فقط، وقد يعكس اتجاها أو موقفا سياسيا، سواء لتلك اللجنة أو للمهرجان نفسه.

لذلك، لم يغيّر فوز فيلم «أنا دانيال بليك»، للمخرج البريطانى الكبير كين لوتش، بالسعفة الذهبية للدورة 69 من مهرجان «كان» السينمائى الدولى (11 – 22 مايو 2016)، من رأيى بأنه ليس أكثر أفلام الدورة استحقاقا لها، ولم يُصلح عيوبه الفنية فى نظري، وإن كنت اعتبرته «كتفا قانونيا» من مهرجان «كان»، ومن فرنسا بشكل عام، لبريطانيا العظمى وحكومتها الحالية، حيث يفضح الفيلم الأوضاع الحقيقية للفقراء والعاطلين فى المملكة العجوز التى كانت – يوما ما – إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وينتقد نظام التكافل الاجتماعى الذى تطبقه حكومة لندن.

ويحسد فقراء العالم نظراءهم فى إنجلترا على إعانة البطالة التى يحصلون عليها، والتى صارت أسطورة من فرط ما قيل وتردد عنها على مدى سنوات طويلة فى العالم كله، حتى أصبح هناك من يحلم بالهجرة إلى بريطانيا ليحصل عليها دون أن يعمل ودون أن يبذل مجهودا، لكن فيلم لوتش يفضح عيوب تلك المنظومة وحقيقتها البعيدة تماما عن كونها «جنة»، والتى تقترب بها من أن تصبح جحيما.

من خلال البطل الضد الستينى المريض بالقلب، والذى يقعده مرضه عن عمله الشاق كنجار، ومن خلال جارته البطلة الضد التى تعول وحدها طفلين، ندخل أضابير البيروقراطية البريطانية المعهودة، ونلف فى دهاليز مكاتب الإعانة الاجتماعية الإنجليزية، والتى تحولت إلى وكالات للترويج لبرامج وأنظمة التشغيل والبحث عن فرص عمل.. ففى كل لقاء، تجلد الموظفة بطلنا بالأسئلة الضاغطة الملحّة حول «جهوده المخلصة» فى البحث عن وظيفة، وما إذا كان قد صاغ لنفسه سيرة ذاتية إلكترونية سليمة وأرسلها لعدد كاف من جهات العمل ووكالات التشغيل، أو ما إذا كان قد دخل بشكل كاف ومُرض إلى مواقع التشغيل الإلكترونية وروّج لنفسه عليها.

وكل ذلك عبث فى عبث، ليس فقط لأن الرجل محدود الثقافة ولا يجيد استخدام التكنولوجيا الحديثة ولا يملك أدواتها، لكن لأن الوظائف غير موجودة أصلا على أرض الواقع، وكل ما يتعلق بالدعاية لها وهم كبير، وإن وُجدت فإنه لن يكون قادرا على شَغلها أو ممارستها لمرضه وعدم قدرته على بذل المجهود، وهو ما لا تفهمه المنظومة الاجتماعية البريطانية الغبية و«ماكيناتها البشرية» الأغبى التى تعامل المواطنين بكل صلف وبرود، والتى تدرك تماما أن الهدف ليس التأكد من جدية طالب الإعانة وعدم استغلاله منظومة التضامن الاجتماعى لكيلا يعمل ويستمر عالة على المجتمع، بل ان غرض الحكومة هو خفض نفقات تلك المنظومة وقصرها على أقل عدد ممكن من المواطنين بعد أن صارت عبئا كبيرا على كاهلها.

يُدخلنا فيلم لوتش أيضا بنك الطعام الإنجليزى الذى لم أكن أعلم بوجوده قبل ذلك، والذى أُنشئ بالتبرعات بعد أن صار الجوع واقعا قاسيا ومريرا على الأرض، وبعد أن أصبح هناك بريطانيون لا يجدون ثمن وجبة واحدة – بالمعنى الحرفى للكلمة – إلى درجة بيع أثاث بيوتهم.. لكن وجوده فى الفيلم لا يعكس معنى التضامن الاجتماعى بقدر ما ينقل شعورا بالذل والمهانة.

كل ذلك جميل، لكنه يظل فى إطار النضال السياسى للمعارضة الوطنية البريطانية لكى تُسقط حكومة المحافظين اليمينية وتدفع بحزب العمال اليسارى إلى الحكم، أو على الأقل لتطلق صرخة الفقراء والجوعى على أمل تغيير الأوضاع فى ظل الحكومة الحالية، وهذا لا يمكن أن تكون له علاقة بالسينما إلا إذا اقترن بدراما قوية عميقة ولغة سينمائية بصرية تنقل الموضوع من جفاف الطرح السياسى إلى ثراء الفن السابع، وهو ما لا يحدث للأسف فى فيلم لوتش.

8555

على المستويات البصرية والجمالية والدرامية أيضا، كانت هناك أفلام بمسابقة «كان 2016» أحق بالسعفة الذهبية من «دانيال بليك»، الذى يعانى المباشرة والتطويل واستاتيكية المشاهد فى أجزاء كثيرة منه، ومن الحلول الميلودرامية التقليدية الفجة – التى هجرتها السينما العالمية منذ عقود – فى أجزاء أخرى، كأن تعمل البطلة بالدعارة لكى تأكل، وأن تستعد لتستقبل زبونا فإذا به جارها الذى يساعدها، فى مشهد جدير بأفلام حسن الإمام القديمة!

كان من الممكن أن يكتب لوتش مضمون فيلمه فى مقال صحفى ويريح نفسه ويريحنا، أما نقله إلى الشاشة الكبيرة بهذه الطريقة فيدخل فى نطاق ما يمكن تسميته «سينما المانيفستو السياسي» التى لا أفضلها، وإن كنت أحترم تماما دوافعها وأهدافها.