ترجمة: ميرا أحمد لم يكن مكتب الخدمات الاجتماعية العامة يفتح بابه كل يوم ليقدم خدمات للجماهير، بل  كما جرت العادة يجلس الموظفون يتسامرون و يتحدثون عن أمورهم الخاصة وشئونهم العائلية.

il_fullxfull.645789426_tpu2
0826luxun

لو شون

ترجمة: ميرا أحمد

لم يكن مكتب الخدمات الاجتماعية العامة يفتح بابه كل يوم ليقدم خدمات للجماهير، بل  كما جرت العادة يجلس الموظفون يتسامرون و يتحدثون عن أمورهم الخاصة وشئونهم العائلية. أخذ يى تانغ يسعل بقوة وقد ضاقت أنفاسه، وهو يمسك بالأرجيلة، فاضطر زملائه إلى التوقف عن الحديث. بعد فترة من الوقت، رفع وجهه الأزرق المنتفخ، وكان مازال يلهث وراء نفس قائلًا:

«امتد العراك حتى مساء أمس، وصل صوت عراكهما من داخل الغرفة حتى خارج البيت. تعكر مزاجى وأفسدا على شرب الأرجيلة.» ارتعشت شفتاه النابتة تحتها لحية بيضاء خفيفة، ثم أردف قائلًا: «يقول لاو سان أن الأموال التى خسرها لاو ووه فى السندات المالية لا يمكن اعتبارها دين عمومى، ينبغى أن يسددها من نفقته الخاصة.»

«كل هذا من أجل المال!» فجأة انتفض باى جوِن من على مقعده المكسور، عيناه تلتمعان شفقة قائلًا:

«أنا لا أفهم لماذا دائمًا ما يتشاجرشقيقاك، هل كل الإخوة على هذا الحال؟»

هل تتشاجر أنت وإخوتك؟» سأله يى تانغ.»

«نحن لا نتشاجرعلى الإطلاق. لم نعبأ يومًا بالمال ولا التركة، فلم ينشب بيننا أي نزاع أو خلاف. حينما يحاول أحدهم افتعال مشكلة، أوضح له على الفور حقيقة موقفنا، دائمًا أنصحهم بعدم افتعال المشكلات، حتى أن يى ونغ يغرس فى ابنه الصغير هذه المشاعر.»

«أنتم وضع مختلف!» هز يى تانغ رأسه قائلًا.

«ربما لا يحدث هذا الآن.» جاء صوت يويه شنغ، ثم تطلع إلى باى جوِن فى احترام قائلًا،«أخوة مثل إخوتك صار شيئًا نادرًا فى هذا الزمان؛ لم أصادف مثلكم من قبل. تأثرون بعضكم على بعض، تترفعون عن الأهواء الشخصية.. هذا ليس أمر هينًا الآن!»

يصل صوت عراكهما من داخل الغرفة حتى خارج البيت……» أردف يى تانغ قائلًا.»

«لايزال أخوك الصغير مشغولًا؟» سأل يويه شنغ.

« نعم، يدرس ثمانية عشر ساعة فى الأسبوع، بالإضافة إلى كتابة ثلاثة وتسعين مقالًا أسبوعيًا. لا يستطيع حتى أن يلتقط أنفاسه، لكنه هذه الأيام فى أجازة؛ فقد ارتفعت درجة حرارة جسده، وعلى ما يبدو أنه أصيب بنزلة برد شديدة.»

«ينبغى أن ينتبه إلى صحته!» قال يويه شنغ بنبرة تشى بالجدية. «قرأت فى جريدة اليوم أن المرض متفشى بين الناس هذه الأيام.»

«أى مرض؟» سأل باى جوِن فى عجالة.

«لا أتذكر أى مرض تحديدًا.»

توجه باى جوِن على الفور نحو غرفة الجرائد والصحف.

«حقًا مثلهما صار نادرًا جدًا!» بعد أن ركض باى جوِن إلى الغرفة، تطلع إلى يى تانغ وقال مادحًا:

«إنهما مثل روحين فى جسد واحد. إذا كان جميع الإخوة على هذا النحو، فهل سيتشاجر أحد فى البيوت؟ حقًا أنا لا أستطيع التعلم منهما حتى الآن!»

«يقول الأموال التى خسرها فى السندات المالية لا يمكن اعتبارها دين عمومى، ينبغى أن يسددها من نفقته الخاصة.» وضع يى تانغ التبغ فى أنبوب الأرجيلة قائلًا بغضب.

خيم الصمت على المكتب للحظات طويلة، بعد فترة هتك الصمت وقع أقدام باى جوِن وصوت تينغ تشاى. كان يبدو أن باى جوِن يواجه كارثة كبرى، فكان يتحدث بشفاه مرتعشة وصوت متهدج، جاءت كلماته متعثرة وحديثه متلجلجًا. طلب من تينغ تشاى أن يهاتف الطبيب بو تى سى، و يسأله التوجه إلى مسكن تونغ شين بيت تشانغ باى جوِن لفحص مريض.

شعر يويه شنغ أن القلق قد استبد به، فكان يعلم أن باى جوِن يثق فى الطب الغربى، لكن لم يكن دخله كبيرًا، ودائمًا ما يقتصد فى نفقاته الخاصة، لكن الآن قد استدعى طبيب شهير ويتقاضى رسوم باهظة. فأدرك أن رأيه صائب فيما فعله.. تطلع إليه فوجده واقفًا خارج الحجرة يستمع بوجه شاحب إلى مكالمة تينغ تشاى مع المستشفى.

«ماذا تقول؟»

«قرأت فى الجريدة اليوم أن الحمى تفشت بين الناس… عندما جئت اليوم إلى المكتب، علمت أن وجه جينغ

فو صار أحمرًا داكنًا.. هم يحاولون الاتصال للبحث عن الطبيب بو.. أرجو من الطبيب الذهاب إليهم فى الحال… مسكن تونغ شين.. العنوان مسكن تونغ شين…»

ما إن سمع أن تينغ تشاى وضع سماعة الهاتف، دلف ثانية إلى المكتب وأخذ قبعته. دب القلق أيضًا فى قلب يويه شنغ فمضى معه إلى الخارج.

«حينما يأتى رئيس المكتب، أرجوك أطلب لى أجازة، وأخبره أن أخى مريض واستدعيت الطبيب ليفحصه.» قال مرتبكًا وهو يومأ برأسه.

«اذهب أنت الآن. لن يأتى رئيس المكتب اليوم.» قال يويه شنغ.

لكن على ما يبدو أن باى جوِن لم ينصت إلى حديثه، مضى فى سبيله.

سار على الطريق بفكر مشغول، دون أن يفكر فى أن يساوم فى أجرة السيارة كعادته، ما إن رأى سائقًا قوى البنية مفتول العضلات، سأله على الأجرة، وسرعان ما خطى داخل العربة، أخبره السائق بالأجرة، فقال له،«حسنًا. كل ما يهمنى أن أصل بأقصى سرعة!»

كان البيت مثل ما عهده من قبل، يخيم عليه الصمت والهدوء؛ يجلس على عتبة البيت صبي صغير يعزف الكمان. دلف إلى غرفة أخيه، فشعر أن قلبه يخفق بشدة، ألقى نظرة عليه فوجد وجهه أحمرًا داميًا، ويتنفس بصعوبة بالغة. مد يده وتحسس جبينه فألفاها ساخنة.. ساخنة جدًا.

«أخى، أنت لا تعلم ماذا بى؟ هل الوضع خطير؟» سأله جينغ فو، عيناه تلتمعان بقلق مخيف، كأنه يشعر أن الأمرغير طبيعي.»

«لا داعى للقلق، كل ما هنالك نزلة برد بسيطة.» أجابه مطمْئنًا

كان باى جوِن لا يؤمن بالخرافات، لكن هذه المرة شعر أن حالة أخيه جينغ فو تختلف عن تلك الخرافات الساذجة، على ما يبدو أن المريض دائمًا يراوده هاجس الخوف.. زادت هذه الأفكار من توجسه، فغادر الغرفة على الفور، نادى الصبى الصغير وسأله أن يهاتف المستشفى، يستفسر إذا كانوا قد عثروا على الطبيب بو أم لا؟

«حسنًا! حسنًا! لم تجدوا الطبيب.» جاء صوت الصبى الصغير وهو يمسك بالهاتف.

فى هذه اللحظة، استولت عليه حالة القلق، فلم يقو على الجلوس أو الوقوف؛ وفى غمرة قلقه المستبد، فجأة رأى طريق الخلاص أمامه: ربما يكون أخوه غير محموم.. حتى الآن لم يجدوا الطبيب بو، يسكن معنا فى نفس المنزل الطبيب باى ون شان، على الرغم  من أنه متخصص فى الطب الصينى التقليدى، إلا قد يمكنه تشخيص المرض، لكنه تذكر أنه هاجم فكرة الطب الصينى التقليدى عدة مرات من قبل، كما أنه يبحث اليوم عن الطبيب بو وهاتفه عدة مرات، وربما يكون الطبيب باى ون شان قد سمع بالأمر…

فى النهاية حسم الأمر، ذهب واستدعى الطبيب باى ون شان.

أبدى الطبيب بالغ ترحيبه، وضع نظارته السوداء المقعرة، ذهب إلى غرفة جينغ فو. فى البداية تحسس النبض و فحص وجهه بعناية، ثم رفع ملابسه وفحص صدره، وبخطى متأنية غادر الغرفة. رافقه باى جوِن إلى الخارج، حتى وصلا إلى غرفة الطبيب.

دعى الطبيب باى جوِن ليجلس، دون أن ينطق بكلمة واحدة.

«أخى ون شان، ماذا به؟» لم يستطع أن يجمح زمام نفسه فسأله متعجلًا.

«حرارة، ألم تر البقع الحمراء المنتشرة على وجهه؟»

«إذن ليست حمى؟» هتف باى جون فى سعادة.

««الطب الغربى يسميها حمى، أما نحن نسميها حرارة.

ما إن سمع كلمة حمى سرت رعشة فى يديه وأقدامه.

«هل يمكن علاج الحمى؟» سأل الطبيب مضطربًا.

«نعم يمكن علاج الحمى، لكن هذا يتطلب كثير من المال.»

تشوشت الأفكار فى رأسه، حتى أنه لم ينتبه إلى أنه طلب من الطبيب أن يحرر له روشتة الدواء، ثم غادر غرفته؛ حينما مر بجوار الهاتف الساكن، تذكر الطبيب بو، فهاتف المستشفى للمرة الثالثة، فأخبروه أنهم وجدوا الطبيب بو، لكنه مشغول الآن، ولا يمكنه مغادرة المستشفى، وربما يسمح وقته فى صباح الغد أن يحضر إليكم.. لكنه ألح عليهم أن يحضر الطبيب اليوم، فالحالة خطيرة للغاية.

خطى داخل غرفة أخيه وأضاء المصباح، شرع يفحص وجهه فشعر أنه يزداد حمرةً، لازالت البقع الحمراء تملأه وعيناه متورمتين. جلس وكأنه جلس على جمرة من نار؛ انتظر فى سكون الليل وهو يرهف السمع لصوت أبواق السيارات وهى  تمر على الطريق، كان أحيانًا يظن أنها سيارة الطبيب بو، فيركض نحو الباب ليستقبله، وقبل أن يصل إلى عتبة الباب، تكون السيارة قد غادرت، فيعود خائب الرجاء، وحينما يمر على فناء البيت يرى القمر ساطعًا فى السماء، وشجرة الجيران العتيقة تلقى بظلالها على الأرض، حتى أن ظلالها الحانية امتدت وغمرت قلبه الحزين.

فجأة سمع نعيق غراب حاد، فقد ألف أن يسمع هذا الصوت كل يوم؛ فهناك على شجرة الجيران العتيقة أربعة أعشاش تسكنها الغربان. فى هذه اللحظة تملكه الخوف فركض نحو غرفة أخيه فى هلع، وجده مستلقيًا مغمض العينين، وبدا وجهه متورمًا؛ لكنه لم يكن غافيًا، على ما يبدو أنه سمع وقع الأقدام، ففتح فجأة عينيه على وسعها، وعيناه تلتمعان حزنًا تحت ضوء المصباح.

«أجاءتنى رسالة؟» سأل جينغ فو.

لا، لا.. هذا أنا.» أجابه مرتبكًا.. «ذهبت لأتعجل الطبيب.. حتى الآن لم يأتِ بعد.»»

لم يجبه جينغ فو وأغمض عينيه على الفور. بينما جلس هو بجوار المكتب أمام الشرفة، كل شىء حوله غارق فى سكون مهيب، فقط كل ما يسمعه صوت الأنفاس اللاهثة لأخيه المريض، دقات عقارب المنبه. فجأة سمع صوت إنذار سيارة يهدر من بعيد، فخفق قلبه بشدة، أرهف السمع فوجد الصوت يقترب رويدًا رويدًا، على ما يبدو أنها وصلت أمام البوابة وأقفت سيرها، لكنها سرعان ما غادرت السيارة. ظل الحال على هذا النحو طيلة الليل، تعرف باى جون فى هذه الليلة الليلاء على جميع أصوات أبواق السيارات: الصافرة، قرع الطبول، نباح الكلب، صرير الريح، بطبطة البط، خوار البقرة، نقنقة الدجاج، ونعيق الغراب…… وفجأة شعر بالاستياء من نفسه، فلماذا لم يكتشف صوت بوق سيارة الطبيب من قبل؟

لم يعد حتى الآن جاره فى البيت المقابل، ربما يكون ذهب كعادته يشاهد عرضًا مسرحيًا، أو ربما  تكون أخذته أقدامه إلى أحد البيوت السرية لقضاء الليلة. لفت العتمة أرجاء المدينة، بدأت حركة السيارات تقل تدريجيًا. وضوء القمر الفضى المعلق فى السماء البعيدة ينعكس على الشرفة البيضاء.

بات ينتظر الطبيب بو فى حضرة الملل، بدأ يرتخى جسده وتخر قواه، ولم يعد يلقى بالًا لمتابعة صوت أبواق السيارات. هاجمته الأفكار المشوشة وعصفت بكيانه؛ هو الآن على يقين أن جينغ فو يعانى من الحمى، وربما لن ينجو منها! لكن إذا مات جينغ فون كيف سيتولى شئون الأسرة، هل سيلقى كل شىء على عاتقه؟ على الرغم أنه يقطن فى مدينة صغيرة، إلا أن الأسعار هنا باهظة جدًا… وماذا عن أبنائه الثلاثة؟ فمن الصعب التكفل بتربية أبناء أخيه الاثنين، فهل يقدر أن يتحمل نفقات تعليمهما؟ فقط سيلحق اثنين من أبنائه بالمدرسة، وماذا عن كانغ ابن جينغ فو، فهو أكثر الصغار ذكاءً… وإذا لم يرسله إلى المدرسة سيلومه الجميع على هذه الفعلة الأنانية، ويوجهون إليه الانتقادات بأنه رجل غليظ القلب لا يحسن معاملة ابن أخيه…

إذا مات جينغ فو ماذا سيفعل؟ فهو لا يملك حتى ثمن شراء النعش، فكيف يستطيع أن ينقله إلى البلدة، كل ما فى  وسعه أن يسجل اسمه فى الجمعية الخيرية ومكتب الخدمات الاجتماعية العامة للحصول على نعش!

وفجأة سمع وقع أقدام تأتى من بعيد، فاستوى واقفًا وغادر الغرفة، حينها علم أنه جاره فى البيت المقابل قد أتى.

«الإمبراطور العظيم يجوب مدينة الإمبراطور البيضاء…» [1]

ما إن سمع هذا الصوت الفرح، استبدت به خيبة الأمل وضاق ذرعًا، ورغب فى أن يمطره بوابل من السباب، لكنه رأى أيضًا الصبى الصغير ممسكًا بالمصباح، يضىء الحذاء الجلدى الذى يتبعه، كان يتبعه رجل طويل القامة، ذو وجه أبيض ولحية طويلة سوداء… كان هذا الرجل هو الطبيب بو.

كان يشبه طفل صغير؛ ركض إلى الداخل، ثم رافقه إلى غرفة أخيه المريض. وقف الرجلان بجانب الفراش، بينما أمسك باى جوِن بالمصباح ليضىء للطبيب وجه المريض.

«سيدى الطبيب، أنه محموم.» قال باى جون.

«متى حدث هذا؟» وضع الطبيب بو يديه فى جيوب سرواله، سأل على مهل وهو يحدق فى وجه المريض.

«أول أمس. لا، لا.. قبل ذلك بعدة أيام.»

لم ينبس الطبيب بو بكلمة، أخذ يتحسس نبض المريض، وسأل باى جون أن يرفع المصباح قليلًا، حتى يتسنى له فحص وجه المريض بدقة؛ وطلب منه أيضًا أن يكشف الغطاء ويرفع عنه الملابس ليفحصه. بعد فحص جسده، مد أصابعه فوق معدته وتحسسها برفق.

قال الطبيب بو بصوت خفيض وكأنه يناجى نفسه.»  ! Measles»

«حصبة؟» انتابته الدهشة وقال بصوت متهدج.

«حصبة!»

«نعم يعانى من الحصبة.»

حصبة!»»

«ألم ترِ أعراض الحصبة من قبل؟»

فى الوقت الذى كان يسأل باى جوِن أخيه بسعادة بالغة، سار الطبيب نحو الجانب الآخر من المكتب، فتبعه باى جوِن. وضع قدم واحدة على المقعد، وسحب دفتر الورق من فوق المكتب، وأخرج من جيبه قلمًا رصاصًا قصيرًا، ودون عدة كلمات غير مقروئة… كانت روشتة الدواء.

«أخشى أن تكون الصيدلية الآن قد أغلقت أبوابها.» التقط باى جون الروشتة من يد الطبيب قائلًا.

«لا يهم اليوم، غذًا يتناول الدواء.»

«هل ستراه غدًا؟»

«لا داعى من رؤيته غدًا. ممنوع تناول الأطعمة المالحة والحارة والحامضة. بعد أن تنخفض حرارته، أحضره إلى فى المستشفى لأراه. عبأ الدواء فى قارورات زجاجية نظيفة، دون اسم الدواء عليها من الخارج.»

غادر الطبيب بو الغرفة وهو يقول هذه الكلمات، ويضع خمسة يوانات ثمن الكشف فى جيب سرواله، ثم مضى خارج البيت. أوصله باى جوِن حتى استقل سيارته وأدار المحرك، فدار على عقبيه عائدًا إلى الداخل ، تاركًا خلفه صوتًا يهدر فى سكون الليل، فأدرك على الفور أن صوت بوق سيارة الطبيب بو هو خوار البقرة.. لكنه فكر فى أعماق نفسه، ما من جدوى الآن معرفة صوت بوق سيارة الطبيب بو!

حتى أضواء البيت كانت تبدو عليها السعادة؛ شعر باى جوِن أن كل شىء قد عاد إلى نصابه، كل ما حوله يسكن فى أمان واطمئنان، ولا شىء يدعو إلى القلق، وتحرر قلبه من الهموم السوداء. أعطى النقود وروشتة الدواء إلى الصبى الصغير، وسأله أن يذهب فى صباح الغد إلى صيدلية «ماى لى» لشراء الدواء الموصوف، لأن هذه الصيدلية هى التى حددها الطبيب بو، مشيرًا إلى أنها الصيدلية الوحيدة التى تبيع دواء مضمونًا.

«صيدلية ماى لى فى منطقة المدينة الشرقية! ينبغى أن تذهب إلى هناك وتبتاع الدواء. لا تنسى صيدلية ماى لى!» تعقب الصبى الصغير قائلًا.

ملأ نور القمر الفضى المتلألأ جنبات البيت، وراح الجار الذى يجوب «مدينة الإمبراطور البيضاء» فى سبات عميق، كل شىء يرقد فى صمت جليل. فقط  تتراقص عقارب المنبه الكائن فوق المكتب فرحة مع كل دقة؛ على الرغم من أنه كان يسمع أنفاس جينغ فو، إلا أنها كانت أنفاس تدخل وتخرج فى نظام محسوب. ما إن جلس على المقعد، شعر بفرحة عارمة تجتاح قلبه.

«كيف وأنت بلغت من الكبر ما بلغته ولم تصب بالحصبة؟» انتابته الدهشة وسأل متعجبًا.

……» »

«لن تستطيع أن تتذكر. من الأفضل أن تسأل أمك.»

……» »

«أمى ليست هنا. من المؤكد أنى لم أصب بالحصبة من قبل!» تعالى صوته بالضحك.

تسللت خيوط الشمس الذهبية من النافذة، حيث كان باى جون مستيقظًا على الفراش، فضربت أشعتها المتوهجة عينيه الناعستين. لم يستطع حينها أن يتحرك، شعر بوخز شديد فى سائر جسده وظهره كان نديًا، نضح منه عرقًا غزيرًا. طاف ببصره فرأى طفلة صغيرة ووجهها ملطخًا بالدماء، تقف عند حافة الفراش، وكان على وشك أن يذهب ويضربها.

لكن سرعان ما تبخر هذا المشهد المخيف، ومازال هو يستلقى فى الفراش وحده فى الغرفة، ولم يكن معه أحد. خلع سترته ليجفف العرق البارد الذى بلل ظهره وصدره، ثم ارتدى سترته و عندما خرج  واتجه نحو غرفة جينغ فو، رأى جاره يتغرغر فى فناء البيت، فاندهش قليلًا لأن الوقت كان قد تأخر كثيرًا على مثل هذه الفعلة.

استيقظ جينغ فو، تمدد فى فراشه فاتحًا عينيه.

«كيف حالك اليوم؟» سأل باى جوِن متعجلًا.

«أفضل من الأمس.»

الدواء لم يأتِ بعد؟»»

«لم يأتِ بعد.»

جلس باى جون بجوار المكتب، وكان فى مواجهة الفراش؛ أخذ يتفرس بوجهه، فلم يجد أثرًا للبقع الحمراء التى افترشت وجهه بالأمس. لكنه باى جوِن كان لا يزال يشعر بدوار فى رأسه، أضغاث أحلام  أخذت تتراءى أمامه:

– رأى أن جينغ فو كان راقدًا على الفراش، لكنه قد فارقت روحه الحياة. وضع الجثمان فى النعش سريعًا، وحمل على كتفيه النعش بمفرده، خرج من البوابة الكبرى حتى وصل إلى الغرفة الرئيسية. كان المكان أشبه ببلدته، تطلع فوجد أشخاص كثيرة يعرفها تقف بجانبه، تسمعه من كلمات المديح والإطراء ما تسمعه……

– أمر كانغ أر والصغيرين الذهاب إلى المدرسة؛ لكن كان هناك صغيران أخران يبكيان بكاءً حارًا ويرغبان فى الذهاب معهما. أثار صوت بكائهما العالى سخطه، وفى الوقت ذاته شعر أنه يمتلك سلطة عالية ونفوذ كبيرة عليهما. شعر فجأة أن راحة يديه كبرت ثلاثة أضعاف عما كانت عليه من قبل، بل صارت أشبه بيد من حديد، وتوجه بها إلى خيه شنغ ليصفعه على وجهه…

– بسبب هذه الأحلام القاتمة التى هاجمته، ساوره الخوف ورغب أن  ينهض ويمضى خارج الغرفة، لكنه فى النهاية لم يقو على هذه الفعلة. عزم على أن يخمد ثورة الأحلام الفائرة فى رأسه، ويطردها خارج عقله، لكنها كانت أشبه بحركة الإوز وهى تسبح فى الماء.

– امتلأ وجه خيه شنغ بالدماء، وجاء وهو يبكى. ثم فر هاربًا إلى حجرة الأضرحة… تبع الصغير عدة أشخاص يعرفهم ولا يعرفهم. كان يعلم أن جميعهم جاءوا ليضربوه.

– لم يمت ضميرى.. أنا رجل ذو ضمير حى. لا تصدقون خرافات هذا الصغير! سمع لسان حاله وهو يردد هذه الكلمات.

كان خيه شنغ يقف خلفه، وفجأة رفع يده ليصفعه على وجهه.-

فجأة استيقظ من النوم، شعر بتعب شديد ينخر فى جسده، وتفصد من جسده عرقًا غزيرًا. تطلع فرأى جينغ فو مستلقيًا على الفراش أمامه، قد انتظمت أنفاسه لكنها كانت أنفاسًا قصيرة. وصوت المنبه المزعج «تك تك!» يطن فى أذنيه. لف بجسده وسار نحو المكتب، وجد طبقة كثيفة من الغبار، ثم مد بصره وتعلقت عيناه بالشرفة الزجاجية، كان معلقًا عليها نتيجة ورقية مدون عليها بحبر أسود: 27 يناير.

فى هذه اللحظة جاء الصبى الصغير بالدواء، وفى اليد الآخرى يحمل حزمة من الكتب.

«ما هذا؟» فتح جينغ فو عينيه سائلًا.

«الدواء.» استفاق هو أيضًا من خيبة الأمل التى عصفت بكيانه وأجابه.

«لا، أسأل عن الدواء، أقصد حزمة الكتب.»

«لا تهتم بها. ينبغى أن تأخذ الدواء أولًا.» أعطى لجينغ فو الدواء، ثم ناوله الكتب ليطلع عليها قائلًا:

أرسلها سواه شيه. يبدو أنها المجموعة التى اقترضها منك منذ فترة: «الزنابق والسمسم» [2]

مد جينغ فو يده والتقط الكتب، أخذ يتطلع إلى ما دون عليها، فوجد مكتوب على خلفها بحروف ذهبية، ثم وضعها بجانبه. أغمض عينيه فى هدوء، بعد فترة قال بصوت خفيض فى  سعادة:

«حينما تتحسن صحتى، سأترجم بعض من أجزاء المجموعة، وأرسلها إلى المكتبة الثقافية وأبيعها وأحصل على المال، لكنى لا أعلم إذا كانت ستروقهم أم لا؟»

فى ذلك اليوم، وصل باى جون إلى مكتب الخدمات الاجتماعية العامة متأخرًا عن بقية الزملاء، كان أوشك على بعد الظهيرة؛ عبأ المكتب بدخان أريجلة يى تانغ. ما إن لمحه يويه شنغ رحب به على الفور.

«أوه! تعال. كيف حال أخيك اليوم؟ حسبت أن الأمر ليس خطيرًا، مرض موسمي ولا شىء يدعو للقلق. كنت أتحدث للتو أنا و يى وينغ عنك: ساورنا القلق عندما تأخرت، لكن حمدًا للسماء إنك أتيت الآن! تطلع إلى وجهك اليوم، فرق كبير بين اليوم والأمس يا صديقى.»

شعر باى جوِن أن المكتب والزملاء اليوم ليس مثل الأمس، خالطه شعور غريب. على الرغم من أن كل شىء كان على حاله وفى مكانه: مشاجب الملابس البالية، غلايات دون أغطية، كومات من الأوراق المتكدسة المليئة بالأتربة، مقاعد مكسورة، يى تانغ الذى يجلس على مقعد مكسور يدخن الأرجيلة ويسعل سعاًلا حادًا، ويومأ برأسه ويتنهد قائلًا

«دائمًا يتشاجران وتصل أصواتهما من الغرفة حتى خارج البيت…»

«حسنًا! أجاب يويه شنغ قائلًا، ينبغى أن تحكى لهما عن باى جوِن وشقيقه، ليتعلما منهما. وإلا ستصبح على حافة الموت يا صديقى العجوز!»

。«يقول لاو سان، الأموال التى خسرها لا و ووه فى السندات المالية لا يمكن اعتبارها دين عمومى، ينبغى أن يسددها من نفقته الخاصة.» مال تشين يى تانغ بخصره قليلًا وسعل قائلًا.

«حقًا البشر على كل شكل وكل نوع.» أردف يويه شنغ قائلًا، ثم لف وجهه نحو باى جوِن سائلًا، «إذن أخوك على ما يرام الآن؟»

«إنه على مايرام. أخبرنى الطبيب بو أنها حصبة.»

«حصبة؟ الآن فهمت، البقع الحمراء المنتشرة على وجوه الصغار، ما هى إلا حصبة. فى المستشفى لدينا ثلاثة أطفال محجوزين بسببها. أنه أمر لا يدعو للقلق على الإطلاق. لكن انظر كيف كنت أنت بالأمس، كاد قلبك يقف من الخوف على أخيك، فدب الخوف فى نفوسنا جميعًا، نعم، أنه ما يعرف بمحبة الإخوة الخالصة[3].».

«حضر رئيس المكتب بالأمس؟»

«على ما يبدو أنه ذهب بلا رجعة. اذهب الآن وسجل اسمك فى كشف الحضور.»

«يقول لاو سان ينبغى أن يسدد الدين من نفقته الخاصة.» حدث إيي تانغ نفسه قائلأ. «هذه السندات المالية غير مجدية بالمرة، أنا حقًا متعجب من أمرها.. إذا أقدمت على شرائها، ستذوق شرها..حتى مساء أمس، ولم ينقطع شجارهما، وصوتهما يتناهى من الغرفة حتى خارج البيت.. يقول لاو سان أنه استغل النقود فى إلحاق أبنائه بالمدرسة، ويتهمه لاو ووه أنه بدد المال العام، كيف أحتمل أنا كل هذا!»

«قد طفح الكيل بك يا صديقى!» قال يويه شنغ بنبرة تشى بخيبة الأمل. «حينما أتأمل أوضاع إخوتك صديقى باى جوِن، حقًا أنظر إليك بعين الإعجاب. أقولها لك بمنتهى الصدق هذا شعورى الحقيقى، ولا أجاملك على الإطلاق.»

لم ينبس باى جوِن بكلمة، بينما أخذ يتطلع إلى الساعى الذى حضر ليسلمه وثيقة رسمية، أعطاها العامل إليه ومضى. سار يويه شنغ نحوه وأخذ يقرأ الوثيقة التى فى يده:

«المواطن هاو شانغ شان : هناك جثة فى الضاحية الشرقية لرجل ميت وأرجو أن يتخذ مكتب الصحة والخدمات الاجتماعية العامة كافة الإجراءات اللازمة لصرف النعش لدفن الجثمان. عليكم أن تتحركوا سريعًا، وتهتموا لشأن أخيكم.. أنتم حقًا خير إخوة فى المحن والشدائد.»

هتف قائلًا.  لا!» لن يدع الأمر يفلت من بين يديه، «سأتولى أنا كل شىء.»»

لم يبادر يويه شنغ بعمل شىء..  بينما مضى باى جوِن نحو مكتبه على مهل، وقد بدت على وجهه علامات الارتياح، أخذ يتطلع إلى الوثيقة، يمد اليد الأخرى ويفتح غطاء علبة الحبر الأنيقة.

1925

تدور هذه القصة حول علاقة الأشقاء.. أشقاء يى تانغ اللذان يتنازعان دائمًا من أجل المال، وقد ضاق ذرعًا من حالهما، وباى جون وشقيقه الذى طيلة القصة يدعى أمام زملائه أنهما لا يتنازعان وتجمع بينهما علاقة طيبة، لكن فى حقيقة الأمر كشف مرض أخيه حقيقة نفسه الزائفة وطمعه وأنانيته، فطيلة الوقت يتظاهر أمام الجميع بمظهر الأخ المحب لأخيه، حينما مرض أخيه، انتابه الذعر واستدعى له الطبيب فى الحال.. لكن كشفت أحلامه، عما يعتمل فى صدره من حقيقة سوداء وطمعه وأهوائه الشخصية… فى النهاية يقف القارىء حائرًا، لا يعلم هل جثة الرجل هى جثة أخيه؟.. هل هو قتل أخيه أم لا؟.. يرى النقاد أنه لم يفعلها حتى لا يتكلف تكاليف النعش وتربية أبناء أخيه… لكن أصابع الاتهام كلها تشير إليه.. فلماذا أعلن فى النهاية أنه سيتولى أمور النعش؟ لماذا حضر فى اليوم التالى وقد بدا عليه الارتباك، على الرغم من أن الطبيب شخص الحالة بأنها حصبة؟ هل فعلها ليصرف له النعش ويحافظ على ماء وجهه أمام العائلة، ولا يتكبد مصاريف النعش؟ لم يدخر باى جون وسعًا فى النفاق والزيف، وإخفاء حقيقة نفسه المخادعة حتى وفاة أخيه..  النهاية هنا  تثير خلفها كثير من التساؤلات…

[1] ذكرت فى إحدى أغانى أوبرا بكين. تشير إلى الإمبراطور ليو باى وقيل أنه هزم فى معركة يى لينغ، ومات ودفن فى مدينة الإمبراطور البيضاء وتعرف الآن بمقاطعة شيتشوان.

[2]  للناقد الإنجليزى جون روسكين ( 1818- 1900)    مجموعة من الخطابات النقدية

 

[3] من مختارات زى لو أحد تلامذة كونفوشيوس