أسامة عبد الفتاح   يمكن أن يبتسم البعض – أو حتى يسخرون – وهم يتذكرون طريقتها شديدة الخصوصية والتفرد وهى تنادى بغنج ودلال: “ممدوح”، أو “عمو عزيز”، لكنهم لا يدركون

ماجدة الصباحي

أسامة عبد الفتاح

 

يمكن أن يبتسم البعض – أو حتى يسخرون – وهم يتذكرون طريقتها شديدة الخصوصية والتفرد وهى تنادى بغنج ودلال: “ممدوح”، أو “عمو عزيز”، لكنهم لا يدركون أنها بذلك صارت جزءا من حياتهم وذكرياتهم، مثل غيرها من صناع الفن والتاريخ الذين شكلوا وجداننا ووجدان غيرنا بالوطن العربى على مدى أجيال متعاقبة، وأن صوتها المبحوح المنخفض المنغم صار واحدا من “أصوات الوطن” الحميمة والمألوفة.

ورغم أنها شاركت بالتمثيل وبالبطولة المطلقة فى نحو سبعين فيلما روائيا طويلا، ورغم أنها ارتقت لمصاف النجمات الأسطوريات فى تاريخ السينما المصرية، والذى لا يضم معها سوى عدد قليل من الممثلات اللاتى صمدت طويلا للمقارنة معهن مثل فاتن حمامة، إلا أن القيمة الحقيقية لعفاف على كامل أحمد عبد الرحمن الصباحي، المولودة فى المنوفية عام 1931، والتى توّجت مشوارها بالفوز بجائزة النيل للفنون أمس الأول الأحد، لا تكمن فى مجرد كونها ممثلة متميزة أو نجمة محبوبة أو مرموقة، بل فى كونها “صانعة أفلام” بمعنى الكلمة، وهى مرتبة لم تصل إليها غيرها.

ماجدة، وهو الاسم الذى أصبحت معروفة به وحده إلى الأبد، من الممثلات القليلات اللاتى أنفقن المال الذى ربحنه من السينما فى السينما، ولصنع المزيد من الأفلام، فأنتجت من خلال شركتها الخاصة، ومنحت الفرص للعديد من المخرجين والفنانين والفنيين الشباب.. والملاحظ أنها لم تنتج لكى تحصل على فرصة البطولة كما فعلت غيرها لأنها كانت بطلة بالفعل، ولم تنتج لكى تربح المزيد من المال، ويتضح ذلك من خلال قائمة أفلام شركتها، فلم تلجأ أبدا إلى إنتاج أفلام تجارية بحتة ليس لها قيمة، بل قدمت نوعيات غير مضمونة الربح على الإطلاق مثل الفيلم الدينى (“هجرة الرسول” و”من عظماء الإسلام”)، والفيلم العسكرى (العمر لحظة)، وفيلم السيرة الذاتية الوطنى السياسى (جميلة)، والفيلم القائم على قصة أدبية فلسفية (النداهة)، وكلها ليست أفلاما من النوع الذى يدفع فيه الجمهور العادى ماله بسهولة.

وفى إطار كونها صانعة أفلام بحق، كانت لها تجربة وحيدة فى اﻹخراج، وكذلك فى التأليف، من خلال فيلم “من أحب” (1966)، الذى يثبت – بغض النظر عن مستواه أو قيمته الفنية – أنها لم تقنع ولم تكتف أبدا بدورها كممثلة أمام الكاميرا، وكانت تدرك أنها خُلقت لأدوار أكبر وأهم كثيرا، تمتد من مساهمتها الفعالة فى الارتقاء بصناعة السينما إلى الاضطلاع بالمسئولية الوطنية والسياسية للفنان، والتى لم يكن كثير من زملائها يلتفت لها.

وحتى عند تقييمها كممثلة فقط، يجد من يتابع مسيرتها أن اختياراتها دائما بما فى ذلك البدايات – كانت شديدة التنوع، وكانت تحرص على أن يكون لها مغزى وقيمة، مثل مشاركتها فى الفيلم التقدمى “الآنسة حنفي” (1954) للكبير الراحل فطين عبد الوهاب، وقدرتها على المشاركة فى مختلف النوعيات السينمائية على تباينها، من الكوميدى الفارص – “ليلة الدخلة” و”فلفل” (1950) – إلى الميلودرامى الكلاسيكى (بائعة الخبز – 1953)، ومن الوطنى (مصطفى كامل – 1952) إلى الإنتاج الاستعراضى الضخم (دهب – 1953).

ومن أبسط الأدلة على نجوميتها، اختيارها لمصاحبة العديد من المطربين فى تجاربهم السينمائية، مما يثبت أيضا تفوقها كممثلة نظرا لما هو معروف من حاجة المطربين إلى نجمات متمكنات لتعويض قدراتهم التمثيلية المحدودة، مثل “لحن الخلود” (1952) مع فريد الأطرش، و”أمانى العمر” (1955) مع سعد عبد الوهاب، و”بنات اليوم” (1956) مع عبد الحليم حافظ.. كما ظلت تعمل بالأفلام الغنائية والاستعراضية حنى شاركت بنفسها فى الاستعراض والغناء فى فيلم “بياعة الجرايد” (1963).

المدهش أنها، رغم كل هذا التنوع، ورغم عملها مع معظم مخرجى جيلها على تباينهم واختلاف مدارسهم، ظلت محتفظة بأسلوبها الخاص وشخصيتها المستقلة فى الأداء وفى غيره ذلك لتثبت أنها صاحبة بصمة سينمائية وفنية غير قابلة للمحو.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 831 الثلاثاء 7 يونيو 2016