دينا توفيق تكتُب .. عاش ليرسم عبد العال العاشق   ببساطة شديدة انا لا يعنينى ان اتحدث عن عبد العال الزوج السابق.. الرجل الذى عشت معه 20 عاما وكان الانصراف

500

دينا توفيق تكتُب ..

عاش ليرسم

عبد العال العاشق

 

ببساطة شديدة انا لا يعنينى ان اتحدث عن عبد العال الزوج السابق..

الرجل الذى عشت معه 20 عاما وكان الانصراف والطلاق نصيبنا ومستقرنا النهائى..

هذا لا يعنينى مطلقا بكل اختلافاتنا الانسانية والتراجع الرومانتيكى الذى اعترانى تجاه الرجل الذى احببته وانا يافعة عمرى 19 عاما حين التقينا لاول مرة عاما 1987 فى مجلة صباح الخير وابدى اعجابه بى ورغبته فى ان يرسمنى غلافا.. وبالفعل امتدت اللقاءات الطويلة حتى الزواج فى منتصف العام.

نقطة ومن أول السطر

تلك السكتة الزوجية لم تصاحبها سكتة وجدانية.. فقد ظل عبد العال حيا فى وجدانى طوال سنوات طلاقنا العشر بمناوشاته التى سببها غيرته وحنقه بسبب طلبى للطلاق منه اثر اختلافات اودت باستقرار علاقتنا تماما.. وبسبب غضبى من تصرفاته احيانا وبسبب كلامه فى احيان اخرى..

لكن ظل عبد العال يعتبرنى ناقدته الاولى والمهتمة بفنه وليس ام اولاده فحسب..

وظل عبد العال رهن ملاحظتى وتعليقاتى اللاذعة على اعماله..

والذى سيدهشكم اننى كنت اتلقى من عبد العال دعوات لطيفة بين الحين والآخر فى تلك السنوات لنجلس فى مطعم فلفلة بوسط البلد لنتناول العشاء او يصطحبنى الى احد اماكننا القديمة ليرينى اعماله الجديدة التى صورها لتوه وليسمع رأيا يعرف انه خالص بمحبة مهما كان ناقدا واحيانا موجعا..

اعتقد اننى الوحيدة التى كانت تقول لعبد العال ان تلك اللوحة ناقصة او ان تلك غير جيدة..

وانا واثقة بانه كان يسعد بصراحتى وجرأتى وكان فى تلك المقابلات يطلب منى الحضور للاتيليه اعلى بيت زوجيتنا لتحديد اى اللوحات سيختارها لمعارضه..

وكنت افعل ذلك عن طيب خاطر فى اقسى فترات خلافنا الانسانى..

اعرف ان ذلك امر غريب ولكنه كان يحدث..

وبين حياتى لسنوات طوال بعيدة عنه.. وبين اعتباره لى اليوم اما له فى عمره السبعينى.. اعتباره لى امه وان على تحمله مهما صدر عنه من اخطاء وغضبات.. امر  جعلنى فى حيرة من امر نفسى وقدرتى على التسامح معه والغفران له.. !!!

عبد العال حالة نادرة ربما لانه حالة فن حاذق.. فنان متوحد وكأنه يعنى ذلك المرض فعلا ويعانيه..

حياته لم تكن تستقيم سوى بوجوده امام مكتبه وعلى يمينه حامل لوحاته وامامه الوانه وفرشاته واوراقه وفى الخلفية حيث يجلس ليستدير ويقلب فى مكتبته حيث كتب الفن الكثيرة.. وصوت الاوبرا والموسيقى الكلاسيكية وعبد الوهاب يصدحون بالغناء والالحان..

يجلس وسط الاستلهام بكله ذلك الفنان الخالص..

وحتى هذه اللحظة ورغم وهنه وعثرة مرضه المضنى بفقدان البصر والسمع لا يزال عبد العال قادرا على ازعاجى بارائه الشخصية وتشوشاته غير المنطقية فى تناول الابناء والناس والاصدقاء..

ولكنه كان يزيح ستار هذا الثقل البغيض بابداعه وريشته مع اول ضربة على سطح لوحة جهزها امامى لتلقى عشقه..

عبد العال الذى يهمنى هنا هو المغرم بفكرة وجود المرأة فى الحياة..

نعم يشبه العملاق محمود سعيد فى اختياراته “البلدى” حيث النساء من الطبقات الادنى فى المجتمع..

ولكن الفرق بين عبد العال ومحمود سعيد هو العين التى ترى الجمال ونكهة التذوق..

كانت نساء محمود سعيد لا يعدمن الانوثة المفرطة والتعرى كما بنات بحرى رغم ان اغلبهن من السمراوات الداكنات البشرة والقويات الملامح فتنكشف الكتفان احيانا او اعلى النهدين والذراعين.. اما نساء عبد العال فهن الشعبيات بمعنى الريف والصعيد وسيناء وهن يغطين اكثر مما يكشفن وتتغطى الشعور وتتألق الزينة من حلى واثواب فاقعة الالوان وكحل العيون..

نساء عبد العال صبوحات ممتلئات بالبهجة وروح الصباحات المشرقة بمساعدة الاضاءات المتقنة.. بنات الظل والنور.. بنات ريشته المعبقة بالزهو والزخم اللونى الفياض بالضوء…

وبين التفاتة وسكنة..

وما بين عين تنطق بالقوة وعين تنطق بالحنو…

تأتى لوحات عبد العال المحلقات فى سماء الجمال ورهافة الوجدان…

عبد العال الذى عاش ليرسم.. عاش ليفتتن بالمرأة الشقيانة التى تصرف على كوم لحم..

عاش ليلون ملامح الفقر المدقع بألوان الرضا بالمكتوب ويتمايل مع دندنات النساء وهن يخبزن ويطعمن الطيور ويتمايلن بغنج ودلال يراه وحده خلف ثوب ثقيل او رداء اسود وحلى ثقيلة كابحة للجموح الانثوى..

عبد العال عاش ليرى ويسمع الاسرار وحين شاء القدير ان يعدم الرؤية والسمع انقلب الفرح الى حزن وهم بغيض يخبرنى فيه بعد ان قررت ان اتغاضى عن كل شقاوته التى ابعدتنى عنه فعدت لارعى الرجل الذى احببته صبية..

قررت ان اعود لارعاه بعد ان فقد نور العين لاكون له سامرا ورفيقا ونديما رغما عنى..

نعم رغما عنى فللضمير ثقله الموحش.. فكيف لا ارعى من كانت امه ارق نساء العالمين.. امه ابنة العدوى الصالحة التى حملتنى على رأسها تاجا؟..

كيف لا أرعى الرجل الذى قضيت ببيته نهاية طفولتى وبداية رشدى؟..

كيف لا أرعى الرجل الذى تفتح وعى وادراك الثقافة تحت سقف واحد معه مهما اذاقنى مرارا بعدم تفهم..؟

كيف لا أرعى الرجل الذى صاحبته عشرين عاما من عمرى فى مرحلة التكون والوصول الى سن الاربعين العليمة..؟

الحق الحق اقول لكم ان عبد العال الفنان بنزقه وجموحه انتصر على وجعلنى اقرر ان الازمه حتى يتغلب على ألمه وان اكون بيده نورا و سلاحا يشهره فى وجه الظلام..

عاش عبد العال ليرسم وحين فقد نور بصره فعلى ان اعيش لارعاه هو وابناؤنا بقلب ووجدان وضمير..