الفيلم الفائز بجائزتي السيناريو وأفضل ممثل في “كان” “البائع”.. دراما كرة الثلج بناء فريد ومتماسك يُشرِّح المجتمع الإيراني المعاصر وصراعاته الطبقية ويصل إلى لب فكرة الانتقام كسلوك عبثي بقلم :

thumb_2247_media_image_926x584

الفيلم الفائز بجائزتي السيناريو وأفضل ممثل في “كان”

“البائع”.. دراما كرة الثلج

بناء فريد ومتماسك يُشرِّح المجتمع الإيراني المعاصر وصراعاته الطبقية ويصل إلى لب فكرة الانتقام كسلوك عبثي

بقلم : أسامة عبد الفتاح

 

لم تعرض الدورة الـ 69 من مهرجان “كان” السينمائي الدولي (11 – 22 مايو 2016) سوى عدد قليل من التحف السينمائية التي يختلف عددها من ناقد إلى آخر، لكن المؤكد أن قائمة أي ناقد لدرر “كان 2016” لن تخلو من الإنتاج الإيراني / الفرنسي “البائع” (فروشنده) للمخرج الكبير أصغر فرهادي، والذي شارك في المسابقة الرسمية، وفاز بجائزتي السيناريو – لمخرجه – وأفضل ممثل لبطله شهاب حسيني.

الفيلم نموذج مثالي لأعمال فرهادي، الفائز من قبل بدب برلين الذهبي وبأوسكار أحسن فيلم أجنبي عن تحفته السابقة “انفصال” عام 2011، وأعني طريقته في بناء وكتابة السيناريو ودفع الحدث / الحٍبكة الرئيسية مدعومة بالعديد من الحبكات الفرعية، وأسلوبه المسرحي في تنفيذ المشاهد، والذي يبدو فيه واضحا تأثره الشديد بدراسته المسرح.

يعشق هذا المبدع السينمائي الكبير ما يمكن تسميته “التكوين البصلي” في البناء الدرامي، حيث تخفي كل طبقة / حبكة ما أسفلها من طبقات وحبكات، وكلما أزال المتلقي طبقة وحل رموزها وجد أخرى، حتى يصل إلى قلب أو لب الموضوع.. وفي نفس الوقت، يبدو الحدث مثل كرة ثلج مندفعة من أعلى قمة جبل، حيث يبدأ صغيرا أو عابرا ثم يكبر تدريجيا حتى يسفر عن حجمه العملاق الحقيقي.

هنا اعتداء على زوجة شابة في حمام منزلها من غريب دخيل يسفر عن إصابتها، والمدهش أن الحدث لا ينمو – فقط – في اتجاه الكشف عن الجاني وتحقيق التطهر لدى المشاهد بمحاسبته على ما فعل، بل يكشف – في المستوى الثاني للتلقي – عن الشروخ في العلاقة بين الزوجة وزوجها، والتي يضعها حادث الاعتداء على المحك إلى درجة تنذر بانهيارها التام وانفصال الزوجين، ويلعب – في المستوى الثالث – على الفروق والتناقضات، والصراعات الخفية أيضا، بين مختلف الطبقات في المجتمع الإيراني، وتحديدا بين الطبقة المتوسطة، التي ينتمي إليها الزوجان، وطبقة العمال وأصحاب المهن المساعدة التي ينتمي إليها المعتدي، وهذا موضوع مفضل لدى فرهادي كان قد طرحه أيضا في “انفصال” من خلال الخلاف بين البطل وأسرة السيدة التي يلجأ إليها لرعاية والده المريض.

في “البائع”، يبدو الأسلوب المسرحي الذي يتبعه المخرج، خاصة في المشاهد الأخيرة من الفيلم من خلال المكان الواحد والحوارات الطويلة والشخصيات القليلة، مناسبا تماما للحالة وللموضوع، حيث Hن فرهادي يضعنا – من اللحظة الأولى – على المسرح الذي يعمل فيه الزوجان كممثلين، ونظل طوال الوقت إزاء لعبة المسرح داخل المسرح، خاصة أن البطلين يشاركان في معالجة إيرانية لعرض آرثر ميلر الشهير “وفاة بائع متجول”، الذي تم اشتقاق عنوان الفيلم منه بلا شك.

غير أن أبلغ وأروع تأثير مسرحي على الفيلم يتم في المشهد الأخير، حين يخضع الزوج لوضع المكياج استعدادا لأداء دوره في المسرحية بعد اكتمال “انتقامه” من المعتدي، الذي يتضح أنه ليس سوى رب أسرة عجوز مريض بالقلب، والمكياج هنا رمز للقناع الذي يضعه الزوج طوال الوقت، والذي يسقط عنه حين يمر بأزمة الاعتداء على زوجته، مما يكشفه على حقيقته كرجل عنيف لا يعرف التسامح ويصر على إتمام الانتقام رغم توسل المعتدي إليه حتى يعفو عنه لمرضه ولخوفه من الفضيحة، ورغم توسل زوجته نفسها له حتى يطلق سراحه، بعد أن فوجئت بأنها إزاء رجل لا تعرفه، وبعد أن نبهته بلا جدوى إلى أن رغبته في الانتقام تعميه عن أي اعتبار آخر.

بناء درامي فريد وشديد التماسك يُشرِّح المجتمع الإيراني المعاصر وصراعاته الطبقية، ويصل في نفس الوقت إلى لب فكرة الانتقام كسلوك عبثي عدمي يؤذي المنتقِم كما يؤذي المنتقَم منه تماما.. بناء لا يستحق جائزة السيناريو في “كان” فقط، بل كان جديرا بالسعفة الذهبية كذلك.

أما جائزة أفضل ممثل، فاستحقها شهاب حسيني بلا جدال لأدائه الهادئ الواثق, هذا الدور الصعب المركب القائم على لعبة الأقنعة.. لكنني آخذ على لجنة التحكيم عدم تقدير الأداء المذهل للممثل الكبير فريد سجّاد حسيني، الذي جسد شخصية المعتدي المسن باقتدار، وكان من الممكن أن يقتسم الجائزة مع زميله.