سينما مثيرة للجدل فى “نظرة ما” كان الإسرائيلى كوليرين والروسى سيريبرينيكوف يقدمان عملين يهمان المشاهد العربي أحمد شوقي   لا يُمكن الخروج بسهولة من تأثير مهرجان بحجم كان السينمائي. الحدث

8555

سينما مثيرة للجدل فى “نظرة ما” كان

الإسرائيلى كوليرين والروسى سيريبرينيكوف يقدمان عملين يهمان المشاهد العربي

أحمد شوقي

 

لا يُمكن الخروج بسهولة من تأثير مهرجان بحجم كان السينمائي. الحدث الضخم الذى انتهى قبل قرابة الأسبوعين، لكن أفلامه لا تزال عالقة فى الأذهان. فإذا كانت تجربة مشاهدة قرابة الأربعين فيلما خلال 12 يوما هى تجربة مؤثرة عموما، فإن تلك الأفلام عندما تكون بمستوى أفلام كان فمن الطبيعى أن نستمر فى طرحها فترة لا بأس بها.

خلال الأسابيع الماضية تحدثنا باستفاضة عن أفلام المسابقة الرسمية، المميز منها والأقل بروزا، مع اهتمام انصب بشكل أكبر على الفيلم البريطانى “أنا دانيال بليك” الذى توّج فى نهاية المهرجان بالسعفة الذهبية. فى هذا المقال ننظر فى ثانى مسابقات المهرجان أهمية، مسابقة “نظرة ما” التى انطلقت عام 1978، ومن يومها صارت منصة تُعرض فيها (وتتنافس منذ 1998) التجارب المغايرة والأكثر جرأة ربما من المسابقة الرسمية.

الحديث عن “نظرة ما” هذا العام أخذ حيزا كبيرا فى الصحافة المصرية، بسبب اختيار فيلم “اشتباك” لمحمد دياب لافتتاح القسم، وهو اختيار ذو قيمة استحقت الاحتفاء، خاصة وأن الفيلم جاء ملائما لمعايير المسابقة كما نفهمها: شجاعا وجيد الصنع ومعتمدا على خيار تقنى مغامر كان أبرز ما فيه. لكن تواجد الفيلم المصرى والانشغال بالمسابقة الرسمية جعلا الكتابات ربما لا تفى حق أفلام أخرى تستحق الرصد من أفلام “نظرة ما”.

الطالب والتطرف الديني

من أهم أفلام القسم والذى نال إعجاب الكثير من النقاد العالميين فيلم “الطالب The Student” للمخرج الروسى كيريل سيريبرينيكوف، والمأخوذ عن مسرحية للألمانى ماريوس فون ماينبيرج. فى الفيلم يروى المخرج حكاية طالب فى مدرسة ثانوية يتحول إلى متطرف ديني، يرفض ممارسة الحياة الاجتماعية الطبيعية ويبدأ فى التدخل بشكل صارخ فى نظام المدرسة بما يصل إلى حد الكارثة فى نهاية الأمر.

أذكى ما فى الفيلم هو تحديد المخرج الدقيق لما يريد طرحه، فلا ينخرط إطلاقا فى تحليل أسباب تطرف البطل ولا فيما أوصله لهذه النقطة. العالم فيه الكثير من المتطرفين، حقيقة يتعامل معها الفيلم دون رغبة فى التماس الأعذار أو إلقاء اللوم على الغير. هذا شاب متطرف مخبول يحيل حياة من حوله جحيما مهما كانت دوافعه. والكارثة التى يقدمها الفيلم بذكاء هى أن المجتمع المضار من أفعاله يتواطأ معه ويسمح له بالمزيد من التجاوز، فقط لأنه يرفع كلمة الرب عند دخول نقاش يظهر فراغة حجته، لتتحول مديرة المدرسة ومعلموها إلى قوّادين لهذا المختل، فقط لخوفهم من أن يكونوا مقصّرين فى حق الإله. أما المعلمة الوحيدة التى تقف فى وجهه، فتكتشف ونكتشف معها أن المنطق أصبح ترفا فى عالم يسعى كل يوم نحو حتفه بدعوى الصواب الاجتماعى والسياسى وعدم جرح “مشاعر” المتطرفين!

عودة الإسرائيلى المثير للجدل

قبل تسعة أعوام شغل المخرج الإسرائيلى عيران كوليرين الانتباه بفيلمه “زيارة الفرقة”، الذى اعتبره البعض وقتها صوتا لدعم التطبيع عبر حكاية فرقة موسيقى عسكرية مصرية تضل طريقها فيجد أفرادها أنفسهم وسط منطقة إسرائيلية يضطرون للتفاعل مع سكانها. كوليرين انتظر كل هذه السنوات ليعود بفيلم يبدو أكثر إتقانا على الصعيد الخارجي، بينما فى مضمونه ما قد يعارض أى دعوة رفعها فى فيلمه الأول.

“وراء الجبال والتلال Beyond Mountains and Hills” هو اسم الفيلم الذى لا ينتبه صانعه فى سبيل توجيهه اللوم للمجتمع الإسرائيلى أنه يسيء كثيرا لفكرة التعايش المشترك باستخدام شخصيات فلسطينية كلها مشكوك فى كونها إما إرهابيين أو مغتصبين.

النظر من هذه الزاوية فقط يغفل كون أبطال الفيلم الرئيسيين، وهم ضابط متقاعد من الجيش الإسرائيلى وزوجته وابنه وابنته، يشكلون معا لوحة يرسمها كورلين لتفسخ أى قيمة إنسانية داخل أسرة تعيش فى منطقة تجبر من فيها على الخطأ والفساد اللذين يصلان لحد جرائم مثل القتل وممارسة الجنس مع القُصّر. هذا مجتمع مدان مهما حاول سكانه تبرير أفعالهم، بل حتى لو كانت بعض نواياهم طيبة، لأن المحصلة فى النهاية هى أسرة تكمل حياتها وكل فرد منها ارتكب جريمة تستحق السجن.

لكن هذا اللوم اللاذع للذات يعطل تأثيره على الأقل بالنسبة للمشاهد العربى سحبه هو الآخر على الشخصيات الفلسطينية، التى يتعمد المخرج جعل وجودها على الشاشة غير مريح، منذرا بوقوع كارثة، حتى فى اللحظات التى يفترض أن تجد فيها الابنة يفات «ميلى إيشيت فى أداء مُلفت» تواصلا مع العرب الذين يسكنون “وراء الجبال والتلال”.

هناك الكثير مما يمكن قوله على أفلام أخرى من قسم “نظرة ما”، لكن تبقى قيمة هذين الفيلمين فى ارتباطهما بقضايا مستمرة فى شغل الرأى العام العربى منذ عقود طويلة.