انتظر الجائزة فى الشعر فنالها فى العلوم الاجتماعية -فتحى عبد السميع : العمران الداخلى للمبدع يضمن حضوره فى المشهد الثقافي -لم أندم على ضياع جائزة الشعر قبل 20 عاما -الشاعر

311

انتظر الجائزة فى الشعر فنالها فى العلوم الاجتماعية

-فتحى عبد السميع : العمران الداخلى للمبدع يضمن حضوره فى المشهد الثقافي

-لم أندم على ضياع جائزة الشعر قبل 20 عاما

-الشاعر والباحث وجهان لعملة واحدة

 

حوار: رشا حسني

اقترن فوز الشاعر والباحث فتحى عبد السميع بجائزة الدولة التشجيعية فى العلوم الاجتماعية لهذا العام عن كتابه “القربان البديل” بحالة من الفرح والحفاوة عكست تقدير الوسط الثقافى لصدقه وإخلاصه ورحلة كفاحه التى استهلها وواصلها فى أعماق الصعيد.

لم ينل عبد السميع الجائزة فى الشعر رغم تحققه كشاعر على مدار 20 عاما تمكن خلالها من صياغة بصمته الخاصة انطلاقا من إيمانه بأن تفاعل الذات مع محيطها يكشف مكنون الذات ويساعدها فى خلق خصوصيتها، وروى لأصدقائه على صفحته الشخصية قصته القديمة مع جوائز الدولة التى جاءته فى مقتبل طريقه كشاعر قبل صدور أول دواوينه حين علم بأن الدكتور عبد القادر القط يشيد بقصائده ويطلب منه أن يتقدم بديوانه الأول لنيل جائزة الدولة التشجيعية فى الشعرلكنه لم يكن قد طبع ديوانه بعد ورفض طبع نسخ محدودة ثقة بتوافر الفرصة خلال الاعوام التالية وعدم اللهاث وراءها.

يقول عبد السميع: “حصلت على الجائزة معنويا يومها، حصلت على جائزة القط ولم أحصل على جائزة الدولة، ولم يكن لدى شك فى الحصول عليها فى السنة التالية أو التى تليها، ومرت السنوات،وتقدمت بأكثر من ديوان للحصول عليها، طمعا فى قيمتها المادية وحدها، وتوالت تفاصيل كثيرة جعلتنى على يقين بوجود تعمد وإصرار على عدم منحى الجائزة، ثم نسيت أمرها،مكتفيا بحصولى على جائزة الدكتور عبد القادر القط.

تمنيتها فى الشعر، لكنها جاءت فى العلوم الاجتماعية،دون أن أفكر فيها،ودون سعى إليها، لكن بفضل الدكتور أحمد زايد الذى لم أقابله إلا مرة واحدة، لكنه حمل على عاتقه الترويج للكتاب بحماس نبيل، خاصة بين أعضاء لجنة العلوم الاجتماعية،وحتى الآن لا أعرف اسم واحد منهم، وهكذا حصلت فى الحقيقة على جائزة الدكتور أحمد زايد،لا جائزة الدولة.”

“القربان البديل” هو الكتاب الثامن للكاتب الذى أصدر من قبل ست مجموعات شعرية هي: “خازنة الماء”، “فراشة فى الدخان”، “الخيط فى يدي”، “تقطيبة المحارب”، “ تمثال رملي”، “الموتى يقفزون من النافذة”، بالإضافة إلى كتاب نقدى بعنوان “الجميلة والمقدس” فضلا عن عدد كبير من الأبحاث التى شارك بها فى المؤتمرات الأدبية المختلفة.

نتوقف مع الشاعر والباحث فتحى عبد السميع عند بعض المحطات الكاشفة لمعالم تجربته المتميزة.

رويت قصة ترشيح الناقد الكبير عبد القادر القط لك لنيل التشجيعية فى الشعر عن أول دواوينك واعتذارك عن التقدم للجائزة آنذاك ..ألم تشعر بالندم على تلك الفرصة التى جاءتك فى أول الطريق؟

لم أشعر بالندم لأننى كنت متجانسا مع مبادئي، لكننى شعرت بالأسف لأنى كنت أثق بالمناخ الثقافى أكثر من اللازم، ولأن شخصية عبد القادر القط كانت استثناء ولم تكن قاعدة طبيعية، وحضور القط هنا يأتى للحفاوة به كنموذج بتنا نفتقده، لا بكونى الوحيد الذى يستحق، فهناك كثيرون أفضل منى لم يحصلوا على شيء، وتحول الأمر إلى مرارة عندما بدأت تتراكم لدى معلومات كثيرة عن مظاهر الفساد فى مناخنا الثقافي، كأن يصبح التربيط وسيلة للحصول على الجوائز وغيرها من المستحقات، كما شعرت بالأسف عندما مرت السنوات وبدأت الجائزة تفقد قيمتها المعنوية بالنسبة لي، بل بدأت أشعر بأننى سأظلم شاعرا شابا إن حصلت عليها الآن، بخلاف جائزة العلوم الاجتماعية نسبيا، لان عدد المجتهدين الشباب فى مجال الأدب أكثر من المجالات الأخرى، وكذلك عدد المظلومين، ولا شك أننى كنت سأفرح كثيرا لو حصلت عليها فى وقت مبكر، أما الآن فقد استقبلتها بقدر من مرارة ما يأتى بعد فوات الأوان.

لماذا تشعر بأن الجائزة التى حصلت عليها منذ أيام لم تمنحك إياها الدولة، وأنه لولا حماس دكتورأحمد زايد ولجنة العلوم الاجتماعية بالمجلس لما نلتها؟ ألم تتحدد بعد قواعد كفيلة بمنح الجوائز فى مصر لمن يستحقها؟

ـ شعورى نابع من واقع أعيشه، وللأسف توجد مظاهر كثيرة جدا، تكشف سيْر الدولة على هوى الأفراد، لا وفق آليات عقلانية سليمة لا علاقة لها بالهوى والعلاقات الشخصية، وهكذا يوجد أفراد يتمتعون بقدر كبير من النزاهة، والوعي، ينعكس على أدائهم فتسطع صورة الدولة كما ينبغى أن تكون. كما يوجد فى الغالب  أفراد يفتقدون النزاهة والوعى ويشغلون مواقع تتأثر بشخصياتهم فيظهر الخلل، وللأسف لا توجد لدينا آليات سليمة، بداية من اختيار أعضاء اللجان، حيث يتم بقدر واضح من العشوائية، فنجد أشخاصا لا يستحقون أماكنهم، ويفشلون بالتالى فى الإدارة السليمة،الأمر الذى يفرغ تلك الأماكن من قيمتها، وفى نفس الوقت نجد أشخاصا يستحقون تلك الأماكن لكنهم ليسوا فيها، وهكذا نجد أسماء كثيرة جدا تستحق جوائز الدولة لكن حياتها تمضى فى ظل النكران الشديد، وكل عام يرتبط إعلان الجوائز بلغط واستياء، ومظالم، ومطالبات بإعادة النظر فى آلية منح جوائز الدولة، لكن تلك المطالبات تُنسى سريعا، وكأى شخص حسن النية، لا أفهم السبب أبدا.

– كيف حافظت وأنت لا تزال مقيما فى الصعيد على حضورك فى المشهد الثقافى رغم المركزية وإهمال الأطراف؟

معيار حضور المبدع داخلي، فى المقام الأول، وكلما نجح فى تحقيق عمرانه الداخلي، حضر فى المشهد، مهما كانت الصعوبات ومهما بلغت درجة التهميش، قد يتعثر هذا الحضور على المستوى الخارجي، قد يتأخر، لكنه يبقى أكيدا، طالما كان العمران الداخلى متينا، وكلما تعاملنا مع الحضور الخارجى كشيء ثانوي، و ركزنا على العمل المتواصل مهما كانت الظروف، التى لا تقتصر على المركزية، وتهميش الأطراف، بل تشمل مناخا عاما يعانه كل مبدع مصري. وما أتمتع به من قدر فى المشهد الثقافي، يرجع أيضا لأشخاص نبلاء غمرونى برعايتهم، وأشعر كثيرا أنهم يمنحوننى أكثر مما أستحق.

 -كشفك عن الأصول الفرعونية لفكرة “القربان البديل”، وترسيخ ثقافة التسامح هل كان مفاجأة لك كباحث؟

ثقافة التسامح وتغلغلها فى الشخصية المصرية لم تكن مفاجئة، فقد أدركتها مبكرا عبر معايشتي، وكل ما استفدت منه كباحث هو الوصول إلى درجات عميقة لفكرة التسامح فى ثقافتنا الشعبية، ولعلها فاجأتنى فعلا، أثناء ثورة يناير، مع صيحة “سلْمية” التى كانت تنطلق من ملايين الحناجر المقهورة. أما الأصول الفرعونية للثأر فكانت مفاجأة، وإن ظهرت رويدا رويدا، ثم راحت تتكشف لى بشكل أكبر، حتى بعد كتابة القربان البديل، وهو ما سيتم طرحه قريبا من خلال بحثى “ العادة والطقس والأسطورة”، الذى انتهيت منه فعلا، وسوف أطرحه فى أكثر من كتاب آخر، يكشف عن الحضور العميق جدا لثقافة مصر القديمة فى الصعيد.

 إلى أى حد أسهمت خصوصية الجنوب وثراء ثقافته وطقوسه فى صقل تجاربك كشاعر ثم كباحث؟

ـ آمنت مبكرا بقيمة الذات الإنسانية وثرائها، والمحيط الذى تعيش فيه، وبضرورة الاهتمام بتفاعل الذات مع محيطها، كى تحدث الشرارة التى تكشف الذات والمحيط معا، كما آمنت بفكرة الخصوصية باعتبارها سر الكتابة الأدبية، واحسب أن تجربتى كلها مدينة لذلك التفاعل.

-بخلاف كثير من شعراء قصيدة النثر المتهمين بالانغلاق والدوران حول ذواتهم تمثل اتجاها مغايرا لا يكف عن التفاعل مع المجتمع، حتى أن مشروعك الخاص الذى أعلنته منذ البداية يتمثل فى التواصل مع الثقافة الشعبية، كيف تحقق التوازن بين الشاعر والباحث داخلك؟

ـ كل شاعر ينبغى أن يكون باحثا، بالمعنى الواسع للكلمة، فدون شغف معرفى هائل يخسر الشاعر، وكل باحث فى تقديرى ينبغى أن يكون شاعرا، بالمعنى الواسع للكلمة أيضا، فمهما كان الباحث بارعا فى حقل علمى معين، إلا أنه يخسر خسائر فادحة إن تجاهل الطاقة الشعرية، ودورها فى تفتح الذات والعالم، فالشاعر والباحث وجهان لعملة واحدة، وهما ضروريان لحياة رائعة مهما كانت الظروف، وتلك الحياة هى غايتي، التى أعشق الشعر والبحث من أجلها، لا الحصول على لقب شاعر أو باحث.

-لماذا شغلت ثقافة الموت كثيرا من تجاربك، واهتماماتك البحثية فى المرحلة الأخيرة؟

ـ لا أعرف سببا محددا، لكن الموت فى ظنى مفتاح الحياة، وعندما ننظر لأى مظهر من مظاهرها نجد الموت حاضرا، والموت فى ظنى هو النقطة التى انبثقت منها الحضارات الإنسانية، وفى مسيرة البشرية نجد الموت حاضرا منذ زمن الكهوف، وميراث مصر القديمة شاهد كبير على عمق وكثافة حوار الإنسان مع الموت، كما أن الموت غير الطبيعى يحضر كحدث يومى مهيمن فى مناخنا العربي، سواء أكان موتا معنويا، أم موتا فعليا نتيجة القتل المباشر، ومنذ الطفولة تتمدد الذاكرة كل يوم لتمتلئ بالقتلى بداية من المذابح الصهيونية فى فلسطين ومرورا بنكبة 67، وصولا للحرب العراقية الإيرانية التى كانت تتلى علينا أخبارها يوميا فى طابور المدرسة، وما جرى فى لبنان، ثم العراق، وسوريا، وهكذا يحاصرنا القتل يوميا، ويترك فى أنفسنا جروحا وأسئلة، ويصبح التفاعل معه طبيعيا جدا، ولا مهرب منه.