«إلهيات».. الفيلم المتوج بكاميرا كان العربية.. عربى أم فرنسي؟ أحمد شوقي   ختاما للتغطية المستمرة منذ ستة أسابيع لأبرز أفلام وأحداث مهرجان كان السينمائى الدولي، الذى اختتمت دورته التاسعة والستين

thumb_2247_media_image_926x584

«إلهيات».. الفيلم المتوج بكاميرا كان العربية.. عربى أم فرنسي؟

أحمد شوقي

 

ختاما للتغطية المستمرة منذ ستة أسابيع لأبرز أفلام وأحداث مهرجان كان السينمائى الدولي، الذى اختتمت دورته التاسعة والستين فى الثانى والعشرين من مايو المُنقضي، كان لابد وأن نتعرض لفيلم شكل حدثا شغل المتابعين العرب عند إعلان جوائز المهرجان، بانتزاعه جائزة الكاميرا الذهبية التى يمنحها المهرجان لأحسن عمل أول لمخرجه يُعرض فى كل أقسام المهرجان الرسمية والموازية.

الفيلم هو «إلهيات Divines» للمخرجة الفرنسية من أصل مغربى هدى بن يمينة، والذى عُرض فى قسم نصف شهر المخرجين وقوبل بحفاوة كبيرة، تلتها الجائزة التى تحولت عناوين صحفية تصف مخرجته بأنها أول عربية تفوز بكاميرا كان الذهبية، وهذا صحيح بحكم الجذور لا غير، لكن هل يمكن اعتبار فيلمها فيلما عربيا؟ اعتقادى أن الإجابة هى النفى القاطع قانونيا والحيرة ثقافيا.

على المستوى القانونى هذا فيلم فرنسى تماما، ليس فقط بسبب جهة إنتاجه ولغته ومكان أحداثه، لكن لأن مخرجته نفسها هى فرنسية المولد والنشأة والجنسية، حتى لو كانت تحمل اسما وجذورا مغربية. أما على المستوى الثقافى فيبقى السند الوحيد فى نسب الفيلم للثقافة العربية هو أن حكايته تدور داخل أحياء المهاجرين العرب الفقيرة فى فرنسا، التى يجتمع فيها الفقر والجريمة والتطرف، وبالتالى فالفيلم بشكل ما يرتبط بالثقافة العربية أو للتحديد بثقافة الشتات العربي، دياسبورا العرب على هامش مدن أوروبية يعيشون فيها ويحمل بعضهم جنسياتهم دون أن يندمجوا معها ثقافيا.

تقييم كاتب السطور هو أنه حتى مع ما سبق يظل الفيلم فرنسيا، فالأحياء وإن سكنها المهاجرون هى أحياء فرنسية، ورحلة البطلة المتمردة الراغبة فى الخروج من واقعها بأى صورة هى رحلة لا تحمل أى خصوصية متعلقة بخلفية الفتاة الثقافية، بل هى حكاية نضج coming of age يمكن أن يمر بها أى مراهق فى أى مكان لو عاش فى عالم يتجاور فيه المتناقضات كالذى تعيش فيه البطلة دنيا.

رحلة التخلص من الماضي

دنيا التى تجسدها ببراعة نادرة الممثلة الشابة عُلية عمامرة التى شاهدناها العام الماضى فى فيلم قصير بعنوان «مريم» للمخرجة السعودية فايزة أمبا نالت عليه جائزة مهرجان دبى فى دورته الأخيرة، لو أردنا أن نصف ما تقوم به بدقة فسنجده محاولة دائمة للانسلاخ من جذورها، ليس لعداوة خاصة مع هوية أهلها العربية (والحقيقة أن والدتها العاهرة وخالها المتحول جنسيا لا يبدوان مثالا معبرا عن تلك الهوية)، ولكن مع سياق كامل يحاول تدريبها على أن تخفض سقف طموحها. وفى المشهد الأول (الوحيد الذى نراها فيه داخل المدرسة) تثور فى وجه معلمتها رفضا لما تريدها أن تتعلمه من قبول للإهانة فى وظيفة حقيرة باعتبار ذلك السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة.

المال هو السبيل الوحيد للخروج من هذا المستقبل المظلم، الثراء هو الحلم الذى تدرك دنيا مبكرا جدا أن عليها مطاردته إذا أرادت ألا تنتهى عاملة فى سوبر ماركت أو عاهرة كأمها. قناعة وإن أتت من منظور مراهقة مندفعة إلا أن المشاهد لا يملك إلا أن يرى وجاهتها، بل ويستمتع بالألاعيب الصغيرة التى تمارسها مع صديقتها المقربة افريقية الأصول ميمونة. ألاعيب ستطور بطبيعة الحال إلى أخطاء أكبر تقع فيها الفتاة ستتسبب فى المسار الذى ستأخذه الأحداث.

عن الطزاجة المنقوصة

الحكاية السابقة قد توحى بعمل تقليدى عن فتاة دفعها الفقر والمراهقة إلى عالم الجريمة، لكن ما يميز فيلم هدى بن يمينة هو قدرة المخرجة عن حكى نفس الحكاية بشكل شديد الطزاجة، يبدأ من تترات البداية التى تلخص صداقة دنيا وميمونة عبر فيديوهات مصوّرة بطريقة تطبيق «سناب شات»، وهو لمن لا يعرف تطبيق للتواصل الاجتماعى تمتاز مقاطع الفيديو فيه بمظهر خاص سواء فى أبعادها أو صورتها الرأسية أو شكل كتابة التعليق عليها.

تفصيلة بصرية بسيطة كهذه تضع مشاهد الفيلم سريعا فى الزمان والمكان بالضبط: باريس 2016، التى تمتلك الفتيات فيها أحدث أجهزة الهاتف وتتعاملن مع طرق التواصل الحديثة، بينما تعشن فى منازل بدائية فى أحياء يصعب تصديق وجودها على هامش عاصمة النور. ابن يمينة تمنح فيلمها هذه النزعة المعاصرة، مع تدفق سردى يدفع الأحداث دائما للأمام، على الأقل خلال الفصلين الأول والثانى من الفيلم، بينما يجنح الفصل الثالث لنهاية أكثر نمطية تجمع بين الميلودراما وفيلم النوع genre film، رأت المخرجة أنها النهاية الملائمة لشخصية مثل دنيا.

رغم تعثر الفصل الأخير مقارنة بكل ما سبقه فى الفيلم، يظل «إلهيات» عملا سينمائيا كبيرا، يجمع بين الحداثة والقيمة المرتفعة والإمتاع، ويأخذ مشاهده فى رحلة مع شخصية من الصعب ألا تتوحد معها. وفوز الفيلم بكاميرا كان الذهبية هو انتصار للسينما الجميلة قبل أن يكون تتويجا لجنسية سواء عربية أو فرنسية.