الثقافة وكيف تعمل؟! المثقفون وكيف يفعلون؟! حسنى عبدالرحيم   ما الثقافة؟ تشير الكلمة اللاتينية ومشتقاتها إلى انحدارها من الزراعة ففى الفرنسية ثقافة (culture) وزراعة (agriculture) وكذلك فى الانجليزية!!! الالمان من

9933

الثقافة وكيف تعمل؟! المثقفون وكيف يفعلون؟!

حسنى عبدالرحيم

 

ما الثقافة؟ تشير الكلمة اللاتينية ومشتقاتها إلى انحدارها من الزراعة ففى الفرنسية ثقافة (culture) وزراعة (agriculture) وكذلك فى الانجليزية!!! الالمان من ناحيتهم يسمونها (kultur) ويضعونها فى تميز عن الحضارة (civilization)!!

التعريف الأوسع قبولا حتى الان «هـى كل مركب من التصورات والممارسات الأخلاقية والقانونية والدينية والطقوسية والفنية والثياب والعادات وغيرها لشعب معين وهـى تؤدى وتنتقل من جيل لجيل بالتقليد والتعلم وتفرضها مؤسسات كالعائلة والقبيلة والدولة»..

ولم تكن المدونات الأدبية والقانونية والأعمال الفنية الموقعة سوى تعبير متأخر فى العصر السلعى الحديث.. أما قبل ذلك فلم تكن أعمالا شخصية ولكنها كانت منتجات للجماعة تحدد فيها الشروط التاريخية لوجودها واستمرارها ولم تكن وظيفة المثقف كما نعرفها الان إلا بدعة لم يعرفها الأولون!!

لم تكن الشريحة الاجتماعية المعروفة بالمثقفين موجودة دائما كمرتبة ونشاط اجتماعى خاص قبل العصر الحديث وتقسيم العمل الحديث!! ووصف «الإنتلجنسيا» المشتق من الأدب الروسى قبل الاتحاد السوفييتى وصفا لفئة غير محددة بشكل واضح داخل علاقات الإنتاج والسيطرة الاجتماعيين وهى ممن ليسوا أصحاب أدوات إنتاج أو بائعى قوة عمل وترتبط صورتهم بصورة النبيل الراعى أو الأرملة الوارثة التى تفتح صالونا لهم يتكلمون ويأكلون ويشربون ويكتبون!! وحتى شخصية عابرة للتاريخ مثل «فولتير» كان يعتاش بهذه الطريقة، و«كارل ماركس» كان صديقه الصناعى «إنجلز» يرعاه ماليا.. و«أبو الطيب المتنبى» شخصيا كان يرتبط مصيره بعطايا الملوك والأمراء وقصته مع «كافور الأخشيدى» الذى لم يجزل له العطاء!! قصة معروفة.

التتبع للعصور ما قبل العصر الرأسمالى ربما يتيح فرصة أفضل لتبيان الأصول التاريخية للإنتلجنسيا وموقعها فى علاقات الهيمنة وأدوارها المختلفة والمتناقضة وانشقاقاتها وممارساتها وأوهامها عن نفسها وأوهام المجتمع عنها.

فى العصور القديمة فى مصر الفرعونية كانت طائفة كهنة آمون المغلقة تحفظ الأسرار العلمية من فنون التحنيط والكتابة وفنون البناء.. وكانت المؤلفات الجماعية للديانة والسيطرة على الطقوس المرتبط بها والمقولات الكبرى وممارسة الفكر وكتابته فى نصوص كبرى يحتفظون بها!! مثل (كتاب الموتى وكتاب البوابات وكتاب الأرض وكتاب العالم الاخر… الخ) هـى حكر على الطائفة المغلقة المتحدثة عن الالهة الحامية لوادى النيل، والمنفذ لتكريس ابن آمون «الفرعون» والمقيم لشعائره الجنائزية قبل تحنيطه وإيداعه فى مدفنه الذى يرتفع للسماء «هرم»!! ومن يرى المعابد الكبرى كمعبد الكرنك وممر الكباش الطويل ومعبد حتشبوث فى البر الغربى حيث كان يتموقع كهنة آمون فى «طيبة» يستطيع أن يتخيل المدى الذى بلغته سطوة هذه الفئة المغلقة (cast)!! وعندما تكون لدى أحد الفراعنة (أخناتون) ميول انشقاقية لاستبدال إله النيل «آمون» بإله جديد «آتون» – الشمس- يموت الملك الفيلسوف بطريقة غامضة!! وبعد نهاية «الفرعون المرتد» يتم تنصيب الصبى «توت عنخ آمون».. يترك «عنخ آمون» «تل العمارنة» التى كانت عاصمة عبادة «آتون» وتبدأ عملية ازالة اثار اخناتون الفرعون «المثقف – الفيلسوف» والعودة إلى التقليد ونبذ الإله الدخيل ومعه فرعونه المتشبه بالبشر العاديين هـو وزوجته «نفرتيتى»! فى شكاوى الفلاح الفصيح نجد أول نص ثقافى من خارج الكهنوت يقدم فيه فلاح شكاواه للحاكم فى نص أدبى بديع.. الفائض الاقتصادى الكبير الذى يمتلكه كما يمتلك كل الأراضى «الفرعون» المتربع فى طيبة هـو ما سمح ببناء هذه المعابد والإهرامات الهائلة والاحتفاظ بهيئة الكهنة الحامين والمنتجين للأيديولوجيا والثقافة السائدة التى لم تمنع من تشكل ثقافات هامشية نراها فى شكاوى الفلاح الفصيح وفى رسوم الشغيلة العبيد فى مأواهم بعد العمل الشاق فى بناء المعبد أو الهرم الذى هـو فى التحليل الاخير مقبرة للملك الإله تصعد به إلى السماء وتحتوى على اسرار العالم الاخر «كتاب الموتى» فى متون.

فى الحضارة الصينية والهندية القديمتين يكون وضع الكهنة مشابها من نواح كثيرة لوضع كهنة طيبة فهم قوة اجتماعية مغلقة (cast) وموظفون فى الدولة، وهـو ما يسمح به تركز الموارد فى أيادى الملوك (نمط الإنتاج الآسيوى)!! لكن دون ان يكونوا بمعيّة «ملك إله» وهذا ما يمكن من تكون نوع معين من عبادة الحكماء (الكهنة) مثال «بوذا» و«كونفوشيوس»..

فى المجتمع العبودى الإغريقى – الرومانى تتكون طائفة مختلفة هـى الفلاسفة الذين يصوغون فى مقولات منطقية ومحاورات وتراجيديات ما كان متواجدا بالفعل بين شعوب شمال المتوسط الشرقى.. وهذه الطائفة التى تكونت فى (cité) وكونت الأكاديمية (أفلاطون).. كانت ما زالت تعتبر أن الخطابة أشرف من الكتابة وهـى التى يتم تبليغها فى الأجورا (Agora) لمواطنين أحرار. الفئة التى اعتبرت الكتابة ممارسة عقلية من الدرجة الثانية هى من كتبت كتابات متعددة وحاسمة فى تكون العقل الغربى وهـى الموروثات التى تمت استعادتها فى عصر النهضة والتنوير الغربيين.

فى العصور الوسطى منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية وتشكل الإقطاع الأوروبى وانتشار المسيحية والكنيسة الكاثوليكية التى تتبعها الايبارشيات التى تدير شئون المؤمنين من ميلاد وتعميد وزواج ووفاة! أصبح الكهنة هم المثقفون العضويون وانضم إليهم محصلو الضرائب وكتاب الحسابات والمعلمون لابناء الأثرياء وكانوا فى معظمهم من أقليات دينية «يهود»… انضم لمثقفى الكنيسة عدد آخر من الفنانين والمعماريين الذين كان مهمتهم بناء الكاتدرائيات وتزيينها بالصور وكذلك بناء قصور وقبور الأمراء وتزيينها بالتماثيل «آل ميديتشى»، وكانت الثقافة الشعبية فى أغلبها شفوية وتدور حول حكايات القديسين. فى نهاية العصور الوسطى بدأت تتكون طائفة من المثقفين تتهكم عى الثقافة الكنسية وتصيغ حكايات أُخرى مستلهمة من الثقافات الشعبية وتحويلات لقصص من الكتاب المقدس «دانتى» و«سرفانتس»!!

تشكل المدن التجارية فى البندقية وبلاد الفلاندرز، وتجمع الحرفيين، وبناء مدن الصناعة والتجارة الحديثة (York – Cité – Haven Bourg) هو الذى أطلق العملية الثقافية البرجوازية الحديثة ومن ضمنها تكوين الإنتلجنسيا!! لقد بدأت عملية الانشقاق عن اللاهوتية سواء اليهودية أو المسيحية وكان «باروخ سبينوزا» ثم «عمانويل كانت» علامتى المرحلة التى بدأ بها العصر الحديث!!

كان اختراع المطبعة هـو العمل المفصلى فى تعميم الثقافة المكتوبة وكان أول كتاب مطبوع هـو «الكتاب المقدس»! وكانت الحركة الكبرى لعزل الكهنوت «الإصلاح الدينى» والاهتمام بالخلاص على الأرض الثورة المفاهيمية الأخطر فى العصر الجديد.. مارتن لوثر وضع بيده منشورات الإصلاح المطبوعة على أبواب كنيسته وبدأت عملية فصل الدين عن رجال الدين وفصل العالم الأرضى عن مشيئة السماء!! وأصبح الخلاص متوافقا مع العمل الجاد والعمران!! ولم تعد كنيسة روما هـى الكنيسة الجامعة!! هناك إيمان آخر ممكن لنفس الإله كما أن هناك آلهة أُخرى تؤمن بها شعوب أُخرى غير إله موسى!!  «لقد أُبحِر بنا» (باسكال) فى مغامرة الحديث!!

على الضفة الأخرى من المانش كانت الصناعة المتسارعة قد أوجدت العلم الحديث «نيوتن» وما ارتبط به من فلسفةً وضعية «هوبز ولوك»، وكانت الكتابات المسرحية الشعرية لـ«وليم شكسبير» وتشكيل المسرح الإنجليزى حيث تتلى حكايات التناقصات الجديدة والقوى المتناقصة التى تمسك بتلابيب الانسان وكان جميعها تمثل فى المسرح (الفرقة التى يملكها ويمثل فيهـا شكسبير) ويرتاد عروضها محامون وسماسرة عقارات ومضاربون وحائزو إيرادات وصحفيون وأطباء وهـو ما نسميه طلائع برجوازية!!

كان «ديكارت» و«الانسكلوبديين» طلائع الانتلجنسيا فى جنوب المانش وتضمنت أعمالهما روايات أخلاقية «ديدرو» وأعمال مسرحية «موليير» وأشعار مختلفة ونقد حاد لأخلاق الأرستقراطية التى حكمتهم ورجال الدين السائرين فى ركابها!! وأتى التنوير لكى يعطى مجمل المشهد هدفا ساميا هـو السعادة والتقدم والخروج من هيمنة الجهل والظلام.

انطلق «الموناد» (monade) – الفرد المفَكر والسيد لمصيره وسعادته – وانطلقت معه عمليات التأليف فى مصير الانسان وتناقضاته، شعرا ومسرحا وروايات وتراجيديات وكوميديا!! وكانت العودة لمثل إغريقية تشبها بالمدينة عودة خيالية وميلادا ثانيا (Renaissance )!! لم يكن هناك ملاك عبيد ومواطنون أحرار، لكن مستثمرون وأُجراء بينهـم طبقة متوسطة من الوسطاء من بينهم كتاب وفنانون ومثقفون ومحامون وصحفيون وممثلون وراقصات!!

تكونت النظريات الأدبية والمقولات الفلسفية وأُلفت الأشعار والقصص ضمن هذا النطاق التاريخى وهـى تلبى حاجتين فى آن واحد أولا: تماسك المجتمع وفق منظور للوجود والتاريخ، وتلبية الحاجات الروحية لأعضائه وثانيا ضمان المصالح المسيطره لأسياده (البرجوازيين)!!

فى محيطنا العربى الإسلامى كان الشعراء والفقهاء فى معية الملوك والأمراء يعيشون على عطاياهم وهذا لم يمنع الانشقافات الهيتروذوكسية من «إباحيين» و«صوفيين» و«زنادقة» ضمن الانشقافات الدينية الواسعة التى عمت إمبراطورية ذات شعوب متنوعة الثقافات والإرث الشفوى والمكتوب!!! فى العصر العباسى أدت عمليات الترجمة الواسعة للتراث الإغريقى (عصر المأمون) إلى تنوع ومجادلات فى المجال الدينى – الفلسفى وانعكاسات معتبرة على المجال الأدبى..

أدى الركود الشرقى إلى عدم تشكل المدن الحرفية الحديثة (إلا فى العصر الفاطمى وتشكل القيروان والقاهرة) وكانت المدن القديمة هـى حاميات عسكرية محاطة بريف متسع وممتد مهمتها الجباية ولم تتمكن مدن العصور الوسطى الإسلامية متواضعة الإنتاج المادى من تمويل ثقافة تحررية ما عدا بغداد العباسية فى عصر المأمون، وبالتالى لا يمكن الحديث عن تشكل إنتلجنسيا اللهم إلا بالحديث عن العاملين بالفقه والطقوس الدينية!! وبقيت الثقافة الشعبية شفوية تنقلها الأجيال وهـى ذات طابع مناطقى ومحلى وفلكلورى.

مع حملة بونابرت اصطدم عالم الشرقيين هذا بالمنتج الأوروبى الحديث من طباعة وفنون وعلوم واستمرت الصدمة الحضارية الشرقية وأصبحت مجمل البلاد فى المحيط العربى الإسلامى تحت الاستعمار الأوروبى الذى سرع فى بناء إدارات للبلاد واستعانت بموظفين محليين وبدأت عملية التعليم الكولونيالى لتخريج هؤلاء الموظفين وظهر من بينهم شعراء وكتاب قصص وكتاب أخلاقيون!!

لكن ظلت الثقافة الشفهية المتناقلة فى محيط ريفى زراعى بالأساس هـى المسيطرة فى ربوع البلاد وكان رجل الدين القروى الحافظ للنصوص هـو فى نفس الوقت مقيم الشعائر وكاتب عقود الزواج وشهادات الوفاة كما عقود البيع والشراء! وكانت المدارس القرآنية (الكتاتيب) هـى المكون الأساسى للمتعلمين مع وجود أكاديمية دينية فى عواصم البلاد لتخريج المتبحرين من فقهاء وكتاب ملاحم دينية.

نهاية القرن التاسع عشر ومع أزمة دولية كبرى تبدأ شعوب الشرق فى الاستيقاظ وتبدأ زراعة المحاصيل النقدية (القطن والزيتون) والصناعات المرتبطة بها وعمليات بناء جهـاز الدولة والمدارس والجامعات والمستشفيات ودخول الطباعة التجارية على نطاق واسع وكانت للهجرات الأوروبية دور حاسم فى النزوع البرجوازى الجديد (يهود، أرمن، إيطاليين)!!! مع الطباعة دخلت الصحافة ومع تشكل شبه «البرجوازية» كان هناك حاجة لقضاء أوقات الفراغ وتأسس المسرح والكازينوهات والسينما ومع الجامعات ظهر أفندية متعلمين تعليما دنيويا ويعملون لدى جهـاز الدولة موظفين ولدى رجال المال محامين وصحفيين، وظهر من بينهم كتاب فى المسرح والسينما ومؤلفو مسرحيات وممثلون وكذلك شبه فلاسفة!! وكان يا ما كان!! ظهور الأحزاب السياسية والنوادى والجمعيات لتجميع هؤلاء فى ماكينة لتكوين ما اصطلح على تسميته الرأى العام.

ارتبط ظهور المثقفين ببداية  حركة التخلص من الاستعمار وبالتالى انقسامهم بين وطنيين وغير وطنيين، وكان الوطنيون عادة من محبى الثقافات التقليدية وكان التنويريون من المنبهرين بالإنجاز الأوروبى المذهل!! كتبت القصائد ومثلت المسرحيات ودُبجت المقالات بين هاتين النزعتين اللتين انضافت إليهما نزعة جديدة بعد الثورة الروسية هـى الفصل بين التقدمى والرجعى!! حيث كان طبقة عاملة وليدة فى طور التكوين وكان تحديا جديا للغرب الاستعمارى بدأ فى الظهور!!

لكن كيف كان يعيش المثقفون وهم لا ينتجون ما يُباع فى الأسواق؟! كانوا يعيشون من الوظائف الحكومية فلم تكن الأسواق الثقافية فى ظل الفقر المعمم تسمح بأن يعيشوا من كتاباتهم!!

كان «طه حسين « و«المسعدى» و«يحيى حقى» و«نجيب محفوظ « و«يوسف إدريس» و«الجابرى»… يعملون بوظائف ويتقاضون مرتبات من الدولة الوطنية الناشئة!! لم تكن الحركة العمالية المنظمة والمستقلة لها وجود إلا فى بلد واحد «تونس» ولم يكن هذا أمرا مستداما!! فالسلطة لا تحب لها شريكا على عقل وفؤاد الجماهير!!

كان انحياز المثقفين للدولة الوطنية هـو تحصيل حاصل ولم تكن الثقافة بعد سلعة تدر دخلا منتظما، حتى «أم كلثوم» كان الذين يدفعون ثمن تذاكر حفلاتها كبار رجال الدولة!! كان على الشعب ان ينتظر الراديو لكى يتعرف على الغناء «المحترم» لكن كان له غناؤه فى الأسواق والغيطان والموالد والأفراح.

تشكل الثقافة الجماهيرية الحديثة (غير الشفوية) انطلق بظهور الراديو ثم السينما ثم التلفزة!! لقد أصبحت كتابة الروايات مربحة لأنها تحولت لأفلام وتحول المنتج الثقافى فى ظل تحسن مستوى معيشة الطبقات العاملة والوسطى (بسبب النضال) إلى سلعة واسعة الانتشار وتخلص المثقف من ارتهانة للمحسنين الميسورين ورعاية الأرامل الثريات!! ولم تعد وظيفة الدولة ضرورية لكى يستمر حيا!!

أصبح العديدون يتعيشون من إنتاجهم وأعطى هذا إمكانية واسعة للتعبير كانت تقف أمامها أجهزة الرقابة والأنظمة الديكتاتورية!! وخلال سنوات الاستقلال أخرجت الجامعات والمدارس جيوشا من المتعلمين الذين يقرءون!! وأنتجت الوضعية المعقدة لبلادنا فى عالم اليوم حزمة من الأسئلة الكبرى الإنطولوجية (ontology) أهمها من نكون! وإلى أين نسير! وهذا ما يشكل القلق الذى يحتوى المثقفين وجمهورهم الذى يدفع ثمن الكتاب، ويذهب إلى السينما والمسرح ويُشترى دواوين الشعر ويذهب للكونسير!!

حول السؤالين انقسم مجددا الناس ليكون هناك أصوليون وتقدميون ولكل منهم كتابه ومفكروه وشعراؤه وممثليه ومخرجيه السينمائيين والمسرحيين!! وحتى على صعيد الثقافة والتحيزات الكروية انقسم القوم بين الفرق الكروية واختلط الحابل بالنابل والسياسى بالدعوى!!

أصبحت الثقافة صناعة ولكل صناعة برجوازية وبروليتاريا!! مالكين لوسائل البث من محطات تلفزة واستديوهات ومطابع هى الوسيلة الوحيدة لوصول إنتاج ثقافى للجمهور!! وهنا صار انقسام جوهرى بين جماعة المثقفين بين المرسمين فى وسائل الإعلام وأحيانا الجامعات وغير المرسمين، المهمشين، وتحدث صراعات ومناظرات بين المعسكرات المتنازعة على الحظوة والمنزلة وعلى الرواج فى سوق الثقافة التى أضحت سلعة. المعسكرات المنقسمة حول مقولات وتقسيمات وتقييمات ومصالح مادية ودنيوية.

الحدث الجلل والمجلجل فى تاريخ الثقافة والذى سيكون هناك تأريخ قبله وتاريخ بعده للثقافى!! هو اختراع الحاسوب والتليفون المحمول الذكى والإنترنت!! لقد أضحى أى مواطن باستطاعته أن يكتب ويصور ويحلل ما يشاء ويبثه لأركان الكرة الأرضية الأربعة!! لقد هجر الناس قاعات القراءة وصالات السينما والمسارح لكى يتثبتوا أمام الاجهزة الإلكترونية يكتبون ويصورون ويألفون كل ما يعن لهم!! لم يعودوا تحت رحمة رئيس التحرير أو ممول الفيلم أو صاحب دار النشر والمطبعة!! تشكلت لأول مرة فى التاريخ شروط موضوعية تقنية تسمح للجميع بأن يكونوا منتجين ومستهلكين لمواد ثقافية!! فهل ستنتهى طائفة المثقفين وهل سيتعرضون لما آل له الكهنة؟!

ما زال الوقت مبكرا لاستيضاح ذلك فما زلنا نشاهد الأفلام ونذهب للمسرح ونشترى الكتب ونكتبها ونسهر مع العائلة لمشاهدة المسلسلات، ويحقق من وراء ذلك الآلاف من الكتاب والفنانين ثروات هائلة تضعهم فى مصاف علية القوم!! وحتى الديانات المختلفة تحولت لعمل إعلامى وتليفزيونى والوعاظ البروتستانت والمسلمون أصبحوا نجوما للشاشات الفضية!!

لن يعود العالم كما كان من قبل وكذلك لن تعود الثقافة والمثقفون كما كانوا «تحول الرأسمالية كل نشاط إنسانى إلى سلعة!! والمهن التى ارتبطت بالتقديس كرجل الدين والكاتب والشاعر والفنان أضحت عملا مأجورا»!!! «كارل ماركس»

وتبدو عملية ما بعد الحداثة تلك كجمع لنوستالجيا لعالم مستقر يحكمه إله مع عالم واقعى ماتت فيه الالهة بعدما اخفقت وعود الحداثة بالتحرر والسعادة!! حتى اخر محاولتها (الحداثة) التحديثية (الاشتراكية السوفييتية والماوية ) لم تنتج سوى ديناصورات استبدادية!! هـى عملية «باستيش» (pastiche) للتصنيع مع نمط الحكم الآسيوى (الاستبداد الشرقى )!!

كيف سيبدو المثقف القادم؟ وأين سيقف؟! هذا ماستحدده موازين القوى بين المنتجين والمستهلكين للفائض الاجتماعى والثقافى وحاجات الأطراف المختلفة للتجانس، ولأدواتهم (الثقافية) للصراع والخداع والغلبة!! ولن تحكمه منطقية أو علمية المقولات التى ينبغى توافرها على كل حال لتبرير العنف والانسحاق… لكن ستعبر هذه المقولات والمواقف عن واقع الصراع الذى نستعد له وننتظره كمثقفين!!!

حسنى عبد الرحيم