على ما قُسم محمد عبد النبي فوانيس (1)   يُعرض حاليًا على شاشات التليفزيون مسخٌ عجيب، كائن مُشوَّه ومثير للسخرية والشفقة، مُتمسحًا فى ليالى الحلمية، وفيما عدا الاسم وأغنية

فوانيس (1)

 

على ما قُسم

محمد عبد النبي

فوانيس (1)

 

يُعرض حاليًا على شاشات التليفزيون مسخٌ عجيب، كائن مُشوَّه ومثير للسخرية والشفقة، مُتمسحًا فى ليالى الحلمية، وفيما عدا الاسم وأغنية التتر وأسماء الشخصيات الرئيسية وصُور ممثلى العمل السابقين، بأجزائه “الأصلية”، فلا يمكن رؤية أى علاقة حقيقية تربط هذه الجريمة الفنية بالتحفة القديمة. أعرفُ أنه لم تمضِ إلّا أيام قليلة من رمضان وأنه لا يجوز التسرّع فى الحكم، لكن مشاهد معدودة من هذا “الشيء” كافية للإصابة بالغثيان، وليست المشكلة هنا فى تدنى مستوى العمل، فما أكثر المصائب التى تنطلق على الناس مع انطلاق أوّل مدفع إفطار فى رمضان، ولكنّ الغصّة الحقيقية هى تشويه عَمل قديم جميل، لم يسمح صنّاعه بهذا العبث لمجرد أنهم رحلوا عن عالمنا. أميل للتجديد وإتاحة الفرص لمعارضة الأعمال الفنية القديمة، لكنّنا هنا أمام حالة فريدة من نوعها، تراث وقيمة يُعرضان للبيع بثمنٍ بخسٍ. من أين استمد صنّاع هذا الشيء جرأتهم؟ أمّا عن ورثة الراحل أسامة أنور عكاشة، فكيف طاوعتهم قلوبهم؟

***

برنامج المهيّسون، الذى يُعرض الموسم الثانى منه حاليًا على بعض القنوات، يعتمد بالورقة والقلم والقص واللصق، على برنامج أمريكى اسمه impractical Jokers، وفيه نتابع أربعة أصدقاء منذ الطفولة يفرضون على بعضهم بعضًا تحدياتٍ فى غاية الجرأة والمرح، أغلب مواسم البرنامج الأصلى متاحة على موقع يوتيوب، وبمجرد مشاهدتك حلقة واحدة منه ستدرك الفرق الحقيقى بين العفوية والاصطناع، بين خفة الروح وثقل الدم، بين المرح الطليق الطبيعى والاستظراف الذى لا يُطاق. هذا غير أن طبيعة الجو والبيئة التى يتحرّك فيها شباب البرنامج الأصلى مختلفتان تمامًا، فردود أفعال الناس فى الشوارع والأماكن العامة هناك تتسم بالانفتاح والاستعداد للعب، ولا تنحرف للثورة والغضب إلّا فى حالات قليلة عندما تزيد الأمور على حدّها، والأهم أنهم لا يضعون الناس أبدًا فى موضع السخرية والهزء والتلاعب، وهو ما صار عندنا أقرب إلى سُنّة مُتبعة فى أغلب البرامج التى تسمى نفسها بالكوميدية.

***

رمضان موسم سنوى لأشياء لا مجال لحصرها، لكنّ أوضحها منذ سنوات هو الرغبة فى تقليب الزبون، واصطياده وهو محمّل بالعاطفة الدينية الساخنة، ومستعد للدفع عن طيب خاطر، تقربًا إلى الله أو أداءً لفرض الزكاة، ويبدأ التصارع على أموال الزبون من جهاتٍ لا نهاية لها، وينطلق ماراثون الابتزاز العاطفي، حتى ليشعر المشاهد الجالس فى بيته آمنًا مطمئنًا أنه المسئول الأوّل والأخير عن علاج كل مريض وإطعام كل جائع وكساء كل عريان. لا يُمكننا أن ننفى مسئولية كلٍ منا تجاه أخيه، سواءً من منطلق الواجب الدينى أو الإنساني، لكن الصيغ التى تتبّع منذ سنوات صارت أشبه بالمطالبة العنيفة، بالتثبيت، بإقلاق الراحة والتهديد. فى كل الدنيا، يمكن للناس أن ينظموا أنفسهم فى كيانات وجمعيات مدنية ليواجهوا مشكلات مجتمعهم كالأمية أو السرطان أو الأيتام، لكنك فى مصر لستَ مضطرًا لتنظيم نفسك كمجموع، بالعكس لا يجب أن تفعل هذا، وإلّا صرت مشبوهًا ومتهمًا بالعمالة والخيانة وتلقى التمويلات الخارجية لهدم النعيم الذى نعيش فى ظلاله، فى مصر ليس مطلوبًا منك غير أن تحتفظ بالعيدية كاملة فى جيبك، ثم تعطيها لأمك حتّى تحوّشها لك، أو تصرفها هى بمعرفتها.

***

مع تجدّد الطقس السنوى الدينى-الأمنى فى ملاحقة المفطرين فى الشوارع والمطاعم والمقاهى، تتجدد نفس التعليقات والاعتراضات، ولا بأس من التذكير بالإخوة المسيحيين أو مَن كان منا مريضًا أو على سفر، إلى آخره، فكأن المفطر لغير ما سببٍ من تلك يستحق أن يؤخذ على القسم ليأخذ نصيبه، وكأن سيجارة يشعلها سائق ميكروباص بعد مشاجرة فى الموقف قادرة على الإساءة لصورة الإسلام ومشاعر المسلمين. وكأن إيماننا صار أضعف من أن يُترك دون حماية، من قوة الشرطة وقوة الفتوى وقوة المراقبة والعقاب التى تترصد بالعباد.