وجدتها شريف صالح كلام عن الجوائز   لماذا لم يفز محمد على كلاى بجائزة نوبل فى السلام بينما فاز بها أوباما لمجرد أنه ألقى عدة خطابات براقة فى بداية حكمه؟

كلام عن الجوائز

وجدتها

شريف صالح

كلام عن الجوائز

 

لماذا لم يفز محمد على كلاى بجائزة نوبل فى السلام بينما فاز بها أوباما لمجرد أنه ألقى عدة خطابات براقة فى بداية حكمه؟ ولماذا لم تفز بها شاهندة مقلد التى أعطت أكثر من ستين عامًا من عمرها لقضايا الفلاحين والمهمشين بينما فازت توكل كرمان لأسباب لا يعلمها إلا الله؟!

لا أحد يرضى عن “الجوائز” إلا الفائزون بها.. بدءًا من “نوبل” و”الأوسكار” ووصولًا إلى جوائز الدولة فى مصر التى تجعلك تشعر بالغثيان عندما تعلم أن أشخاصًا لا يكتبون روايات ولا قصائد فازوا بجائزة الدولة التقديرية فى “الآداب” منهم محمد الجوادى والشيخ عبد المنعم النمر والشيخ السعدى فرهود.. بينما لم يفز بها مبدعون كبار مثل محمد المخزنجى والمنسى قنديل والأدهى أن تفاجأ بفوز سيدة ورد اسمها فى قضية رشوة دولية بجائزة النيل أرفع جائزة مصرية فى العلوم الاجتماعية بينما لم يفز بها صلاح عيسى أحد شيوخ الصحافة فى مصر رغم تاريخه الوطنى والنضالى وأكثر من عشرين كتابًا مهمًا فى التأريخ الاجتماعى والسياسى لمصر!

وعندما عبرت عن انزعاجى من “طرائف” جوائز الدولة عاتبنى بعض الأصدقاء.. لماذا هذا الانشغال بالجوائز؟ الجوائز لا تصنع مبدعًا.. الجوائز ليست معيارًا على الجودة.. من المعيب أن يخضع الإبداع لتقييم لجنة.

كل هذا كلام صحيح نظريًا وأحترم أى مبدع يُفضل ألا يشارك فى أية جائزة مهما كانت مغرياتها. لكن هذا لا ينفى أن الجائزة تظل حقًا مشروعًا لأى كاتب.. كتكريم مادى وأدبي.. ومن واجبنا أن نخضعها دائمًا للتقييم كى نتأكد أنها تصل إلى من يستحقها ولا تضل الطريق فى دهاليز ملتوية.

وتزداد أهميتها فى الدول شبه المتخلفة.. التى تنظر إلى الإبداع نظرة دونية.. وتجعله بلا أى مردود.. إلى أن يموت المبدع كمدًا وفقرًا ومرضًا.

ونعلم جيدًا أن معظم الناشرين لا يعطون الكُتاب أدنى حقوقهم.. وإن حدث ونالوها فهى أقرب إلى “الفُتات”.. فعن نفسى استغرقت فى إعداد كتاب “نجيب محفوظ وتحولات الحكاية” خمس سنوات من عمرى وكانت مكافأتى ألفا ومائة جنيه من قصور الثقافة!

وأذكر أننى سألت الراحل إدوار الخراط عن سر توقفه عن الكتابة لأكثر من عشرين عامًا فأجاب بأنه كان بحاجة إلى تأمين لقمة العيش.

إذا كان هذا هو حال مبدع كبير كان يعيش فى العاصمة.. فما حال أدباء وكتاب فى الأقاليم؟

فى مثل هذه الأوضاع المجحفة تتعاظم أهمية الجوائز لتعويض الكُتاب جزئيًا عن إحباطات وخسارات كثيرة.. عن آلاف الكتب وأطنان البن والشاى والسجائر التى اشتروها!

وعندما نتحدث عن ضرورة مراجعة آليات الترشيح والتقييم فهذا يعنى أننا ننقذ مشاريع إبداعية مهمة.. فلنا أن نتخيل مثلًا لو كان الخراط نجح مبكرًا فى تأمين لقمة العيش ولم ينقطع كل هذه السنين عن الكتابة.. لو وجد جائزة تشجعه بعد إصدار كتابه الأول.. ساعتها كان من المحتمل جدًا أن يتضاعف إنجازه وتأثيره فى الأدب المصرى.

أما عندما ينال الجائزة من لا يستحقها وليس لديه مشروع أدبى أساسًا.. فهذا يعنى أمرين.. كلاهما أسوأ من بعض.. الأول أننا أحبطنا صاحب مشروع وقتلناه معنويًا.. والثانى أننا قمنا بتكريس كتابة رديئة محصنة بختم جائزة الدولة! وربما يسخر منا أولادنا فى المستقبل.. ما هذا “الهراء” الذى كانوا يمنحونه جوائز الدولة المدفوعة من دم الشعب المصرى؟!

وقناعتى دائمًا فى أى نشاط يحمل اسم “مصر”.. إما أن يتم باحترام وعلى أكمل وجه.. وإلا فإلغاؤه أفضل احترامًا لاسم “مصر”.