هرشة فكرية أمينة خيري «هم» و«نحن» ورامز جلال   اعترض سائق التاكسى على ما قلته حول برنامج الفنان رامز جلال «رامز بيلعب بالنار» وذلك فى إطار الحديث المعتاد بين الراكب

«هم» و«نحن» ورامز جلال

هرشة فكرية

أمينة خيري

«هم» و«نحن» ورامز جلال

 

اعترض سائق التاكسى على ما قلته حول برنامج الفنان رامز جلال «رامز بيلعب بالنار» وذلك فى إطار الحديث المعتاد بين الراكب القرفان (أنا) والسائق المطحون (هو). انطلقت فى حديثى الشاجب المندد الواصم للبرنامج بأنه «مقزز» والناعت لمقدمه بأنه «سوقى وغوغائى وغير إنساني»، فما كان من السائق إلا أن باغتنى بقوله: «ده رأيكم. إحنا الأغلبية لينا رأى تاني». وقبل أن أستفسر منه عمن يكون «نحن» و«أنتم» اللتين أشار إليهما، استطرد غاضبا كمن داس على زر التنفيس وقال: «البرنامج عاجبنا ودمه خفيف وبيضحكنا وبيعحب العيال الصغيرة. مش معنى إن إنتوا مش عاجبكوا إنكم تحرمونا من شوية الضحك اللى حيلتنا». فى البداية اعتقدت أنه يقصد «نحن» الرجال و«أنتم» النساء، ولكن اعتقادى لم يكن فى محله لأنه صرح بأنه يجلس مع «المدام» والأولاد للاستمتاع بالبرنامج «اللطيف» «الخفيف» «الظريف» على الإفطار. وحين سألته مستشعرة خطرا اجتماعيا محدقا عن المقصود بـ«نحن» و«هم»، قال «إحنا البسطاء الكادحين الذين لا حول لنا أو قوة، وأنتم المقتدرون المثقفون الذين لا شغلة لنا أو مشغلة سوى التنكيد على خلق الله». كظمت غيظى وبلعت غضبي، وقررت أن أتغاضى عن هذه المغالطة الاجتماعية الطبقية المهنية، وسألته إن كان يشعر بأن مقدم البرنامج يستخدم ألفاظا غير لائقة، أو يتعمد السخرية من أصحاب الأوزان الثقيلة، أو ينعت شخصا بصفة رذيلة، أو ينكت على آخر بنكتة خارجة على الأخلاق. أطلق السائق ضحكة استهزاء كبيرة، وقال لى بكم أكبر من السخرية: «لا اطمئني. نحن لا نرى فى كلامه شيئا جارحا أو غريبا. هو حضرتك مش بتنزلى الشاعر خالص؟ أصل حضراتكم عايشين فى أبراج بعيدة عن الواقع. ما تآخذنيش. الكلام الذى تقصدينه ولا حاجة بالنسبة للواقع فى الشارع. انتوا بس اللى حساسين شوية». كتمت غيظى أكثر وأكثر، وسألته: «يعنى لو المدام عندك مثلا وزنها زايد شوية وحد لسن عليها بكلام كالذى استخدمه الأستاذ رامز ألن تغضب أو تشعر أنه تجاوز فى حقها؟» قال: «هى فعلا وزنها زايد وأنا باقولها كلام أفظع من الكلام الذى تقصدينه. إيه المشكة يعني؟» أيقنت أن المشكلة هى أننى لا أقبل منطقه وهو بالمثل لا يتقبل منطقي. وأيقنت كذلك أن ما يزعج البعض فى برنامج رامز جلال من حيث مستوى السخرية، والتنكيت على خلق الله، وتحويل مشاعر الفزع والرعب (حتى ولو كانت مصطنعة ومتفقا عليها) إلى مادة لإسعاد المشاهدين ما هو إلا هراء للبعض الآخر. سائق التاكسى صدمنى بحقيقة الأبراج التى يعيش فيها بعضنا. صحيح أنه يقصد الأبراج على المستوى الاقتصادى حيث يخيل له أن كل من يرفض التدنى والإسفاف أى «هم» هو مقتدر ماديا ومن ثم يملك من رفاهية الوقت والدماغ ما تسمح له بالتنكيد على خلق الله العاديين المطحونين الباحثين عن ضحكة ومتعة ليس إلا (أى نحن). وبين هم ونحن فجوة ثقافية كبرى تفصل بين الشعبين.