لم تكن “سفيتلانا ألكسيفيتش” الحاصلة على نوبل للآداب 2015 تشير إلى أعمالها أو إلى التاريخ الشفهى للاتحاد السوفييتي، حين قالت مساء الأربعاء الماضى فى مكتبة نيويورك العامة، ان قصصها نشأت

3600

لم تكن “سفيتلانا ألكسيفيتش” الحاصلة على نوبل للآداب 2015 تشير إلى أعمالها أو إلى التاريخ الشفهى للاتحاد السوفييتي، حين قالت مساء الأربعاء الماضى فى مكتبة نيويورك العامة، ان قصصها نشأت نتيجة صدمة الطفولة العميقة. بل كانت تعنى تلك الأحداث العصاب التى مرت عليها فى حياتها الخاصة، ودفعتها لتوثيقها فى سجل المعاناة.

تقول ألكسيفيتش: “ترعرت بعد الحرب فى قرية لا يوجد بها إلا النساء تقريبًا، ذلك أن معظم الرجال قتلوا فى المقاومة، حتى أننى لا أتذكر أسئلة أخرى فى طفولتى سوى الأسئلة المتعلقة بالخسارة والفقد، وكان من الواضح أن الكتب التى كانت تملأ حوائط المنزل حينئذ، لم تكن مهمة بقدر ما كانت أهمية المحادثات التى كانت تجرى خارج المنزل”.

فى هذه الأثناء، تخرجت ألكسيفيتش من كلية الصحافة، لكنها فطنت سريعًا إلى أن الصحف لا تريد التاريخ الشفهي، وهو ما كان الأكثر إثارة لاهتمامها. تحدثت ألكسيفيتش، أول مواطنة بيلاروسية تحصل على جائزة نوبل للآداب لمدة ثلاث ساعات إلى جمهور غفير، عن مصادر بهجتها، وعن خطر تشويه الرئيس الروسى بوتين، وعن أخلاقيات الفن.

معظم أعمال ألكسيفيتش تهتم بالذاكرة غير المدونة، وما تطلق عليه “الجلادين الصغار”. تقول ألكسيفيتش “غالبًا ما تفقد السياسة التركيز على البديهي، وحياة الناس العادية، القادرون على التبرير لأنفسهم عن كل موقف يقعون فيه، حتى لو كانوا حراس سجون، دائمًا ما نعيش فى عالم متقلب، يختلط فيه الخير بالشر. نردد هذه الأيام بوتين، بوتين، بوتين طوال الوقت، هذا بجانب الرسومات الكاريكاتيرية التى تسخر منه، لكننا نحتاج أن نشير إلى بوتين الجمعي، بوتين الموجود فى كل شخص منا”.

لا يكمن الخطر الآن طبقًا لألكسيفيتش فى شخص واحد مثل بوتين، أو فى شخص الرئيس البيلاروسى “ألكسندر لوكاشينكو” الذى اضطهد ألكسيفيتش حتى رحلت عن البلاد، ثم وجه لها التهنئة حينما حصلت على نوبل للآداب، لكن الخطر من وجهة نظرها، هى ما أسمته “أسطورة الوطنية”، وبعبارة أخرى “الرجل الأحمر” الذى كان والدها واحدًا منهم. إذ درس الصحافة، وشارك فى الحرب العالمية الثانية، وظل طيلة حياته شيوعيًا. وربى أطفاله طوال الوقت على اعتقاد أنهم يعيشون فى أفضل بلاد العالم، ولابد لهم أن يدفعوا أرواحهم فورًا فداء بلدهم عندما يتطلب الأمر ذلك.

لكن عندما عادت ألكسيفيتش من الحرب الأفغانية السوفييتية، وقالت له: “نحن قاتلون، هذا ليس بلدًا عظيما مثلما أخبرتنا”، لم يكن لديه رد، كان رجلا ذكيا وأمينا، لكنه بدأ فى البكاء، لأنه كان يعرف الحقيقة.

تأمل ألكسيفيتش أن تنظف كل ماكينات السلطة من خلال الحوارات التى تجريها مع الناس العاديين، لكنها ترى أن عملها يختلف عن أى مسعى صحفى تقليدي. “أتيت إليهم كصديقة، كجارة لهم، ولم أكن أجرى حوارًا صحفيًا، كنت أتكلم عن الحياة”

لم تكن ألكسيفيتش تشير فى اعمالها لكارثة تشيرنوبل التي وثقتها في كتابها “صلاة تشيرنوبل” والذي صدرت نسخته العربية، عن دار مصر العربية للنشر والتوزيع، بل كانت تشارك القراء قصصا حميمية عن الحياة والحب والخيانة، وحتى مواضيع لم تشأ هى أن تكشف سرها، لكنها ظلت لديها نظرة واضحة عن ما يسمى الجانب المظلم للفن، ذلك أننا دائمًا ما نعانى التمسك المفرط بكل ما هو جميل. تقول ألكسيفيتش: “ان الفن هو نوع من التجسس” وذلك فى معرض حديثها عن قصة ذُكرت عن ليو تولستوى حين كان يجرى بحثًا بشأن روايته “موت إيفان إيليتش”. كان يذهب إلى بيوت معارفه لمدة طويلة، يراقب الناس الذين اقتربوا من الموت، لكن فجأة، طرده عجوز قائلًا: أنت شخص شرير، وهذه الجنازة شأنى الخاص وسأقيمها وحدي، لكن ألكسيفيتش قالت انه بسبب هذا الفعل، كتب تولستوى تلك القصة العظيمة، أظن أنه لا يجب علينا أن ننخدع بما يسمى أخلاقيات الفن.

13412904_10154129694046675_6773513073322027797_n

وبسؤالها عن الأشخاص الذين يهربون من بلادهم بحثًا عن الأمان، وعن اعتقاداتها بشأن قتل 49 شخصا فى نادى للمثليين الأسبوع المنصرم، قالت ألكسيفيتش: “ان هناك مجموعات كثيرة من مثليى الجنس هربت من روسيا لأمريكا بحثًا عن الأمان، لكن أين هو ذلك الأمان الآن؟، أعتقد أننا فقدنا ذلك الاحساس بالأمان أو بالأحرى لم يكن إلا مجرد وهم. كان لدينا امرأة بيلاروسية هربت إلى إسبانيا عبر المرور بإسرائيل، ولكن قبض عليها فى إسبانيا واتهمت بأنها شاركت فى عمل إرهابي، لا يوجد مكان تستطيع الهرب إليه الآن”.

وبعدما كتبت ألكسيفيتش عن كارثة الاشعاعات النووية وما صاحبها من آلام، توجه اهتمامها الآن لموضوع مختلف، الحب، فى كل تركيباته الممكنة، وبعبارة أخرى، ترى أن الحب لا يختلف عن ذلك الموجود فى الكتب، لكنها – كما تقول – تريد أن تكتشف ماذا يصيب الناس عندما يحيون دونه.

أحمد ليثي