فى نهاية عام 2014م صدرت رواية «تغريدة» للروائية الفلسطينية أثير صفا عن دار «ميريت»، وهى الرواية الحاصلة على منحة «آفاق» الثقافية، تميزت الرواية بشكل مختلف من أشكال السرد الروائى الذى

10690114_485571251590611_4990276485991044290_n

فى نهاية عام 2014م صدرت رواية «تغريدة» للروائية الفلسطينية أثير صفا عن دار «ميريت»، وهى الرواية الحاصلة على منحة «آفاق» الثقافية، تميزت الرواية بشكل مختلف من أشكال السرد الروائى الذى قدم كاتبة تحمل قدرا كبيرا من الثقافة، ووعيا بآليات السرد الروائى والاتجاه نحو التجريب، كتب عن الرواية العديد من النقاد منهم الدكتور صبرى حافظ، ورغم أن الرواية لم يتم توزيعها على نطاق كبير لكن الناشر اهتم حينها بالاشتراك بها فى البوكر؛ لأهمية الرواية، مُنعت صفا من دخول مصر، وبإصرار تحت عنوان «لدواعٍ أمنية – منعًا لزعزعة الأمن القومى المصري»، لأحد السببين: أنها فلسطينية حاملة للجنسية الإسرائيلية، والثانى هو ما كتبته فى الرواية بأسلوب تهكمى فنى عن معاهدة كامب ديفيد- حسب زعمها- وهنا تُطرح مجددًا الإشكالية التاريخية بين الأدب والسلطة، فى هذا الحوار توضح لنا أثير صفا الكثير عن الكتابة الروائية، والخروج عن الشكل المعتاد فى الكتابة، وكيف كانت الرواية سببا فى منعها من الدخول إلى مصر.

حاورها: محمود الغيطاني

  • فى روايتك «تغريدة» اهتمام بيّن باللغة، لدرجة أن جماليات اللغة فيها قد تصرف انتباه القارئ إليها بعيدا عن الموضوع الرئيسى فى الرواية.

– لو ارتديتُ فستانًا أبيض، فروًا مسلوخًا من حيوان المنك يعتلى ثوبًا مخمليًا، تنورة من الجلد وكولونًا مشبكًا وعلكةً تمُضغ على جانبٍ واحد من الفك، فستانًا قصيرًا برخصٍ أو بشياكة، جينزًا مقطعًا عوزًا أو موضة، قطعة ملابس سينييه لمصمم إيطالى أو أخرى لُصق على قفاها made in china، مايوهًا أحمر شديد الضيق على لحمٍ مكتنز أو ملابس فضفاضة للصلاة يتوه فيها العُتاة، جلبابًا أم ورقة تين، هل يضللك هذا عن جوهري، فكري، مضموني، شخصيتي، تصوّري، أيديولوجيتي، مكانتي، سياقي؟ أم يؤكد هذه العناصر ويشى بها؟ هكذا هى اللغة لا تصرف الانتباه عن لبّ النص وإنما تؤدى إليه، تؤكده، وتمنحه هويته وفردانيته وكينونته.

وحدها اللغة تنطق عن الهوى، لذلك عشقى الأول لها لها لها.

  • ألاحظ من خلال شخصية «علام»- الشخصية المحورية فى الرواية- أنك حريصة على التركيز على الشخصية المختلفة فى المجتمع، أو الخارجة عن السياق الاجتماعى النمطي، وهو ما يجعل الشخصية فى مواجهة دائمة مع المجتمع، ويضعها فى حالة رفض دائم، لم كنت حريصة على تحطيم النمط القائم؟

– كنت مرّة فى محاضرة حول طوفان نوح، وعطفًا على ذلك جاء ذكر الحمامة، فقاطعتهم مصححةً بأن الطير المقصود كان غرابًا لا حمامة، مع أنه تم تلقينى طول حياتى بأن الحمامة هى التى رجعت إلى النبى حاملةً الغصن إياه. لماذا حدث ذلك؟ لأنى مهووسة بالمختلف، بالقصة البديلة المهمشة، شيء ما داخلى يؤكّد أن الحقيقة تكمن فيما حُشر فى الأطراف ولم يحتل المركز لسببٍ ما، فى الموارى والمدارى. فقد قرأت مرة عن احتمالية بطولة الغراب فى هذه الرواية، وعلقت القصة فى رأسى مُنحيّة القصة المعمول على ترسيخها فى جمجمتى منذ الطفولة. هذا لا يقول شيئًا طبعًا عن إيمانى ومعتقدى بالنسبة للأمر برمته ولكنه يقول بآلية تفكيرى فى احترام المختلف واستيقافه لى ونزعتى إلى مركزته وسهولة التنازل عمّا أُجمع عليه وجُذّر بإصرار.

– أما منطلق اختيارى للفنان كبطل للرواية فيتلخص فى فكرة أؤمن بها وهى أن أكثر الأفراد تعبيرًا عن العصر الذى يعيشون فيه هم أولئك الذين لا يستطيعون التعايش معه. ولأنى رغبت بالتعبير عن واقعنا العربى اخترت الفنان كنموذج لأنه الأقدر على الرؤية، فمن يسير مع الحشود لا يرى إلا ظهورهم، ومن يسير خلافًا فقط يستطيع مطالعة وجوههم. من خلال طرح النموذج الخارج على القاعدة أنت الأقدر على رصد القاعدة، والفنان خارج.

  • على طول السرد الروائى نلاحظ تناصك مع العديد من النصوص المختلفة سواء كانت شعرية أو فلسفية، أو نصوصا دينية، أو علمية، وهذا اللون من الكتابة التناصية هو لون صعب على الكاتب، سواء من حيث البناء، أو من حيث التلقى الذى قد يضع القارئ الساذج فى حيرة.

– لن أقتل أبى كى أعيش. فى نظريته حول موت الأب يرى هارولد بلوم أنّ العلاقة التى تربط الأدباء بالنص الأصل «المسيطر والمهيمن»، هى نتيجة لما يسميه بقلق التأثّر، فهو يرى أن الأدباء يعانون أنهم جاءوا متأخرين فى الزمن، وينتابهم هاجس استنفاد آبائهم من الأدباء لكل إلهام. ومن هنا يتشكل الكره الأوديبى للأب عند كاتب النص المتأخر الذى يتجلى بمحاولة تدمير النص الأصل من خلال تحريفه والسخرية منه.

أنا ببساطة لا أعانى قلق التأثر، لم أفعل ما فعله مارسيل دوشامب حين وضع شاربًا للموناليزا، ولا ما فعله توفيق الحكيم فى مسرحيته شهرزاد بإظهاره عهرها واستمتاعها بالتلاعب بشهريار. ما تؤكده الرواية، من خلال الاقتباسات الأمينة، أنى أحب هؤلاء ممن سبقونى وأدهشونى وشكلوا وعيى الثقافى والإنساني. أحبهم إلى درجة أنى تخيلت ممارستى للحب معهم.

لقد ورثنا علاقة لا مهرب منها مع السلف، علاقة أساسية وضرورية، فلماذا أتنكر لها؟ أما القارئ فأفترض فيه الذكاء لا السذاجة لذلك أكتب دون هواجس من تلقيه لمادتي.

  • كُتبت «تغريدة» بآلية اللوحات التشكيلية، وكأنك فى كل مقطع تقدمين لوحة تشكيلية جديدة، كما وضعت العديد من اللوحات العالمية مبثوثة فى ثنايا روايتك، هل كنت حريصة على هذا الشكل من البناء الفني؟

– لا تزال الجيوكندا حتى اليوم تجلس بهدوء ساخرةً منا! يثيرنى هذا الاستفزاز الساكن المحصور فى لوحة لا حراك فيها ظاهريًا ولكنها تعتمل بالأفكار والمعانى والدلالات والرسائل المشفّرة داخليًا. اهتمامى بالفن التشكيلى جزء من تكوينى ومن لغتي، فى أى حديث عابر معى ستتمكن من إدراك هذه الحقيقة. من هنا جاءت صياغتى اللغوية كتشكيلٍ مُصوّر ومرسوم يمكن أن تستشعر فيه روح لوحة أو قطعة فنية. ويكفى أن تعرف أنه أثناء كتابتى للرواية سافرت إلى الفاتيكان خصيصًا كى أتأمل جدارية «خلق آدم» لمايكل أنجلو. تربعت على الأرض ورفعت رأسى واشرأب عنقى ولمعت عيناى من شدة التأثر والانتشاء. ثم إن علام بطل الرواية فنان، وقد انعكس ولعه المطلق بالفن على البناء الروائي، فكانت اللوحات والتماثيل ضرورة كلغة تعبّر عن جوهر البطل ذاته، تماهيًا معه وبثًا لروحه. بالإضافة إلى أن ترصيع النص بلوحات حقيقية لأعلام فى الفن التشكيلى جاء لإضفاء طبقة جديدة من المعنى، فالجمالية فى الرواية لا تنفصل عن الجوهرية، واللوحة كذلك لغة لا توضّح اللغة المكتوبة بقدر ما تكمّلها، فهى تطلب من القارئ الرجوع إليها وإعادة النظر فيها (فالفضول هو العنصر المعرفى الأول) كى يدرك مراميها ومعانيها وبالتالى يستنبط علاقتها بنص تشكيلى وإشكالي.

  • من خلال السرد أرى وعيك التام بما أطلق عليه الراحل إدوار الخراط الحساسية الجديدة، والكتابة عبر النوعية، وكأنك كنت تريدين بناء رواية مكتملة معرفيا.

– حين أكتب أتخيل كائنًا فضائيًا جالسًا على كوكب آخر يتأمل هذه الأرض ويحاول جاهدًا تكوين فكرة عنها، أفكر، لو أردت أن أهديه كتابًا يعبّر عن حضارتنا الإنسانية فأى كتاب أهديه؟ وإلى هذا الكائن الفضائى أكتب، راصدةً التاريخ والنفس البشرية والمنظومات المعيشية التى اختلقها الإنسان كى يتسق وجوديًا مع كينونته. كل تلك الشمولية فى روايتى جاءت من هذا المنطلق، فليست روايتى فى ذاتها عالمًا أو فكرةً بقدر ما هى انفجار لعوالم وأفكار تلخّص نوازعنا نحن البشر على هذه الأرض. أما وعيى بالكتابة عبر النوعية وبالحساسية الجديدة كنمط يؤكد فكرة اللانمط فى الكتابة فقد ساعدنى على التجلّى بشكلٍ مختلف، وزوّدنى بجرعة من الجرأة فى تدمير مفهوم النص الكلاسيكي، والمساحة التى أعدو بها كخيل بلا وثاق بين أنواع فنية عديدة من الشعر إلى الفن التشكيلى إلى النص العلمى والديني. وعيى النقدى بمفهوم ما بعد الحداثة بيّن لى أن بعد الحظيرة غابة، وبعد الغابة صحراء، وبعد الصحراء بحر، ثم السماء. كل هذه الجغرافية تجدها متراكمة ومترامية فى قلبى وفى نصي.

  • رواية ما بعد الحداثة، أو التجريبية هى من الأعمال الصعبة التى لا يلجأ إليها الكاتب إلا بعد أن يكون قد أنتج العديد من النصوص، ألا ترين أنك قد لجأت إلى المغامرة بالتجريب فى روايتك الأولى؟

– المغامرة أراها فى فكرة الزواج الذى تغامر به وتراهن فيه على حياتك الوحيدة المتاحة لك. هنا تكمن المصيبة لا فى رواية أولى لا بد ستعقبها أخريات. لماذا عليّ أن أقدّم ديباجة كلاسيكية حتى أصل إلى التجريب؟ أنا فى طبعى لا أحب المقدمات التى يؤسَس عليها متن النص الذى يشبهك. أؤمن بأن عليّ الانطلاق من النقطة التى انتهى عندها الآخرون دون التنكّر لهم، ودون العودة إلى نقطة الصفر.

  • ماذا تمثل الكتابة بالنسبة لك، أو ما مفهومها لديك؟

– ممارسة حب. حين ينقر عازف البيانو بأصابعه على مفاتيح آلته فى حفلٍ مهيب باذخ قد يندمج إلى درجة يغمض فيها عينيه، يطبق جفنيه، وينزاح عن اللحن الأصل، فى هذه اللحظات من «التنشيز» البديع يخلق العازف لحنًا غير قابل للاستعادة، هو خروج منقطع عن الزمن والموجودات، لحن وليد اللحظة بلغهُ فى لحظة ذروة. هذا الخروج هو الكتابة، هذا اللحن غير المدروس، هذه اللحظة الخارجة على الزمن، حيث يتوقف كل شيء وتبقى أنت حيًا، تمامًا كبلوغ الذروة حين تواقع الحب، هناك يكمن الأدب، هناك تكمن أنت، هناك يكمن الله.

يقول النحّات رودان «ثمة أيدٍ تصلّى وأيدٍ تلعن، وأيدٍ تنشر العطر وأيدٍ تبرّد الغليل.. وأيدٍ للحبّ»، ولا يمتلك كل هذه الأيدى معًا إلا شخص واحد: الفنان.

  • فى كتابتك قدر غير قليل من الغواية، سواء كانت على مستوى الفكرة، أو اللغة، أو المضمون، ربما نلحظ هذه الغواية فى المرأة ذات الفراء مثلا، هل تعتمدين الغواية لعبة للسرد؟

– حين رقصت سالومى أمام الملك الرومانى هيرودس رقصة الغلالات السبع تجردت فى كل استدارة لها من قطعة من ملابسها، حتى ألمّ الدوار بهيرودس وشغف قلبه بها فتأمر بأمرها حين مالت عليه متعمدةً إظهار مفاتنها وطلبت منه رأس القديس يوحنا المعمدان على طبق من فضة، فأتاها به، هكذا ببساطة. مارست سالومى غوايتها دون أن تتعرى تمامًا حتى أمسكت بناصية يوحنا واقتلعت رأسه ودمه ينزّ فى الطبق. بالغواية وحدها تحصل على رأس القارئ أيضًا وتحصده، بشكلٍ مجازى هذه المرة. الأدب فى حد ذاته غواية؛ غواية قد تجعل رقابنا نحن الكتّاب تحت مقصلة السلطة إن خالفناها، تحت طائلة القانون، الدين، كله باسم الفضيلة التى لا تتواءم مع الغواية ولا تتفق معها.

أنا شخصيًا عندى ولع بإخضاع غيرى لسطوتى من خلال النص، فكلنا فى النهاية كائنات حيوانية مهووسة بالسلطة دون إدراك ذلك، هى غريزة تقبع فى اللا-وعي، فلا يتم تحققنا وترسيخ أسمائنا إلا بفرض منطقة نفوذنا كى نحصل فى هذه الحياة على حيّز يخصنا. يتمكن الكاتب من القارئ حين يسيطر على دماغه ويفتنه بمادةٍ هو مفتون أصلاً بها. لذلك أنا لا أعتمد الأسلوب المباشر فى السرد وإنما الأسلوب الشيطانى فيه فألتف وأتلوى كسالومي، كأفعى؛ تلك التى تذكرنا بالغواية الأولى والخطيئة الأولى، لذلك لا ينسلخ نصى عن أنوثتي، نحن سيّان، والغرض فى نفس يعقوب واحد: رأسك.

  • يبدو نصك الروائى وكأنه نص معرفى موسوعي، هل كنت حريصة على كتابة نص يستعرض ثقافتك؟

– النص كالجسد، له مفاتنه، لكن الاستعراض فى كليهما ابتذال وتكلّف ورخص وافتعال. هل أحتاج أن أروح وأجيء أمامك كى أقنعك بأنى جميلة؟ لا أحتاج إلى ذلك، يكفى أن أجلس أمامك والساق تلتف حول الساق كى تطولك من فتنتى جانب، لن أرهق نفسى فى محاولة إقناعك بأنى كذلك. تكوينى ظاهر لا أخفيه ولكنى لن أجتهد فى سبيل تكوين فكرتك عني. هو كذلك الأمر بالنسبة لكمّ الثقافة البادى فى النص، هو جزء مما أنا عليه دون تكبد عناء الاستعراض الذى قد يدلّ على ثقة مزعزعة بالنفس، وأنا أفضل أن أُحدث الزعزعة عند الآخرين على أن أرتكبها بحق نفسي.

  • الأزمة الوجودية التى لاحظناها فى روايتك، تشكلت لك فى الواقع بشكل أكثر قسوة حينما رُفض دخولك لمصر أكثر من مرة رغم تلقيك العديد من الدعوات من اتحاد الكتاب المصريين، ووزارة الثقافة المصرية بدعوى «زعزعة الأمن القومي»، كيف رأيت هذه الأزمة؟

– تم منعى من دخول مصر، وبإصرار تحت عنوان «لدواعٍ أمنية – منعًا لزعزعة الأمن القومى المصري»، لأحد السببين: أنى فلسطينية حاملة للجنسية الإسرائيلية، والكوميديا السوداء هنا هى فى منعى كفلسطينية لأن اليهود لا يُمنعون، وهذه مصيبة لا تشى إلا بالعبث واللامنطق الذى وصلنا إليه فى العالم العربي. والثانى هو ما كتبته فى الرواية بأسلوب تهكمى فنى عن معاهدة كامب ديفيد، وهنا تُطرح مجددًا الإشكالية التاريخية بين الأدب والسلطة، والمصيبة فى هذا أعظم. فمن المفارقة أنى كتبت فى الرواية عن أزمة الفنان مع السلطة ومحاولة تكميم السلطة لصوت الفنان الذى ينزع بفطرته إلى الخروج من كل القوالب وتجاوز كل الحواجز والحدود التى تحاول السلطة من خلالها مأسسته وتأطيره. وفى هذا على السلطة أن تعى أن لا صلاحيات لها فى منطقة الجحيم.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 833 الثلاثاء 21 يونيو 2016