أسامة عبد الفتاح   أكثر ما يمكن أن يزعج المرء، فى دراما رمضان وفى غيرها، إعادة تقديم القصص والأفكار القديمة المألوفة للمشاهدين، مهما كانت زوايا الطرح مختلفة ومهما كانت المعالجة

جراند أوتيل

 أسامة عبد الفتاح

 

أكثر ما يمكن أن يزعج المرء، فى دراما رمضان وفى غيرها، إعادة تقديم القصص والأفكار القديمة المألوفة للمشاهدين، مهما كانت زوايا الطرح مختلفة ومهما كانت المعالجة جديدة.. شخصيا، لا أقتنع بكل الحجج والمبررات والطرق التى يتبعها صناع الأعمال الدرامية لتمرير إعادة طرح أى قصص أو أفكار نمطية، فنحن نريد موضوعات جديدة تختلف عما ألفناه وتربينا عليه من أساطير وحواديت، فهل هذا كثير؟

أقول ذلك وأنا أعرف تماما أن الفن – فى أحد تعريفاته – صب لنبيذ قديم فى كئوس جديدة، أى أن أفكار الدراما محدودة ويكون رهان صناعها دائما على معالجاتهم الخاصة والمختلفة لها.. لكن المشكلة أن صناع مسلسل «جراند أوتيل» – على سبيل المثال – اكتفوا من الجديد بالقشور والشكل فقط، وهو – للحق – شكل «شيك» وبراق، فى حين ظل لب الدراما نمطيا.

ولا علاقة بما أذهب إليه بأن العمل مأخوذ عن مسلسل إسبانى شهير بنفس الاسم، لأن ذلك معروف ومعلن، ويُعد أمرا مشروعا أيضا إذا كان منتجو المسلسل المصرى قد دفعوا حقوق الاستغلال لأصحابها، وما أقصده أن الأفكار والحلول الدرامية، المقدمة فى عملية «التمصير» التى قام بها السيناريست تامر حبيب، تقليدية ونمطية، وسبق طرحها فى أعمال مصرية وعالمية سابقة.

وكان «جراند أوتيل» الإسبانى قد بدأ عرضه يوم 11 أكتوبر 2011 فى بلاده، وهو من إخراج كارلوس سيديس وبطولة يون جونزاليس وأمايا سلامانكا.. وبدلا من مدينة جنوبية مثل أسوان، تدور أحداثه فى مدينة «سانتاندر» الإسبانية الساحلية الشمالية، وتحديدا فى قصر «مجدالينا» الشهير الذى تم تحويله إلى فندق يشهد العديد من الأحداث والصراعات بين ملاكه والعاملين فيه فى بدايات القرن العشرين، تحت حكم الملك ألفونسو الثامن.

وفى حين تلتزم النسخة المصرية بالتواجد فى النصف الأول من القرن الماضي، فإنها لا تشهد تحديدا دقيقا للفترة الزمنية، ولا للحاكم، مما يعنى أنها لا تحمل أى أبعاد أو إسقاطات سياسية، كما أنها لا تستعرض ولا تتقاطع مع المجتمع الأسوانى الذى تدور فيه، أى لا تشغل بالها بالتشريح الاجتماعى أيضا، وتكتفى بالمسحة البوليسية لأحداثها والشكل الرومانسى لبعض علاقاتها العاطفية.

والغريب – بل المدهش – أن «تترات» العمل ليس فيها أى إشارة للأصل الإسباني، وتكتفى بأن «الرؤية» والسيناريو والحوار لحبيب، ولا أعرف «رؤية» لأى شيء؟ ولماذا لم يُذكر بوضوح أصحاب القصة الحقيقيون إذا كان التمصير معلنا وقانونيا؟

أما المسلسل نفسه، فيتمتع – كما أشرت – بشكل أنيق يعود إلى التنفيذ الجيد للمخرج محمد شاكر خضير والفنيين العاملين معه، والموسيقى الشجية المعبرة لأمين بوحافة، والأداء المتميز لمعظم الممثلين، خاصة أحمد داود ودينا الشربينى وأمينة خليل ومحمد ممدوح، والمفاجأة أنوشكا التى أدت أفضل وأهم أدوارها على الإطلاق كممثلة.. ولا شك أن أسلوب السرد المشوق الذى اتبعه حبيب له الفضل فى الحفاظ على انتباه واهتمام المشاهد فى معظم الحلقات.

لكن التشويق ليس كل شيء، ولا يمنع أن النبيذ القديم صُب كما هو فى الكئوس الجديدة ليسفر عن دراما تقليدية، وأفكار مكررة، وشخصيات نمطية طالما تابعها المشاهد المصرى فى أعمال سابقة وتوقع تصرفاتها وردود أفعالها، فضلا عن حبكات رئيسية وفرعية مألوفة للغاية لنفس المشاهد، ومنها استخدام حمل سفاح نتج عن علاقة غير شرعية لتوفير جنين لابنة ذوات عاقر، وهذه كانت من الأفكار الرئيسية لمسلسل «الضوء الشارد» (1998) على سبيل المثال، وكذلك «تيمة» الابن غير الشرعى الذى يعمل خادما فى مِلكه ولا يعرف أنه من حقه، والتى قُدمت فى عشرات الأعمال.

ويُضاف ذلك إلى العديد من العلاقات والمواقف والحبكات التى تتشابه مع أعمال أخرى قديمة، بدءا من المسلسل البريطانى الشهير «أعلى السلم.. أسفل السلم» (1971)، وحتى المسلسل الحديث «سرايا عابدين» (2014)، وكل الأعمال القائمة على التناقض والصراع بين طبقة الملاك الأرستقراطيين، والأغنياء بشكل عام، وطبقة العمال أو الخدم.

وهناك عيوب أخرى أفسدت بعض الشيء الشكل «الشيك»، ومنها إنطاق بعض الشخصيات بحوار لا يتناسب على الإطلاق مع طبيعتها، مثل خادمة الغرف «ضحى» التى كانت تتحدث كفيلسوفة، ومنها أيضا ضعف الممثل الذى قام بدور المحقق، والذى لا أعرف اسمه للأسف، وساهم فى إبراز ضعفه وجوده وسط كوكبة من الممثلين المتميزين والمتألقين.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 833 الثلاثاء 21 يونيو 2016