د.عمرو عبد العزيز منير   ترسم القاهرة ألوانها بفرشاتها الساحرة، تسكب الألوان البديعة، تنقش التفاصيل، تصور الأحداث وتخط الذكريات فتجسد لوحة ناطقة بتراث مصر الغنى المفعم بالحياة، يطل علينا فانوس

فانوس القاهرة

د.عمرو عبد العزيز منير

 

ترسم القاهرة ألوانها بفرشاتها الساحرة، تسكب الألوان البديعة، تنقش التفاصيل، تصور الأحداث وتخط الذكريات فتجسد لوحة ناطقة بتراث مصر الغنى المفعم بالحياة، يطل علينا فانوس شهر رمضان من بين ثنايا القاهرة بعدد من الألوان الجذابة المبهجة التى ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بأحيائها الشعبية ولياليها الرمضانية الفريدة فنتوغل فى قلب التاريخ ليروى لنا الأحداث الفريدة التى شهدها فانوس رمضان فى قلب الأحياء القاهرية المتوهجة التى تلونت بشتى الألوان فتسحر العقول وتبهر العيون. تحكى لنا حكايات جذور الفانوس وطقوسه التى يروى البعض أن تقليد حمله ينتشر منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا لدى كثير من الشعوب, ففى الصين يقام عيد الفوانيس فى اليوم الخامس عشر من الشهر الأول فى السنة، وهو عيد تقليدى مهم فى الصين، وهذا اليوم هو ليلة البدر الأول فى السنة، ويقام عرض للفوانيس أمام قصر الإمبراطور حيث تعرض الفنون الموسيقية فنونها، ويعلو عزف الموسيقى وبعض الفوانيس يضاء بالشموع والبعض الآخر تحرق فيه البخور .

ويرجع التقليد الحالى لفوانيس رمضان القاهرية إلى عهد السلاطين، وتصميمات الفانوس كانت نسخة من القناديل Qanadil والمشكاة “المصابيح” التى تعلق بالمساجد، وذلك ما قاله المقريزى المؤرخ فى كتاب “المواعظ” وأيضًا فى كتاب الأطهر Athar يشير إلى أنه تقليد قديم وطبقًا لأقواله هو كان عيدًا قبطيا مسيحيًا يحتفل به فى الكريسماس “هو ترجمة قبطية للكتاب المقدس Coptic Version” حيث يحتفل به ويلجئون للاستعراض فى موكب بالشموع حتى جاءت أزمنة عصيبة وقعت على مصر، ولم يعد الناس قادرين على شراء الشموع الغالية وهكذا اندثر هذا التقليد تقريبًا .

ولكن ذكرى احتفالات الفوانيس لم تمت تمامًا بل اكتشفت ثوبًا جديدًا وصنعت فوانيس متساوية فى جمالها مع الشموع الأساسية، وعندئذ فإن التقليد أعيد ولادته من جديد، وإن كانت جذور احتفالات الأضواء ترجع إلى العصور المصرية القديمة حيث يحتفل بظهور النجوم بعد غروب الشمس، والمناسبة التى كانت تقام فيها احتفالات عيد الأنوار Festival of lights هى Shu ayer» Torches وتستمر الاحتفالات لمدة خمسة أيام يعلن كل يوم عودة ميلاد أوزوريس وابنه حورس وأخته وزوجته إيزيس وعدوه اللدود والأخ ست وزوجة ست “ نفتيس” هذا التقليد أو عيد الأنوار بدأ بالمشاعل فى مصر القديمة واستمر مع الشموع لدى الأقباط وانتهى أخيرًا بفوانيس رمضان .

ومصطلح فانوس Fanos مشتق من Phanos الكلمة اليونانية القديمة التى تعنى الشمع المصنوع من شمع العسل bess wax أما كلمة وحوى يا وحوى Wahawi , yawahawi-iyyahah فهى فى التفسير العربى تعنى “ضوء النار“ Light of Fire وكلمة Al-wahiyy تعنى بالعربية “النــار” «لسان العرب ص 893» وفى القرآن سمى الضوء نورًا فقد ذكر فيه قوله تعالى :”اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” سورة النور آية 35. ورجحت بعض الآراء أن كلمة فانوس ترجع لأصل فارسى وحرفيا تنطق «فينسي» «الجمع فوانيس» ويعنى مشعلا يجمل فى الليل، والفعل الدارج «فنس يفنس»، مقصود به فحص الشىء وتحرى الرؤية على ضوء خافت منبعث من فانوس كما عرفته الموسوعة العربية الميسرة بقولها: الفانوس هو جهاز لوقاية مصدر الضوء من الريح أو المطر »، ويذكر أن الرومان استخدموا الفوانيس التى تصنع جوانبها من القرون الرقيقة لحماية المشاعل التى ظلت تستخدم حتى العصور الوسطى إلى جانب الشموع وفى عصر النهضة استخدمت فوانيس من المعدن المثقوب ثم استخدمت بدلا منها الزجاج واستخدمت الفوانيس المصنوعة من الورق أو المنسوجات الرقيقة فى الشرق وكثيرًا ما تكون قابلة للتطبيق، وفى الشرق العربى استخدمت فوانيس من النحاس المشغول وفى مصر ارتبط انتشار الفانوس مع دخول الخليفة الفاطمى المعز لدين الله إلى القاهرة ليلا ناحية الجيزة فاستقبله أهلها رجالا ونساء وغلمانًا بالفوانيس والمشاعل فرحين مهللين بقدوم الخليفة حتى أوصلوه إلى قصره، وقد بهرت هذه الاحتفالية الفاطميين فحاولوا استغلالها وتدعيمها تقربًا للشعب المصرى فأخذوا يوزعون الحلوى والنقود كل عام فى رمضان على الأطفال الذين يحملون الفوانيس الملونة الجميلة، ومن هنا ارتبط فانوس رمضان بالأطفال وتحولت الفوانيس من مجرد وسيلة للإضاءة إلى لعبة احتفالية خاصة بالأطفال فى شهر رمضان، وتأصلت هذه العادة، وظل الأطفال يجوبون الشوارع حاملين فوانيسهم فى أيديهم وينتظرون من المارة نفحة صغيرة كما ذكر المستشرق ادوارد لين.

وفى الدراسة الرصينة التى أعدتها أستاذة علم الاجتماع القبطية “أليس إسكندر بشاى جرجس” بعنوان “العادات والممارسات فى شهر رمضان دراسة إثنوجرافية” ترصد بعيون مصرية أصيلة وبمنهج علمى متماسك ورصين تطبيقًا على قرى ومدن مصر المحروسة أن هذا التقليد وهذه الممارسة ما زالا باقيين، إذ يتلهف الأطفال بالقرية والمدينة على شراء الفوانيس ويصحب بعضهم بعضًا، يمرون على المنازل والحوانيت يحملون فوانيسهم ذات الألوان الزاهية والتى يضاء بعضها بالبطارية أو بالشمع وإن كانت الأخيرة قليلة جدًا، وتتدلى الفوانيس أمام الحوانيت ويتغنى الأطفال بأقوال رمضان الشهيرة مثل قولهم “ إدينا العادة، لبة وسعادة، ورحت يا شعبان وجيت يا رمضان، حالو يا حالو، رمضان كريم يا حالو“  أو يقولون لربة المنزل:”يا بركة رمضان خليك بالدار” وسينتظرون منحهم هبة قد تكون مبلغا بسيطًا من المال أو بعض الفول السودانى والمكسرات، وقد اسفرت الدراسة الميدانية عن أنه لا يوجد بين الأطفال أو الشباب أو حتى الكبار من يفسر معناها . وهذا يعنى أن التقليد ما زال مستمرًا والممارسة قائمة على الرغم من أن أصلها وجذورها بل معناها غير معروفة للعامة . وإن كان الاحتفاظ بالشكل باقيًا وإن اختلفت أشكاله وصوره عبر العصور والأزمة المتعاقبة، وأيضًا لهــا وظائفها إنها تعبر عن الفرح والبهجة والسرور فلها وظيفة ترفيهية . وتحكى الرواية الشعبية : إن المسحراتى هو صاحب فكرة فانوس رمضان فمن فانوسه انتقلت هذه العادة إلى الصغار وأصبح لهم فوانيس صغيرة مزركشا متعددا الألوان وقد أوقدوا الشموع بداخلها يرافقون بها المسحراتى فى جولاته ويلهون بها عقب الإفطار ويطوفون على البيوت محيين أصحابها . لترتبط فوانيس رمضان بالأطفال حتى تأصلت فيهم هذه العادة وبمرور الزمن أصبحنا نرى الأطفال فى رمضان يغنون أهازيج رمضان وهم مبتهجون بالفوانيس التى اشتروها خصيصا لهذا الشهر المبارك ولكن الشواهد التاريخية تشير إلى ان فكرة الفانوس تعود إلى ركام الأسطورة فى مصر القديمة فى عهد إيزيس حيث كان عيد الوقود الذى يحتفل به كل المصريين بإضاءة الفوانيس ووضعها داخل منازلهم وخارجها ويتمنون الأمانى التى يتطلعون لتحقيقها واستمرت تلك العادة خلال العصر القبطى فى إضاءة الشموع بالكنائس وفى النذور بالنسبة للمسيحيين والمسلمين على السواء وفى طقس الزار وطقوس الصلوات والوفاة بالنسبة للمسيحيين حتى الآن ليأتى رمضان فى ظل الحضارة الإسلامية محملا بإرث طويل من الروحانيات لتبدأ المحال التجارية فتح أبوابها من صلاة التراويح حتى ساعات متأخرة من الليل وتخرج النساء والأطفال مطمئنين حتى ساعات متأخرة من الليل تصاحبهم الفوانيس لتنير لهم الطرقات المظلمة فى طريق الذهاب والعودة بصورة يومية ومتكررة أثناء الشهر الكريم فربط فى الأذهان الفانوس بشهر رمضان حيث يحلو السهر . لينتقل الفانوس وشموعه من مجرد وحدة للإضاءة إلى لعبة يلهو بها الأطفال فى شهر رمضان كما أصبح الفانوس هو السمة الرئيسية للتعبير عن شهر رمضان كما أصبح للفوانيس سوق رائجة وتبدأ قبل شهر رمضان بعدة شهور حتى وصل الحال فى عصرنا الحاضر إلى العمل فى تصنيع فانوس رمضان تقريبا طوال العام للإقبال الكبير عليه فبدأت تتمركز صناعة الفوانيس فى مناطق عديدة فى القاهرة الفاطمية أو خارج أسوارها وأشهر هذه المناطق هى بركة الفيل بالسيدة زينب وشارع تحت الربع بالدرب الأحمر بجوار بوابة المتولى, وميدان باب الشعرية، بجوار بوابتى النصر والفتوح وانتشرت حتى شملت معظم محافظات مصر وازدهرت، كما ازدهرت حرفة تصنيع الشموع مع ازدهار حرفة الفوانيس وتطورها وانتشارها وأصبح صناع الفوانيس يقومون بالتصدير للعديد من البلدان الأجنبية رغم غزو الفانوس الصينى وانتشاره . ومعه ظهرت عبارة شهيرة : ”الفانوس أبو شمعة طفى الفانوس الصينى أبو لمعة  “ لأنه بدأ الطلب والإقبال يعودان على الفانوس الصفيح الصغير الخاص بالأطفال لرخص ثمنه أمام الفانوس الصينى غالى الثمن، وبدأت تنتشر هذه العبارة بين صناع الفوانيس خاصة أنهم يرددون مهما كان للفانوس الصينى من عوامل جذب وإبهار من غناء ورقص وحركة وألوان إلا أنه كاذب مثل أبو لمعة وليس له صلة حقيقية برمضان . واستطاع فانوس رمضان الصمود عبر الأزمان بعد أن امتص رحيق الحضارات والحكايات الشعبية ليصل لنا ويستمر فى شكله الحالى على يد صناع مهرة استطاعوا أن يمنحوه الحياة فمنحهم المجد.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 833 الثلاثاء 21 يونيو 2016