إبراهيم عادل   لا تزال كتابة «الخيال العلمي» فى الرواية العربية بشكل احترافى تسير ببطء، وذلك رغم ما تمتلئ به المكاتب والمطابع من روايات أجنبية قطعت أشواطًا بعيدة واحترافية فى

uuyyy

574632_ibrahimadelz_main_new

إبراهيم عادل

 

لا تزال كتابة «الخيال العلمي» فى الرواية العربية بشكل احترافى تسير ببطء، وذلك رغم ما تمتلئ به المكاتب والمطابع من روايات أجنبية قطعت أشواطًا بعيدة واحترافية فى عالم «الخيال» بأبعاده المختلفة، ورغم ما تزخر به الأرصفة وقوائم «البيست سيللر» من كتابات ومحاولات شبابية عديدة تحمل اسم «الروايات» وتحذو حذو عوالم الروايات الأجنبية ولكنها لا تمتلك ناصية الأدب ولا تحوى أى احتراف!

بين هذا وذاك تظهر على السطح بعض التجارب الواعدة، التى استطاع أصحابها أن يجمعوا بين احترافية كتابة الأدب و«الرواية» بمعاييرها الفنية الدقيقة وبين عالم «الخيال» العلمى وما يحويه من ثراء وجاذبية، ربما نحاول أن نشير إلى بعض هؤلاء ونلقى الضوء على عددٍ من تجاربهم التى أعتبرها مختلفة عن السائد وتحتاج للمزيد من لفت الأنظار.

من هذه التجارب ما يكتبه «شريف ثابت» فى رواياتٍ متتالية بعنوان «عالم أفضل» ظهر منها الجزء الأول بعنوان «الميلاد» والثانى بعنوان «القيامة» وينتظر القرّاء جزءًا ثالثًا لها، بدأ «شريف» روايته (عالم أفضل ..الميلاد) الصادرة عن دار كيان 2014 بفكرة تفترض وجود «السيال الحيوي» يتم استخراجه من الأجساد المحتضرة عن طريق التعذيب أوردها «أحمد خالد توفيق» فى بعض رواياته، وبنى «شريف ثابت» على تلك الفكرة عالم روايته بشكل موسّع ومفصّل، مدخلاً عليها إضافات وتعديلات لينتقل بنا إلى صورة متخيلة لعالم المستقبل الذى بدا معه لا يختلف إلا فى استخدام التكنولوجيا ووسائل «السيطرة» على الناس وإن بقى الظلم والفساد مستشربًا!

 

شريف ثابت

شريف ثابت

tt111

 

 

فى روايته الثانية «عالم أفضل .. القيامة» الصادرة فى معرض الكتاب الماضى 2016 يقدِّم «شريف ثابت» تتابعًا واستكمالاً لرسم صورة ذلك العالم، وذلك من خلال الشخصيات التى تعرفنا على بعضهم فى الرواية الأولى وغيرهم، ويعتمد السرد عند «شريف ثابت» على تقنية «التقطيع السينمائي» إذ تُبنى الرواية على مشاهد منفصلة متصلة تحتوى على حدثٍ رئيسى يجذب انتباه القارئ ويجعله متشوقًا لمعرفة بقيّة التفاصيل..

يعرض لنا الكاتب العالم فى ذلك المستقبل بطبقاته المختلفة، وذلك حتى يعكس لنا صورة بانورامية متكاملة له لن تبدو بالتأكيد «أفضل» إلا من خلال السخرية التى يزخر بها النص أيضًا، فى هذا العالم – كما فى غيره -أصحاب نفوذ وسلطة، يسيطرون الآن على أهم منتجات الطاقة الإنسانية وهو «السيال الحيوي» الذى يتم تصنيعه فى شركة كبرى هى «egy nergy» ويوجد فى المقابل مستفيدين ومنتفعين من سيطرة تلك الشركة على البسطاء والضعفاء، فى حين يوجد على الطرف الآخر بعض العقلاء الذين تنبهوا مبكرًا لخطورة ما يحدث على الناس، وأن ذلك كله سيحيل العالم تدريجيًا إلى غابةٍ يأكل القوى فيها الضعيف كما كانت فى الحضارات البائدة!

تجدر الإشارة إلى أن «التكنولوجيا» ووسائل «الرفاهية» فى ذلك العالم قد بلغت حدها الأعلى، إذ يفترض الكاتب وجود ما أسماه «بالمنازل الذكية» التى تتم إدارتها بالكامل والتحكم فيها من خلال حواسيب فائقة الذكاء وشاشات «هليوجرامية» توصّل الصوت والصورة ليس بين الأحياء فى أماكن بعيدة فحسب، لكن ربما تفعل ذلك مع الأموات أيضًا!! بل وتتم قيادة السيارات فيه من خلال سائق آلى يسمع طلبات صاحب السيارة وينفذها على الفور ويمنحه أثناء القيادة ما يريده من استرخاء ورفاهية، ولاشك أن عالمًا هذه مواصفاته تكون فيه كل الطلبات متحققة وكل الرغبات مُجابة من خلال ضغطة زر حتى أن ممارسة الجنس مع شريك لم تعد أمرًا ملزمًا، إذ أصبح هناك جهاز خاص «اسمه فايبر تيور» مهمته توفير هذه المتعة الجنسية لا يمانع الزوج من وجوده فى البيت أثناء غيابه!!

لا تزال الاحتياجات «الإنسانية» هى المحرك الرئيس للكثير من المواقف والأحداث، بل لعلها أحد الأسباب الرئيسية إلى استكشاف المزيد من الوسائل والطرق لتلبية كل الرغبات، وفى المقابل فإن صنّاع تلك الوسائل والأفكار والبرامج التى يبدو أنها تعتمد كلها على «الكمبيوتر» بشكلٍ موسّع إلى حدٍ هائل يمكنها أيضًا أن تتحكّم فى الأفراد وتسيطر عليهم حتى تصل منهم إلى ما تريد!

والجميل أن «شريف ثابت» يسعى فى الرواية باستمرار لإبراز الجوانب «الإنسانية» التى تظهر أيضًا رغم سيطرة عالم الآلة والكمبيوتر الذكي، يظهر ذلك جليًا فى عدد من المشاهد فى الحوار بين أبطال الرواية لاسيما الذين لا تبدو وسائل التكنولوجيا الحديثة تلك قادرة على إشِباع رغباتهم وتلبية احتياجاتهم! مشاهد مثل علاقة العالم بابنته التى تجعله يعرض نفسه للخطر فى شركة الطاقة التى يعمل بها من أجل إنقاذها، مشاهد مثل علاقة الزوج بزوجته، والعلاقات بين الأصدقاء حتى فى ذلك العالم المليء بالآلات والمعدات الذكية، العلاقات بين الأصدقاء وغيرها الكثير، كما يحرص الكاتب أيضًا على التفرقة بين رسم صورة ذلك العالم فى «مصر» بتفاصيل ومشاهدات تبدو واقعية، عنه فى الخارج فى أمريكا مثلاً حيث التفاصيل مختلفة، هذا بالإضافة إلى استخدامه للغة الحوار بالعامية فى الأولى وبالفصحى فى الحالة الثانية.

12742578_1235213216506150_6478545845979686795_n

هكذا يبدو عالم الرفاهية عالم «المستقبل» بمواصفاتٍ عديدة تجعله أقرب ما يكون إلى «جنّة» على الأرض، لكن «الإنسان» واستخدامه المفرط للتكنولوجيا ورغبات أصحاب رءوس الأموال وأطماعهم الزائدة تحيل كل هذا إلى جحيم!! ويحرص «شريف ثابت» من خلال مشاهد قصيرة ولكنها دالة جدًا ومعبّرة على رصد ملامح هذا الجحيم بصورٍ مختلفة، سواء لدى الطبقات الأقل فقرًا حيث تنتشر عصابات البلطجة الذين عرفوا كيف يستغلون هذه التكنولوجيا ويتغلبون عليها لصالحهم، أو حتى لدى الطبقات الأكثر ثراءً حيث لا تزال النفوس قلقة فتنتشر بينهم معدلات الأمراض النفسية والعصبية رغم كل ما فى عالمهم من راحة ورفاهية!!

فى الجزء الثانى من الرواية نفاجأ بتزايد عمليات القتل والجرائم التى يروح ضحيتها «الملايين» فى أنحاء العالم، وتبدو الشركة المسيطرة على الطاقة التى غدت هى عصب حياة الناس وقد أفلت منها زمام الأمر، ويسعون بشتى الوسائل لتدارك ذلك الانفلات والخراب الذى بدأ يلحق بالعالم كله بدون مبرر! بين هذا وذاك يظهر عدد من الشخصيات العاملة داخل تلك المؤسسات الكبرى والذى يبدو أن الخلاص معلقٌ برقابهم، ذلك أنهم يمتلكون وعيًا مغايرًا ورغبة حقيقية فى إنقاذ العالم مما يذهب إليه من مصير أسود!

هكذا تمثل هذه الرواية «بجزأيها ونحن فى انتظار الجزء الثالث» محاولة جادة من «شريف ثابت» لخوض غمار «الخيال العلمي» واستشراف عالم المستقبل بأفكارٍ ومواقف وأحداث متخيّلة تقوم على معطيات مستمدة من الواقع بشكل كبير، كما تنتمى إلى الواقع «المصري» بشكلٍ أكبر، بطريقة ربما تذكِّر القارئ بعدد من الأفلام الأمريكية التى تتحدث طوال الوقت عن السيطرة على العالم ورؤيتهم الخاصة للمستقبل وما فيه من تطورات فى العلم وتدهور فى علاقة الإنسان بالحياة على هذا الكوكب!

ويبقى أن نشير فى النهاية إلا أن الرواية لا ينقصها إلا مراجعة لغوية أكثر دقة، ذلك لوجود عدد من الأخطاء، بالإضافة إلى أنه يؤخذ على الكاتب إغراق بعض المقاطع بالمصطلحات والألفاظ «الإنجليزية» سواء فى الحوار بين الشخصيات أو فى رسائل يفترض أنها تكون «مترجمة» بالكامل بطريقة بدت مبالغًا فيها، كما جاءت بعض الأحداث والمواقف مفاجئة للقارئ حيث قد تتوه منه بعض التفاصيل أو لا يتمكن بسهولة من ربط أجزاء الرواية ببعضها، إذ أرى ضرورة أن يتم الاقتصار على مشاهد ليست بعيدة عن بعضها لاسيما أن الرواية تعتمد على الفصول القصيرة!

ولكننا فى النهاية أمام تجربةٍ واعدة وعملٍ روائى طموح أعتقد أنه يستحق القراءة وننتظر منه ومن أمثاله الكثير.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 833 الثلاثاء 21 يونيو 2016

uuyyy