على ما قُسم فوانيس (2) محمد عبد النبي   وَسط مهرجان مسلسلات رمضان، المكتظ بكل أنواع السخافات والاستسهال وإعادة تدوير البضاعة المستعملة، ينهض مسلسل أفراح القبة جميلًا ومنفردًا ومختلفًا، ربما

فوانيس (2)

على ما قُسم

فوانيس (2)

محمد عبد النبي

 

وَسط مهرجان مسلسلات رمضان، المكتظ بكل أنواع السخافات والاستسهال وإعادة تدوير البضاعة المستعملة، ينهض مسلسل أفراح القبة جميلًا ومنفردًا ومختلفًا، ربما بسبب مخرجه الحسّاس والمتميز محمد ياسين، صاحب العمل الدرامي الأجمل خلال السنوات القليلة الماضية، موجة حارّة، وربما لاعتماده على قماشة درامية محفوظية وربما للاختيار الدقيق لكل الممثلين، باستثناءات محدودة للغاية. مهما كانت الأسباب، فالعمل يحترم عين المشاهد ووعيه وعقله، ويقدّم صورة راقية، ويخلص لطبيعة الفترة الزمنية التي يتناولها، حتّى لو لم نعرف على وجه التحديد، من خلال التتر على الأقل، مَن كاتب السيناريو. فهل كتبه، كما نُشر، محمد أمين راضي ثم اعتذر قبل استكماله وتولّت نشوى زايد مهمة إتمامه؟ أرجو ألّا ينعكس هذا الارتباك في التناغم النهائي للعمل في الحلقات التالية، ويزداد إحساس التأرجح الذي انتابنا أحيانًا. ابتعد المسلسل في بعض خطوطه عن الأصل الأدبي كثيرًا، لكنه أحسن استغلال أجواء عالم المسرح المعروضة في الرواية، على المستوى البصري خصوصًا، كما عكسَ بأناقة هذا التداخل بين الخيال والواقع، والتناقضات بين صورنا عند أنفسنا وعند الآخرين، كما وضع يده على التيمة الأساسية في الرواية، وهي، في ظني، ألاعيب الكذب والنفاق، إذ تنقسم شخصيات الرواية وفقًا لموقفهم من هذا الرياء العام، بكل أشكاله السياسية والأخلاقية. أفراح القبة عمل يستحق المتابعة وسط بحر دراما يموجُ بالعنف والتشنج أو الاستظراف، ولعلّه يلفت نظر صنّاع الدراما إلى الكنوز المخبوءة في بطون الروايات المصرية، سواء عند المعلم الكبير محفوظ أو سواه من كبار كتّابنا.

***

يوم الأربعاء الماضي عقدَ المجلس الأعلى للثقافة حفل ختام برنامج ورش جسور، في دورته الأولى، وهو مجموعة من الورش التعليمية لبعض الفنون مثل الدراما والقصة القصيرة والكتابة النسوية والنقد الأدبي. وشرفتُ بالإشراف على ورشة القصة القصيرة، وأرى في هذا التوجّه الجديد بادرة إيجابية للغاية، مختلفة عمّا اعتدناه من أنشطة المجلس المقتصرة على الندوات والمؤتمرات والتكريمات، ما يعكسُ اتجاهًا نحو تقديم خدمة حقيقية وملموسة لجمهور يحتاج إليها. وأتمنى أن تتواصل هذه التجربة، إلى أن تتحوّل إلى مدرسة فنون صغيرة، غير رسمية، وأن يتم تطوير أسلوب العمل فيها ومنحها مزيدًا من الاهتمام والتركيز. ربما تحتاج موضوعات الورش أن تكون أكثر تحديدًا فيما بعد، فبدلًا من عمل ورشة للقصة القصيرة، خلال فترة زمنية لا تتجاوز ثلاثين ساعة فقط، يمكن أن تكون الورشة بكاملها عن رسم وبناء الشخصية فقط، بحيث نضمن استفادة المتدربين ولو في نقطة واحدة فقط بدلًا من المرور السريع على كل المبادئ والأساسيات. كما أتمنى أن تخرج ورش جسور من جدران المجلس الأعلى للثقافة ومن العاصمة تحديدًا، حتى تصل إلى جمهور أوسع من المستهدفين، في الجامعات والمراكز وقصور الثقافة ومراكز الشباب في المحافظات. كما لا يُشترط أن يقدّم مدرب واحد الكورس كاملًا، إذ يمكن الاستعانة بمحاضر أو مدرب واحد ليدرّس نقطة صغيرة في محاضرة أو اثنتين، في مجال تخصصه أو تميّزه، بحيث يقدّم الكورس الواحد أكثر من مدرب ومحاضر، بعد اتفاقهم معًا على شكل ومحتوى الكورس. على كلٍ هذا فانوس آخر نرجو أن يظل مضيئًا وألّا يختفي في غمرة الاتكاء على الأساليب القديمة المعروفة والمرضية لسَدَنة معابد الماضي.

***

صحيح أن الجوائز الأدبية قد صارت، والحمد لله، أكثر من أن تُحصى، سواءً في مصر أو العالم العربي عمومًا، لكن جائزة أخبار الأدب لها مذاق مختلف، ربما لأنها تستهدف البحث عن كتاب شباب وجدد ومغامرين حقًا، على عكس أغلب جوائز الدولة التي ترتاح إلى اللعب في المضمون، إن لم يكن اللعب بأسلوب العلاقات والتربيطات. على الأقل جائزة أخبار الأدب هي الوحيدة في مصر، على حد علمي، التي تعترف بقصيدة النثر وتحتفي بها. مبروك لكل الفائزين في هذه الدورة، وأتمنى أن تتحرك دار أخبار اليوم لنشر أعمال الفائزين، فهي أولى بها من الغريب.

 

 

تقرأ أيضا هذا العدد

 

سيد هويدي يكتُب.. ثقافة الالتقاط بين مارينى وآدم حنين!!