«فوق مستوى الشبهات».. إدانة مجتمع «الكومباوند» ** انتقام ذكورى من «فيمينيزم» الدراما التليفزيونية.. عودة يسرا للتمثيل الحقيقي.. وتفوق ليلى عز العرب بقلم : أسامة عبد الفتاح   لأول مرة منذ

3366

«فوق مستوى الشبهات».. إدانة مجتمع «الكومباوند»

** انتقام ذكورى من «فيمينيزم» الدراما التليفزيونية.. عودة يسرا للتمثيل الحقيقي.. وتفوق ليلى عز العرب

بقلم : أسامة عبد الفتاح

 

لأول مرة منذ سنوات طويلة، يدخل مسلسل النجمة يسرا ضمن قائمة الأعمال الدرامية المفضلة للصفوة، ويتردد اسمه على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى فى اختيارات المثقفين مقابل المسلسلات «الشعبية» أو «الجماهيرية» التى تتم مشاهدتها على المقاهي، وذلك لأنها تراجعت أخيرا عن إصرارها على تقديم البطلة الخارقة أو المثالية، وقبلت أن تجسد «بطلة ضد»، وانحازت للموضوع وليس لصورتها على الشاشة وفى أذهان المشاهدين.

بعد شخصية كاريكاتيرية نمطية بحتة تدعو للضحك أكثر من أى شيء آخر فى «سرايا عابدين» بجزأيه، وبعد مسلسلين مع السيناريست تامر حبيب قدمت فيهما الشخصية السوبر النموذجية – بنسخة شعبوية فى «شربات لوز» وبرجوازية فى «نكدب لو قلنا ما بنحبش»، انفصلت يسرا عن حبيب، خاصة مع فشل المسلسل الأخير، وتحلت بشجاعة التعامل مع مؤلفين شبان فى مسلسلها الرمضانى المعروض حاليا «فوق مستوى الشبهات»، وإن احتفظت بمخرج مخضرم هو هانى خليفة.

والموضوع الذى انحازت إليه تلك النجمة لا يتوقف عند حدود المرض النفسى وتداعياته وآثاره كما تصور البعض، بل يتجاوز ذلك إلى التشريح الاجتماعى لعالم «الكومباوند» الذى طفا – بأهله وثقافته ومظاهره وقوانينه الخاصة – على سطح المجتمع المصرى فى السنوات الأخيرة، وبدا كأنه مجتمع مصغر مستقل داخل الكيان الأكبر.. ويدين العمل تلك المجمعات السكنية الحديثة، والمرفهة جدا، بوضوح شديد.

نحن إزاء منازل فخمة وغالية الثمن، تزخر بالحدائق وحمامات السباحة والأثاث الفاخر، ويسكنها قوم يرتدون الملابس الأنيقة ويركبون السيارات الفارهة، لكن ذلك كله يخفى شخصيات خربة ومخربة ومعذبة، ونفوسا مشوهة بما تعانيه من عقد وتطلعات وتمزقات.. وأبرز مثال بالطبع دكتورة التنمية البشرية المشهورة (تؤدى الدور يسرا) التى تظهر على شاشة التليفزيون لتنصح الناس وتملى عليهم ما يجب أن يفعلوه وما يُستحسن أن يبتعدوا عنه، وهى فى الحقيقة مريضة نفسية تعانى اضطهادها فى المدرسة فى مرحلة الطفولة ومما تتصور أنه محاباة من أمها لشقيقتها على حسابها، مما يحولها لطاقة شر مطلق ومدمر ومستطير.

وهناك الزوجة الشابة الجميلة «نجلاء بدر» التى تخون زوجها بلا أى سبب مقنع رغم إنجابها طفلا منه، والطبيب المشهور الذى يخون زوجته بطريقته بزواجه سرا بالممرضة العاملة معه، فيما تعترف هى لطبيبها النفسى بأنها لا تعترف به كرجل.. إلى آخر النماذج التى يقدمها المسلسل والتى لا تترك – تقريبا – شخصية واحدة سوية فى هذا الكومباوند، بدليل أن معظمهم من زبائن الطبيب النفسى الذى يفجر قتله فى الحلقة الأولى كل الأحداث التالية، مما يترك انطباعا لدى المشاهد بأن سكان تلك المجتمعات الجديدة من الخونة والأشرار والمرضى النفسيين!

وعلى جانب آخر، يبدو المسلسل – وهذه وجهة نظر خاصة جدا – انتقاما ذكوريا، من قبل مؤلفى العمل الثلاثة الرجال، من موجة «الفيمينيزم» التى سادت الدراما التليفزيوينة المصرية خلال السنوات القليلة الماضية بقيادة السيناريست مريم نعوم والمخرجين كاملة أبو ذكرى وتامر محسن وغيرهم، وأقصد الأعمال التى تدافع عن حقوق المرأة فى بيئة تصورها وتقدمها لنا على أنها مجتمع ذكورى يقمعها ويستغلها ويظلمها ولا يشعر بوجودها إلا عند الرغبة فى استغلالها.

وإذا كانت الأعمال «النسوية» لا تقدم رجلا واحدا سويا أو إيجابيا فى سياق الدراما، وكل الرجال فيها مشوهون وفاسدون وظالمون، فإننا لا نكاد نلمح امرأة واحدة سوية أو طبيعية فى «فوق مستوى الشبهات»، فكلهن إما شريرات أو خائنات أو مريضات نفسيات، وإن كانت هناك إدانة لـ«برود» بعض الرجال ولامبالاتهم، مما يسقطهم من أنظار زوجاتهم.

وإلى جانب الموضوع والتنفيذ الفنى الجيد، لابد من تهنئة فريق المسلسل، وعلى رأسه المخرج هانى خليفة، على إعادة يسرا للتمثيل الحقيقي، بعد سنوات من الغرق فى الشخصيات النمطية والأداء النمطى لدور المرأة الخارقة.. فهى تجسد هنا شخصية شديدة الصعوبة والتعقيد تحتاج جهدا كبيرا لتحقيق المعادلة الصعبة وتحويلها إلى جانية وضحية فى نفس الوقت، حيث تؤذى بالفعل من يحيطون بها لكنها تفعل ذلك كرد فعل على سابق تعرضها هى للإيذاء.

ويلفت النظر الأداء الجيد لمعظم من شاركوها البطولة، ومنهم سيد رجب وشيرين رضا ونجلاء بدر، إلا أن المفاجأة الحقيقية تمثلت فى مراد مكرم فى دور الزوج ضحية الخيانة الذى يقوم دوره كله على الانفعالات الداخلية والتعبير بالعينين وعضلات الوجه دون كلام، وكذلك الأداء المذهل لليلى عز العرب فى دور الأم المصابة بالزهايمر، ولو كنت أملك جائزة فى التمثيل التليفزيونى لمنحتها لها بلا تردد.