أفراح القبة.. إنجاز درامى رفيع المستوى د. وفاء كمالو   يأتى مسلسل أفراح القبة كإنجاز درامى مصرى رفيع المستوى، يعيد الوهج والحضور والريادة للدراما المصرية، فهو حالة فنية مختلفة تموج

3093058491465287361

أفراح القبة.. إنجاز درامى رفيع المستوى

د. وفاء كمالو

 

يأتى مسلسل أفراح القبة كإنجاز درامى مصرى رفيع المستوى، يعيد الوهج والحضور والريادة للدراما المصرية، فهو حالة فنية مختلفة تموج بالوعى والثورة وشراسة الجمال، تحمل بصمات محفوظ ورؤى المخرج محمد ياسين، والسيناريست أمين راضى.

فى حضرة نجيب محفوظ، كان الوجود الفنى فريدا، مدهشا مبهرا ومخيفا، مسكونا بالجدل المثير حول الواقع والإنسان، باحثا عن معنى العصيان، عن العدالة الهاربة ودوافع الإنسان، يدين السلطة والقهر، يحاكم الفقر الوحشى واندفاعات السقوط إلى الحضيض، يشتبك بحرارة مع الوجوه والأقنعة، مع البطل الوحيد لمسرحية الحياة، ومع المفارقة الوجودية الكبرى، حيث الحضور والغياب، الحياة والموت، والرجل الذى لا يزال ينتظر أمه، التى ماتت فى طفولته وأخبروه أنها ذهبت إلى الله.

كانت استعارة المسرح كصورة للمجتمع، هى تكثيف عالمى الدلالة لتيارات الحياة التى تناولها العبقرى العظيم نجيب محفوظ، من خلال نص روائى قصير شديد التباعد عن النمطية والتقليدية، ذابت فيه الحدود الفاصلة بين الواقع والفن، الحقيقة والوهم، الحب والسياسة، الجنس والاقتصاد، والسلطة والسقوط، فقد نزع المؤلف كل الأقنعة، ليسقط الزيف والعبث والأخلاق والقيم، ويصبح الإنسان عاريا يواجه سقوطه المخيف، ويتحدى آثام الخطيئة الأولى ليشعلها بنيران القسوة والمجون والعذاب، فكل شخصيات أفراح القبة تندفع نحو مسار محتوم، لتأتى الملامح كاشفة عن بناء درامى حداثى تغيب عنه الأطر والمرجعيات وسطوة المركز، ينمو ويتطور عبر حرارة التفاصيل الصغيرة، التى تكشف بذاءة انتهاك شرف الإنسان، وتزييف جوهر الإرادة والعقيدة، والحرية والإعلام.

رغم وقائع السقوط الصادمة لنماذج النساء فى المسلسل، إلا أن الفن الراقى الجميل لا يعرف أبدا شبهة الإسفاف والابتذال، حيث تأخذنا جماليات الطرح وسحر الكتابة وعمق الوعى إلى الزاوية الحرجة، ليتفجر الجدال العقلى بين رؤى الضحايا وقسوة الجلادين، تلك الحالة التى فتحت الأبواب المغلقة على الأمهات والعاهرات، على الساقطات والقوادات، على الفن والرقص، الدعارة والثقافة والفقر الذى يفتح نيران الجحيم، ويذكر أن الدراما المصرية لم تشهد من قبل تجسيدا بمثل هذا الإبداع والجمال، يتناول أبشع صور السقوط التى عايشناها مع أسرة بدرية – القوادة العاهرة، وبناتها «سنية» المومس الفاضلة، و«تحية» رمز الحب والحقيقة، و«علية» الصحفية الساقطة – ابنة الجوع والفقر والجنس والجسد، تلك الحالة التى تمتد إلى «سرحان الهلالى» – صاحب الفرقة المسرحية، المسكون بالسلطة والقوة والجموح والنساء، وكذلك طارق رمضان.. النموذج الخلاب الجميل بكل ما يحمله من فكر مضاد، وعذابات هاملتية وحب مجنون وجنس يشترى به الحياة، وتظل «حليمة» موظفة شباك التذاكر، وزوجها الملقن «كرم يونس»، وعلاقتهما الملتبسة بابنهما «عباس»، هى مفارقة مبهرة للعذاب والغياب، والاندفاع الوحشى إلى جدل السقوط، ومحاولات الصعود وامتلاك الذات.

تناول المخرج الفنان محمد ياسين هذا العمل الثري، فكان جديرا باسم نجيب محفوظ، جاءت بصماته مدهشة فى تفردها وإيقاعها وجمالياتها الصاخبة، التى تكشف عن دراسته الدقيقة وإدراكه العارم لأسرار وخبايا هذه التجربة، التى تعيد للدراما المصرية شعلة الوهج، وإذا كان أسلوب كتابة نجيب محفوظ لأفراح القبة، يعتبره هو مصدر الإيحاء للمخرج محمد ياسين بإبداع هذه المغامرة الجريئة الساخنة، فإن المخرج قد امتلك وثيقة فنية رفيعة المستوى تضعه فى مصاف الكبار، وتؤكد أنه فنان موهوب لامع يمتلك أدوات جديدة مغايرة، تصنع الإبهار والدهشة والوعى والجمال، ويكفى أن المتلقى لم يشعر أبدا بلحظة ملل أو تكرار، مما يؤكد حرارة الإيقاع وتصاعده المثير.

ويذكر أن السيناريست أمين راضي، صاحب الحس الرهيف والوعى المثير، كان شديد الإخلاص والأمانة لنص نجيب محفوظ، منذ بداية المسلسل وحتى منتصفه، ومن المعروف أن نشوى زايد سوف تستكمل سيناريو الحلقات المقبلة.

تجاوزت جماليات الصورة حدود الجمال المألوف، وكان الكادراج مسكونا بالتفاصيل الدالة، أما الميزنكادر، أو الحركة داخل المشهد، فقد جاءت جديدة لافتة دالة ومدهشة، ويذكر أن المزج والقطع والمونتاج والمكساج، قد بعثت تيارا من المفارقات الشرسة الساخنة، وظلت إيقاعات الماضى تشتبك برشاقة ونعومة مع أحداث الحاضر وأحلام المستقبل، وتحولت الفانتازيا إلى قراءة حية فى قلب الحب والجنس والسياسة والاقتصاد.. هكذا يتضح أن المخرج محمد ياسين هو فنان مدهش يمتلك الرؤى والوعى وحرارة الجمال.

تتأكد بلاغة المخرج فى اختياره لنجمات ونجوم المسلسل.. منى زكي، رانيا يوسف، صبا مبارك، دينا الشربيني، إياد نصار، جمال سليمان، صابرين، سلوى عثمان، سوسن بدر، صبرى فواز، سامى مغاوري، سيد رجب، أحمد السعدنى وغيرهم من الفنانين الذين بعثوا معا موجات من الأداء الهارمونى الجميل، وكان اللافت للنظر أن معظمهم قد لعب أجمل أدواره على الإطلاق، حيث الدراسة والدقة، الحس والمشاعر وجماليات الأداء وخصوصية البصمات.

رغم أن المسلسل ينتمى تاريخيا إلى زمن الستينات، إلا أنه يأتى كابن شرعى لزمننا الحالي، فنحن أمام نجيب محفوظ، الأديب العالمي، الذى تمتلك كتاباته وجودا حيا وتفاعلا فوارا، وإذا كان المخرج محمد ياسين قد قرر أن يتوقف أمام أصداء موت الزعيم عبد الناصر، فإن الصياغة الجمالية قد جاءت فاترة مُسطحة تحمل الكثير من الجروتسك، ولم تكن على مستوى الحدث، الذى لم يكتبه نجيب محفوظ، وفى هذا السياق فإننا نعيش الآن واقعا ضاغطا مشحونا بالعذابات، فكل ما حولنا يثير التساؤلات، بعد أن أصبح العنف هو قانون الحياة والدم لونها والموت فلسفتها، فقد تمزقت الأقنعة الوردية، وأصبحنا فى مواجهة قاسية مع وجود جروتسكى الملامح، ضبابى اللون، غائم الظلال، وشهدت أعماق الشر اشتعالا ساخنا لجمرات الوعى وعذابات القهر، وثورة المشاعر وجنون الرغبة فى امتلاك الوجود، لذلك يمتلك مسلسل أفراح القبة قوة عارمة فى الاشتباك والحوار مع وجودنا الحالي، الذى تتجه مؤشراته نحو إعلان موت الإنسان وادعاء الخرس أمام تراجيديا المآسى والانتهاكات، فهو مواجهة صادمة تحمل فى أعماقها إدانة مخيفة لعذابات وجود مستحيل.

أخيرا.. إذا كان سارتر وكامى وبيكيت، قد تجاوزوا مفاهيم الأطر المغلقة والحقائق الثابتة، ودفعتهم ثورة الجدل بين الموت والحياة، والوجود والعدم والإنسان إلى إبداع تراث إنسانى شديد الثراء، يشكل وعيا لامعا فى تاريخ الفن العالمي، فإن نجيب محفوظ قد اقتنص لحظات وجودية نادرة، حولها إلى إبداع عظيم يثرى الأعماق، تلك الحالة التى تميز أعماله بشكل عام.

يظل مسلسل أفراح القبة قابلا للعديد من القراءات والرؤى والمشاهدات، فهو من الأعمال المثيرة المشاغبة، التى تمتلك وهجا سحريا غامضا، بعثه العظيم نجيب محفوظ، والمخرج محمد ياسين مع موسيقى هشام نزيه وكاميرا أحمد المرسى.