وجدتها سلطنة الشعشاعى شريف صالح   يقال إن القرآن نزل فى مكة وقُرئ فى مصر.. وفى العصر الذى كان ثمة أسماء مثل الشيخ سلامة حجازى ومحمد عثمان وعبده الحامولى

سلطنة الشعشاعى

 

وجدتها

سلطنة الشعشاعى

شريف صالح

 

يقال إن القرآن نزل فى مكة وقُرئ فى مصر.. وفى العصر الذى كان ثمة أسماء مثل الشيخ سلامة حجازى ومحمد عثمان وعبده الحامولى يؤسسون دولة الغناء.. كان شيوخ مثل محمد رفعت وأحمد ندا وعلى محمود يؤسسون دولة التلاوة.

ومثلما لحق سيد درويش والقصبجى وزكريا وعبد الوهاب والسنباطى بالفريق الأول.. لحق عبد الفتاح الشعشاعى ومصطفى إسماعيل وطه الفشنى وعبد العظيم زاهر بالفريق الثاني.

ولد الشعشاعى فى قرية شعشاع فى أشمون عام 1890 ويقال إن لقبه جاء مسنودًا إلى اسم بلدته على عادة المصريين آنذاك.. وقيل إن القرية نفسها هى التى سُميت باسم جده الكبير.

وتميز عن أقرانه بأنه ولد لأب محفظ للقرآن.. أى أنه قارئ بالفطرة والجينات.. وسرعان ما قاده طموحه للتعلم فى طنطا إحدى منارات الأزهر وحاضنة مسجد مولانا السيد البدوي.

ثم قاده طموحه الأكبر إلى القاهرة ذاتها حيث سكن فى الدرب الأحمر.. وأسس فرقة للتواشيح كان الشيخ زكريا أحمد ملحننا العظيم أحد أفرادها.

وفى مولد سيدنا الحسين أطل الشعشاعى منافسًا لأستاذيه الشيخ رفعت وعلى محمود.. فتجلى وأطلق مدرسة فى التلاوة تخصه وحده.

ويقال إنه عندما ذاع صيته تخلى عن الإنشاد نهائيًا لكنه.. وكشأن العظماء.. لم يقطع الرواتب التى خصصها لرفاقه فى الفرقة!

وبعدما أصبح قارئًا فى مسجد السيدة نفيسة.. ترقى ليكون قارئ المسجد الزينبي… حيث تكاد زعامة التلاوة المصرية أن تنحصر بين مسجدين.. إما الحسين أو السيدة زينب.

وعندما دشن المصريون إذاعتهم كان الشيخ رفعت أول من رتل فيها.. وقيل إن الشعشاعى تردد خوفًا من “الحُرمانية” لولا فتوى شيخ الأزهر آنذاك! وأخيرًا أطل صوته على الشعب المصرى كله بعد أن كانت عظمة “الصييت” يصنعها جمهوره المحدود فى مسجده أو فى سرادقات عزاء المشاهير.. وكان الشعشاعى نفسه أحد المقرئين الأساسيين فى مأتم الزعيم سعد زغلول. قبل أن يسجل اسمه فى التاريخ كثانى صوت يتلو القرآن فى الإذاعة.

تربع الشعشاعى على القمة التى أهلته للسفر إلى العالمين العربى والإسلامى فذاع صيته فى العراق وشارك فى مآتم ملوكه وأمرائه.. كما كان من أوائل المقرئين.. إن لم يكن أول مقرئ يتلو القرآن فى الحرم الشريف فى مكة عبر مكبرات الصوت كى يسمعه آلاف الحجاج.

كان أكبر فى السن من مصطفى إسماعيل.. وتميز كلاهما دون سواهما بالسلطنة وحلاوة الأداء واللعب بالمقامات. لكن إسماعيل أكثر استعراضًا لعضلاته وأشد انضباطًا فى انتقالاته أما الشعشاعى فأكثر عفوية وارتجالًا.. يترك صوته لإحساسه دون أن يفقد خبرته التطريبية فى الإنشاد.

يتميز صوته بالقوة وطول النفس والندواة.. فهو صوت فلاحى فطرى يشبه الناى والأرغول.. آلة طبيعية وليست صناعية بالغة الدقة.. يلون كيفما شاء وعلى غير توقع. يقف برهة ثم يستأنف بالأحلى. صوت لين ليس فيه حدة عبد الباسط ولا حزنه.. بل فيه طراوة النسيم ونعومة المخمل. فيه بشارة الموسيقى وليس نذير العقاب.

تمتزج فى حروفه الطلاوة والجمال والإيمان فى إيقاع ثرى لا تمله الأذن وهو يعلو ويهبط مثل موجة نور تتلوها موجة. هكذا سحرنى صوته فى طفولتى عبر مكبر مسجد القرية وهو يتلو “البينة” تلاوة لم أسمع مثلها قط من مقرئ.

ورغم مرور أكثر من خمسين عامًا على غيابه ما زال صوت الشعشاعى يرتل كأنه مزمار من مزامير داود.. أو مثل ناى مصرى يصدح للأبد على ضفة النيل.