عمرو العادلي الحائز على جائزة الدولة التشجيعية للرواية هذا العام يكتُب للقاهرة اسحبوا جائزة الدولة التشجيعية من نجيب محفوظ     التوصية بأن يصبح الحد الأقصى لنيل جائزة الدولة التشجيعية هو

3311

عمرو العادلي الحائز على جائزة الدولة التشجيعية للرواية هذا العام

يكتُب للقاهرة

اسحبوا جائزة الدولة التشجيعية من نجيب محفوظ

 

 

التوصية بأن يصبح الحد الأقصى لنيل جائزة الدولة التشجيعية هو قرار يحتمل تنفيذه فى الدورة المقبلة، وهو قرار يحتاج لبعض النقاش الهادئ، ربما لا يفسد رأيى حصولى على الجائزة مؤخرا، لأن ذلك يدل على نزاهة الغرض، فالجائزة تُمنح لمرة واحدة فقط.

بداية، الاعتماد على معيار السن كشرط رئيسى للحصول على الجائزة يحتاج لوقفة، إذ كيف يتم تحديد المتقدم بالرجوع إلى تاريخ ميلاده؟ أظن أن مثل هذه المعايير غير الأساسية لا توجد فى الدول الناطقة بغير العربية، وأظن أيضا أن تحديد السن ليس له علاقة من قريب أو من بعيد بأحقية الحصول على التقديرات والفوز بالجوائز، ففى قائمة البوكر القصيرة كانت منصورة عز الدين تقف على المسرح جنبا إلى جنب مع بهاء طاهر، فهل هذا شيىء معيب؟ بالعكس، أنا أرى أنه ملمح يرسخ للتحضر والرقي، لأنه فى هذا المشهد تتساوى الفرص بين الجميع، فى الجوائز العالمية مثل البوكر البريطانية هناك الكاتبة الهندية كيران ديساى التى فازت بالجائزة العريقة عام 2006 عن رواية “ميراث الخسارة”، كانت فى الخامسة والثلاثين وقت إعلان الفوز، لو أن كيران ديساى مثلا فى الخامسة والسبعين فهل كانوا ليمنعوها من الفوز؟ وفى دورات البوكر البريطانية مؤخرا فازت رواية كوميدية، وهذا كان سبق لم يحدث منذ أنشئت الجائزة، فهل هذه الحرية فى سن المتقدم أو فى طبيعة العمل لا علاقة لنا بها هُنا فى الوطن العربي؟

فهناك من بدءوا مشروعهم الإبداعى بعد سن الأربعين، وهناك أمثلة كثيرة من جيلى على ذلك، فأغلب أصدقائى من الوسط الأدبى ما بين الأربعين والخمسين، وقُدِّرَ لأغلبهم أن يبدءوا بعد سن الأربعين، فبأى حق يمكن لجهة أن تصادر حق مثل هؤلاء المبدعون فى التقدم لجائزة مهمة مثل جائزة الدولة، هناك أيضا أمثلة أخرى، أن أرشيف الجائزة مليء بمن فازوا بجائزة الدولة التشجيعية بعد أن تخطوا الأربعين، أشهر هذه الأسماء هو نفسه أشهر اسم عربى كتب الأدب فى القرن العشرين، نجيب محفوظ، فقد حصل على الجائزة عام 1959، وهو من مواليد 1911، وبحسبة بسيطة يكون عمر الرجل عند حصوله على الجائزة 48 عاما، فيمكن للجنة أن تسحب جائزة الدولة التشجيعية من صاحب نوبل لكى تُرضى توصيات المجلس الأعلى للثقافة، ويمكنها أيضا تقديم اعتذار واضح لأنها أعطت رجلا فى الثامنة والأربعين جائزة مخصصة للشباب. يمكن أن تعترض بعض الأصوات على هذا الرأي، فسيقولون أن الجائزة بدأتْ دورتها الأولى عام 1957، أى أن عمر نجيب محفوظ آنذاك كان 47، فكيف سيحصل عليها وهو دون الأربعين؟ ولكن هناك نماذج أخرى تثبت أن هذه ليست هى المشكلة، وبتأمل بسيط يمكننا أن نجد نماذج أخرى لاثبات أحقية أى سن فى التقدم لجائزة الدولة التشجيعية، فقد حصل خيرى شلبى على الجائزة عام 1980، وهو من مواليد عام 1938، أى أنه كان يبلغ من العمر 42 عاما، مثال ثالث، وهو صبرى موسى، والذى نال الجائزة عن رواية من أفضل مئة رواية عربية، وهى “فساد الأمكنة” حصل صبرى موسى على الجائزة عام 1974، وهو من مواليد 1932، أى كان يبلغ من العمر 42 عاما أيضا، وهناك أمثلة كثيرة بخصوص هذا الشأن، ولكن ليس هذا كل شيء، إذ أن توصية اللجنة بتحديد السن من المؤكد أن لها منطقها، ولقد حاولت الوقوف على هذا المنطق ومحاولة فهمه، وتوصلت لبعض النتائج:

أولا: يمكن أن تكون هذه التوصية لتحجيم عدد الأعمال المشاركة، ولو صح ذلك لكان سببا غير كاف، بل ومُخز، فلا يمكن أن يُحرم شخص من المشاركة فى الجائزة لمجرد أن الأعمال المقدمة كثيرة، أو أن اللجان لن يسعفها الوقت لفرز الأعمال المرشحة، لأن فى ذلك هضم لأبسط حقوق المتقدمين بسبب زيادة عدد الأعمال، فقد مدت جائزة كتارا تاريخ الإعلان عن نتيجة المسابقة خمسة أشهر بسبب تخطى الأعمال المقدمة لألف عمل. وهذا قرار صائب لتحرى الدقة وعدم حرمان أحد المشاركين من فرصة يمكن أن تغير مجرى حياته.

ثانيا: يمكن أن تكون التوصية بسبب تخصيص هذه الجائزة للشباب فقط، وفى هذه الحالة يجب أن يتم استحداث فرع جديد لغير الشباب غير جائزة التفوق التى تلى التشجيعية فى الترتيب العُمري، لأن شرطا أساسيا لجائزة التفوق أن يكون الشخص الذى يتقدم بإنتاجه مر على بداية مشروعه خمسة عشر عاما، فماذا عن الذى بدأ فى الأربعين أو الخمسين؟ هل ينتظر حتى يتم مشروعه خمسة عشر عاما كى يتقدم لجائزة التفوق؟ وهل لو تقدم لها وهو فى الستين من عمره؛ ألا تخرج علينا أصوات تقول كيف لهذا الشيخ المسن الطاعن التقدم للتفوق؟ وأنا هنا أتحيز لصاحب السن الأكبر ربما لأن مشروعى بدأ وأنا فى السابعة والثلاثين، فقبل أن يتشكل مشروعى الإبداعى ويأخذ أبعاده المرجوة كنتُ قد بلغت الأربعين.

ثالثا: يمكن أن تكون التوصية هى تجريب ضمن حقول التجارب العديدة التى تحفل بها جوائز الدولة، وفى هذا الأمر لى قصة، فقد توجهت منذ خمس سنوات بروايتى “إغواء يوسف” الصادرة عن دار ميريت 2011 إلى لجنة الجوائز بالمجلس الأعلى للثقافة، قالت لى الموظفة الوقورة بأن هذا العام مخصص للرواية الناشئة، فسألتها: لماذا رواية كذا؟ لماذا هذا التحديد الذى يلى كلمة رواية؟ فلو أنها ظلت مفتوحة دون تحديد فيمكن أن تفوز بها رواية للناشئة، فقالت ان اللجنة رأت تحديد هذه الدورة لأدب الناشئة لتشجيع هذا اللون من الأدب، وقلت لها هذا كلام غير صحيح، فبين الإعلان عن التقدم لجائزة الدولة التشجيعية وبين غلق باب التقدم شهرين فقط، وهذه مدة لا يمكن لأحد أن يكتب فيها رواية، كانت حجتى أقوى ورأيتها مجرد موظفة مغلوب على أمرها، أو هى لا تعى أبعاد الموضوع كى أناقشها فيه بحرية، تركتها وتركت المجلس، وفى العام التالى تقدمت بالرواية نفسها، فقالت نفس الموظفة الوقورة: للأسف لا يمكن يا أستاذ أن أقبل روايتك إلا لو كانت خيالا علميا، فقلت فى نفسي: “الخيال العلمى هو ما تفعلونه بنا والله” وسألتها عن عدد روايات الخيال العلمى التى تقدمت حتى الآن، وكان الباقى على غلق باب الترشح عشرين يوما فقط، فأجابت الموظفة بنفس مطمئنة: مفيش حد قدّم لغاية دلوقتي. وكان نفس النقاش الذى لا يجدي، وانصرفت بروايتى سيئة الحظ للسنة الثانية على التوالي، وبعد عام، وكانت هى الفرصة الأخيرة التى يمكننى التقدم فيها برواية إغواء يوسف قالت الموظفة نفسها: “مش عارفة أقول لك إيه يا أستاذ” وقلت لها: متقوليش حاجة. بس الفرع السنة دى للرواية الإيه بقى؟” وقالت: للرواية التاريخية، وحملت روايتى للسنة الثالثة والأخيرة دون أن أقدم بها فى جائزة الدولة التشجيعية، وفى السنة الرابعة، وبعد أن فتحوا الباب لحرية التقدم برواية فقط دون إلصاق مسمى آخر لها كانت المدة الزمنية لرواية إغواء يوسف قد انتهت، وكانت رواية الزيارة يجوز التقدم بها، وفزتُ عنها بالجائزة.

رابعا: يمكن أن تكون التوصية لا علاقة لها بكل ما فات، ولكنها فقط توصية لابد منها، أى أن اللجنة الموقرة رأت ضرورة أن يكون هناك توصيات فأوصت بما تراه، دون النظر لما يراه غيرها، وهم المبدعون الذين بدونهم لا تستقيم الحياة الأدبية، ولا يكون هناك جدوى من وجود جوائز.