مصطفى عيسى يعيد التقييم البصرى للأشياء سيد هويدى   دائما ما أفترض أن مشاهدا قادته أقدامه إلى دخول قاعة عرض للفنون البصرية «التشكيلية»، وأحاول اقترب من دهشته، التى تفصل بين

333000

مصطفى عيسى يعيد التقييم البصرى للأشياء

سيد هويدى

 

دائما ما أفترض أن مشاهدا قادته أقدامه إلى دخول قاعة عرض للفنون البصرية «التشكيلية»، وأحاول اقترب من دهشته، التى تفصل بين ما سوف يراه وما يعرفه عن هذا المجال، خاصة وان الفن وسيلة اتصال لكن المسافة الطويلة التى باتت تفصل بين الأصول البعيدة للفن الذى ارتبط فى بدايته برغبات حماة الفنون ورجال الدين، والموضوعات “الكبرى”, تاريخية وميثولجية, ومن ثم إلى المناظر والطبيعية الصامتة ومظاهر الحياة اليومية والوصفية الأدبية، والفن الحديث بمدارسه المتعاقبة بداية من الانطباعية، وانتهاء بالتجريد ومرورا بالسريالية والتعبيرية ووصولا إلى ما بعد الحداثة.

وعلى الرغم من ان المسافة البعيدة التى كانت عليها الفنون، الا ان التطور عبر مراحل عديدة و الاستمرار أرتبطا بظروف موضوعية تاريخية واجتماعية ويعكس أفكارا وفلسفات كل عصر. إلا ان ما توصل إليه الفن المعاصر قد يبدو مختلفا كليا ولا علاقة له, اقله فى الظاهر, مع الفنون السابقة والمفاهيم الفنيه التقليدية . لكن ما وصل له الفن الحديث لم يكن يتحقق إلا بعد مراحل متتالية ومتواصلة, رافقها تحول أيضا فى وسائل التعبير الفنى, وكذلك فى المنهج والأسلوب, وفى أدوات التصوير ومادته، بل تبدل فى الرؤية وتبدل فى التقنية.

ومع ذلك الفنون الحديثة- على تنوعها وتمايزها، وتعدد اتجاهاتها ومصادرها – متشابهة فى منطلقاتها الأساسية، وتجمع بينها إرادة التجديد والتحول الدائميين، استنادا إلى واقع متغيير.

ليس هذا حنينا إلى ماض، بل الحنين نجده ونراه فى تجربة الفنان “مصطفى عيسي” الذى يعد مفتاحا أمام المشاهد الذى يدخل قاعة «الباب» الملحقة – بالمتحف المصرى للفن الحديث المغدور- لكنه هذا المشاهد المفترض الغائب لن يمر الا عبر المنحى الجديد للفن الذى عرفه العالم منذ «البوب آرت»، و«الوقعية الجديدة».

وكان مصطلح “بوب آرت” استخدم لأول مرة فى مقال للناقد الإنجليزى لوارنس اللوى (Alloway)، عام 1954، فى تعريفه أعمال جماعة المستقلين من الفنانين الشباب الذين وقفوا ضد الفن اللاشكلى وعبروا عن رغبتهم فى العودة الى مظاهر الحياة الحديثة ووسائل الثقافة الشعبية.

فقد التقت أعمال “مصطفى عيسى” فى معرضه الذى حمل عنوان “وطن لا يصدأ” مع منطلقات “البوب آرت” و”التعبيرية التجريدية” على نحو يعكس قيما ذاتية كأسلوب وطريقة معالجة، بعد ان أصبحت اللوحة بحد ذاتها هدفا، متجاوزة لكل عناصرها لتعبر بدورها عن إدراكه للعالم وعن مقدرته خلق عالمه وتغييره وإعادة بنائه. معتمدا على سرد وتأليف يحرر قوانين الأشياء المادية وأشكالها الهندسية, فى محاولة مضنية تهدف إلى التقرب من الواقع، سواء عبر لون يضاهى الآثار المتهالكة للجدران، أو الملمس بتنوعاته الثرية وكأنه يخربش على جدار الزمن فعليا.

جاءت أعماله فى ثلاثة مستويات الأول: عبر فيه الفنان عن ارتباطه العاطفى بمظاهر الحياة اليومية سواء باستخدامه للصور الفوتوغرافية، أو توظيف عناصر مادية كبنطلون جينز مثلا، معتمدا على تقنية الالصاق (الكولاج) والتجميع (ِِِAssemblage) على نحو محايد، وهو بذلك يلتقى مع طريقة فنانى البوب آرت التى استخدمت الصورة الفوتوغرافية فى وسائل الإعلام الأكثر صراحة.

هذا المستوى تميز بنزعة قوية تجاه تشييد اللوحة وعمل اعتبار كبير للتقنية والوعى الشديد لفكرة ربط القيم الجمالية بالعواطف والوجدانيات، واللعب على وتر الحنين، عندما لجأ “عيسى” الى إعادة تقييم بصرى للأشياء والأحداث فى حياته، محتفظا ببعض المظاهر الواقعية، كتلك التى تصور زوجته سواء فوتوغرافيا، أو تصويرا ملونا، و كأنه يحتفى بذكرياته، ووظف دون تردد الصور التى اجتزأها من المجلات ضمن نسيج العمل وفق تقنية الالصاق والتركيب والمحو والاخفاء، وكأنه يدفعنا دفعا لدخول عصر الصورة التى تتميز بها الموجة الثالثة المعلوماتية على نحو يؤكد قبول عناصر جديدة وموجودات فى إطار تأليف فضاء العمل الفنى.

وتتسم هذه الأعمال بقدرة سردية مع تعدد الطبقات والمستويات إلى حد يصل ألى فن النحت البارز.

أما المستوى الثانى: فهو لجوئه الى التعبيرية التجريدية وهو المستوى الذى تحرر فيه الفنان من أسر التقنية قليلا لصالح غنائية لونية، وان ظل عقله الواعى يعمل بحيث ظهر اللون على نحو بنائى، يختلف تماما عن تجريدية فاسيلى كاندينسكى (1866-1944) صاحب أول نزعة تجريدية، أو جاكسون بوللوك (1912-1956) المصور الامريكى.

وفى المستوى الثالث فى المعرض وليس من حيث الأهمية تأتى مجموعة لوحات، بأحجام موحدة مربع طول الضلع فيها خمسون سم، تجسد رؤيته للبورتريه «رسم الوجه الإنسانى»، وهنا جمع “عيسى” بين مستويات المعرض فى تجسيده لتلك البورتريهات، وبدلا من الوجوه التى انجزها تسمح لنا ان نراها اطلت علينا هى من وراء حجب، سواء بسبب اعتماد تقنية المحو أو الحجب أو بسبب الغموض والنظرة العميقة للشخصيات المصورة، وتجاوزها البعد الرابع (الزمن).

يبقى أن مصطفى عيسى الذى أعرفه كإنسان هادئ، هل المعرض يمثله كشخصية، سؤال فرض نفسه؟ لقد أراد أن يتجاوز المسافة بين الداخل والخارج عبر تجربته الفنية عندما قدم لوحة أكثر واقعية باحتضانه الفعلى لعناصر العالم الواقعى من صور وذكريات وحنين وانين.

سيد هويدى