لماذا تسامح السلف وتشدد الخلف؟ القدامى يمزحون ويضحكون من الصيام.. ونحن نقتل بعضنا بعضا كيف كان تسامح العقول الواعية فى العصور الخالية؟ إبراهيم حمزة   فى ندوة علمية تحدث دكتور

778

لماذا تسامح السلف وتشدد الخلف؟

القدامى يمزحون ويضحكون من الصيام.. ونحن نقتل بعضنا بعضا

كيف كان تسامح العقول الواعية فى العصور الخالية؟

إبراهيم حمزة

 

فى ندوة علمية تحدث دكتور خالد منتصر عن الصوم، متسائلا «هل نحن نصوم لأن الصيام فريضة أم لأن الصيام مفيد للكبد والكلى؟ إذا سوقنا المفهوم الثانى سيصبح خطرًا على الدين لأنه من الممكن أن يقول عالم إنه فى اليوم الحار 18 ساعة دون مياه، لن تستفيد الكلى مثلما تقولون، ما الموقف حينها، اذن نحن نضر الدين ولا ننفعه» واستمرت الندوة أكثر من ساعتين، لكن البعض خرج منها بدقائق معدودة وصب غضبه الشديد على ما قاله الطبيب خالد منتصر، واتهموه بالكفر، وأن اسمه خالد متنصر وليس منتصر، وهاجمه بعض المفكرين ووصفه بعضهم بالأنبا خالد أسقف إيلاف ودريم وراعى إيبارشية «نعم لفض غشاء البكارة».. إلخ..

وبينما نقرأ فى «الوافى بالوفيات» ترجمة الصفدى للإمام النخعى بقوله «من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، كان يصوم الدهر ويصوم فى الحر حتى يسود لسانه وكان يصوم فى السفر. فقيل له: لم تعذب هذا الجسد؟ فقال: إنما أريد الراحة. وذهبت إحدى عينيه من الصوم فى الحر». فلو قالها أحد الآن، لصلبوه.

وأيضا ينقل الصفدى عن شاعر قوله:

الصوم قد هد جسمى… وزاد فيه اصفراري

وقد بقيت خيالا… لكن بغير إزار

فى مفهوم التسامح

وبعيدا عن آراء خالد منتصر وسيد القمنى، والاتفاق معها أو رفضها، نجد المجتمع الإسلامى قديما يملك قدرا هائلا من التسامح، ولنتوقف مع عبادة واحدة كالصوم، وكيف سخر ومزح وهزأ به البعض، بينما قدسه معظم المسلمين، وقد وجدنا عيينة بن حصن يشكو إلى نعيمان صعوبة الصيام عليه، فقال له: صم بالليل فروى أنه دخل عيينة على عثمان رضى الله عنه وهو يفطر فى شهر رمضان. فقال: العشاء. فقال: أنا صائم. قال عثمان رضى الله عنه: الصوم بالليل؟! قال: هو أخف عليّ. فيقال: إن عثمان قال: إحدى هنات نعيمان. حسب ما أورده الأبى فى «نثر الدر» ومواقف نعيمان منثورة فى كتب كثيرة ومنها ما أضحك النبى عاما كاملا، وإن كان سندها غير مؤكد، وسنجد فى «الإمتاع والمؤانسة» وفى الإمتاع والمؤانسة أن رجلا أتى أبا هريرة فقال: إنى كنت صائما فدخلت بيت أبى فوجدت طعاما، فنسيت فأكلت. قال: الله أطعمك. قال: ثم دخلت بيتا آخر فوجدت أهله قد حلبوا لقحتهم فسقوني، فنسيت فشربت. فقال: يا بنى هون عليك فإنك قلما اعتدت الصيام.

وفى محاضرات الأدباء للأصفهانى نجد صورة من صور البساطة والتسامح الذى لا يخل بالدين ولا ينقص من تقديره، حيث قيل فى مجلس عضد الدولة: إن الشيعة تعقد الصوم قبل وجوبه بيوم وتخرج منه قبل رؤية الهلال بيوم، وأهل السنة يعقدونه برؤية الهلال ويفارقونه. فقال: أنا نتسانن عند الدخول فيه ونتشيع عند الخروج منه، ليحصل لنا يومان: يوم من أوله ويوم من آخره.

وفى «البداية والنهاية» نرى الصوم صورة شعرية، ليس المقصود به الفريضة فيما حكى عن كثير – وكان شيعيا رافضيا كما يقول صاحب «البداية والنهاية». قالت عائشة بنت طلحة لكثير عزة: ما الذى يدعوك إلى ما تقول من الشعر فى عزة وليست على نصف من الحسن والجمال؟ فلو قلت ذلك فى وفى أمثالى فأنا أشرف وأفضل وأحسن منها – وكانت عائشة بنت طلحة قد فاقت النساء حسنا وجمالا وأصالة – وإنما قالت له ذلك لتختبره وتبلوه فقال:

ضحى قلبه يا عز أو كاد يذهل وأضحى يريد الصوم أو يتبدل

وكيف يريد الصوم من هو وامق لعزة لا قالٍ ولا متبذل

ويرى العلامة «جواد على» فى موسوعته الرائعة «المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» أن الصوم لم يذكر فى كتابات العرب فى الجاهلية ثم يعود ليؤكد أن للجاهليين صياما اقتدوا فيه بغيرهم من أصحاب الديانات، وكان النبى يصومه قبل البعثة، ولما جاء الصوم صامه من أراد وتركه من أراد كما ينقل د. جواد عن كتاب «إرشاد السارى للقسطلانى» 6/ 174»، «باب أيام الجاهلية». لكن الباحث يعود ليؤكد صعوبة تصديق هذا الأمر، خاصة مع ورود أحاديث وأخبار منها ما ذكره الطبرى فى كتابه «ان أهل الأخبار أنفسهم يذكرون أن الرسول «حين قدم المدينة، رأى يهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم، فأخبروه أنه اليوم الذى غرّق الله فيه آل فرعون، ونجى موسى ومن معه منهم، فقال: «نحن أحق بموسى منهم»، فصام، وأمر الناس بصومه. فلما فرض صوم شهر رمضان، لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه»

والشعراء يتبعهم

أما حديث الشعراء عن رمضان، فأمر آخر، فكثير منهم أنشد محييا محبا محترما للفريضة، ومنهم من شذ عن المسيرة، فهاجم ومازح وسخر وضحك، ومنهم من كان صادقا مع ذاته، فنقرأ فى «خزانة الأدب لابن حجة الحموى» حديثه عن الشيخ عز الدين الموصلى، ويقول: «ومن لطائف مجونه» انتبه للفظ أنه يعتبر المجون والخروج من اللطائف، فماذا قال الموصلى؟ يقول:

شهر الصيام تولى… فراقه يوم عيد

فقيل شيع بست… فقلت أيضا وسيدي

وفى «بدائع البدائة» لابن ظافر الأزدى يقول

واتفق لى أنى اجتمعت مع القاضى أبى الحسن بن النبيه ومعنا جماعة من شعراء مصر، فأنشدهم قول مؤيد الدين الطفرائى فى الهلال:

قوموا إلى لذاتكم يا نيام… وأترعوا الكأس بصفو المدام

هذا هلال العيد قد جاءنا… بمنجل يحصد شهر الصيام

ومن لطائف ما جاء فى هذا الباب، ما أورده صاحب «الديارات» حيث يحكى الشابشتى

قال الحسين بن الضحاك: كنت جالسا فى دارى يوم شك، وقد أفطر المأمون، وأمر الناس بالافطار. فجاءتنى رقعة الحسن بن رجاء، يقول فيها:

هززتك للصبوح وقد نهانى… أمير المؤمنين عن الصيام

وعندى من بنات الكرخ عشر… تطيب بها مصافحة المدام

ومن أمثالهن إذا انتشينا… نرانا نجتنى ثمر الحرام

فكنت أنت الجواب، فليس شيء… أحب إلى من حذف الكلام

وقد أدهشنى أن يورد ابن حجة الحموى لشاعر لا يذكر اسمه، بل ينقل ما قاله إعجابا بشاعريته، مع كراهة مضمونه، فيقول وأعوذ بالله، وأتبرأ من قول الكافر:

ألا من مبلغ الرحمن عنى… بأنى تارك شهر الصيام

إذا ما الرأس زايل منكبيه… فقد شبع الأنيس من الطعام

أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا… وكيف حياة أصداء وهام؟؟

أينزل أن يرد الموت عنى… ويحيينى إذا بليت عظامي؟؟

فهل وصلنا لشجاعة هؤلاء؟