دعوة إلى التفكر والتدبر فى الكون (1) الألوان بقلم د. رمضان رمضان متولى   يعتقد بعض البسطاء من المسلمين أن دين الإسلام قائم على أداء شعائر تنحصر فى الصلاة والصيام

888

دعوة إلى التفكر والتدبر فى الكون

(1) الألوان

بقلم د. رمضان رمضان متولى

 

يعتقد بعض البسطاء من المسلمين أن دين الإسلام قائم على أداء شعائر تنحصر فى الصلاة والصيام والزكاة والحج فقط، ولكننا نلفت الانتباه إلى أن هناك ركائز وأسسا أخرى يقوم عليها هذا الدين، ويأتى التفكر والتدبر فى كون الله العظيم وبما فيه من مخلوقات وموجودات فى مقدمة هذه الأسس، حتى بلغت الآيات التى تدعو الى التفكر والتدبر فى كون الله ومخلوقاته عشرين آية فى القرآن الكريم، منها قوله تعالى فى سورة البقرة: «كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون» «البقرة 219» وكذلك قوله تعالى: «هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون» «الأنعام 50».

هذا.. ومن فضل الله تعالى ونعمه التى لا تحصى على عباده المؤمنين أن دعاهم إلى التدبر والتفكر فى الكون العجيب ومخلوقاته وما تحويه من آيات وصور متباينة الألوان والأشكال دالة على قدرة الله العظيمة. وتعد الألوان والأصباغ نموذجا من بدائع التكوين، وبدائع التنسيق التى لا يدركها إلا أولو الألباب، أولو الإدراك الصحيح.. بما منحهم الله من علم يستشعره القلب ويتحرك به ويرى به يد الله المبدعة للألوان والأصباغ والتكوين والتنسيق فى ذلك الكون الجميل.. يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية، فالتفكر فى خلق الله، والتدبر فى كتاب الله المفتوح وتتبع يد الله المبدعة وهى تحرك هذا الكون، وتقلب صفحات هذا الكتاب، عبادة لله من صميم العبادة، وذكر لله من صميم الذكر. ولو اتصلت العلوم الكونية التى تبحث فى تصميم الخلق وفى نواميسه وسننه، لو اقتصرت هذه العلوم بتذكر خالق هذا الكون وذكره لتحولت من فورها إلى عبادة وصلاة لخالق هذا الكون.

ثم إن هناك حقيقة ثانية وهى أن آيات الله فى الكون لا تتجلى على حقيقتها الموحيه إلا للقلوب الذاكرة العابدة، وأن هؤلاء الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم – وهم يتفكرون فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار – هم الذين تتفتح لبصائرهم الحقائق الكبرى المنطوية فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، وهم الذين يتصلون من وراءها بالمنهج الإلهى الموصل إلى النجاة والخير والصلاح.

هذا… ويعتبر عنصر الجمال فى كون الله وتنسيقه وبديع صنعه يبدو للمتدبر فيه مقصودًا فى تصميم هذا الكون وتنسيقه، فمن كمال هذا الجمال أن وظائف الأشياء تؤدى عن طريق جمالها.. فهذه الألوان العجيبة فى الأزهار تجذب النحل والفراش مع الرائحة الخاصة التى تفوح منها.. ووظيفة النحل والفراش بالقياس إلى الزهرة هى القيام بنقل اللقاح لتنشأ الثمار. وهكذا تؤدى الزهرة وظيفتها عن طريق جمال ألوانها الزاهية البديعة.. والجمال فى الجنس هو الوسيلة لجذب الجنس الآخر إليه لأداء الوظيفة التى يقوم بها الجنسان.. وبذلك تتم هذه العملية عن طريق الجمال.. وفى سورة فاطر تصوير جميل وبديع عن قدرة الله تعالى فى بديع مخلوقاته وما تحويه من ألوان جميلة وذلك فى قوله تعالى: «أَلَم تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السَّمَآء مَاءً فَأَخرَجنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُختَلِفًا ألوَانهَا وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُختَلِفٌ ألوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ » «28 فاطر».

إنها لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا القرآن، لفتة تطوف فى الأرض كلها تتبع فيها الألوان والأصباغ فى كل عوالمها: فى الثمار وفى الجبال وفى الناس وفى الدواب والأنعام.. لفتة تجمع فى كلمات قلائل بين الأحياء وفى غير الأحياء فى هذه الأرض جميعا تدع القلب مأخوذا بذلك المعرض الإلهى الجميل الرائع الكبير الذى يشمل الأرض جميعا.. وتبدأ بإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات المختلفات الألوان.. فإن أنواع الثمار وألوانها معرض بديع للألوان يعجز عن إبداع جانب واحد منه جميع الرسامين فى جميع الأجيال، فما من نوع من الثمار يماثل لونه لون نوع آخر، بل ما من ثمرة واحدة يماثل لونها لون أخواتها من النوع الواحد، فعند التدقيق فى أى ثمرتين أختين يبدو شيء من الاختلاف فى اللون!

وننتقل من ألوان الثمار إلى ألوان الجبال وهى نقلة عجيبة فى ظاهرها، ولكنها من ناحية دراسة الألوان تبدو طبيعية، ففى ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، بل إن فيها أحيانا ما يكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك، حتى ما تكاد تفرق به بين الثمار صغيرها وكبيرها، ويتبين ذلك فى قوله تعالى: «وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الأَرْضِ مُخْتَلِفا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ» النحل 13.

فالجدد المذكورة فى الآية الكريمة هى الطرائق والشعاب، وهنا لفتة فى النص صادقة فالجدد البيض مختلف ألوانها فيما بينها، والجدد الحمر مختلف ألوانها فيما بينها.. اختلاف فى درجة اللون والتظليل والألوان الأخرى المتداخلة فيه، وهناك جدد غرابيب سود أى حالكة شديدة السواد.. فقد وضع الله – عز وجل – جملة مختلف ألوانه عامة ليوحى بتعدد ألوان النبات والحيوان فتكون عبرة وعظة وتذكرة.

واللفتة إلى ألوان الصخور وتعددها وتنوعها داخل اللون الواحد بعد ذكرها الى جانب ألوان الثمار، تهز القلب هزا، وتوقظ فيه حاسة الذوق والجمال العالى التى تنظر الى الجمال نظرة تجريدية فتراه فى الصخرة كما تراه فى الثمرة على بعد ما بين طبيعة الصخرة وطبيعة الثمرة، وعلى بعد ما بين وظيفتيهما فى تقدير الإنسان، ولكن النظرة الجمالية المجردة ترى الجمال وحده عنصرا مشتركا بين هذه وتلك، يستحق النظر والالتفات. ثم ألوان الناس، وهى لا تقف عند الألوان المتميزة العامة لأجناس البشر فكل فرد بعد ذلك متميز اللون بين بنى جنسه، بل متميز من توأمه الذى شاركه حملا واحدا فى بطن واحد. وكذلك ألوان الدواب والأنعام، ومن ذلك وصفه جل وعلا للبقرة فى سورة البقرة: «إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» البقرة 69، ووصفه تعالى للريح فى سورة الروم باللون الأصفر فى قوله تعالي: «وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ» «الروم آية 51»

هذا.. وقد حظى اللون الأخضر فى القرآن الكريم بمنزلة طيبة وذلك بإضفائه على ملابس أصحاب الجنة كما جاء فى سورة الرحمن فى قوله تعالى: «مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِي حِسَانٍ» الرحمن آية 76 وفى سورة يس: «الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخضَرِ نَارا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ» «يس آية رقم 80»

أما اللون الأبيض: فيعبر عن الصفاء والنقاء والقبول عند الله كما أنه يظهر جمالا رائعا حيث شبه الله به – لجمالة وصفائه – فى سورة الصافات الكأس عندما تحتوى على شراب طاهر فيه لذة للشاربين وذلك فى قوله تعالى: «بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ « «الصافات46».

أما اللون الأزرق: فهو فى السماء سمو وعمق ويرمز إلى المحبة، وفى المياه برودة وارتواء.فقد ورد فى قوله تعالى: «يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا» طه 102… والأزرق هو اللون الوحيد الذى يغمر سطح الأرض ويغلفها وينعكس على الغلاف الجوى على شكل مسطح أزرق غامق يسمى السماء.

أما اللون الأحمر: فقد ورد فى قوله تعالى: «وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ» فاطر27.

أما اللون الأسود: فقد ورد فى قوله تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» آل عمران 106.