بعد فوزه بجائزة التفوق زين العابدين فؤاد: أداء وزارة الثقافة أداء حكومى وإن كان يجب أن يكون أكثر إبداعا المناهج أصبحت “حشو للدماغ” وليس للإبداع كيف لم يحصل إبراهيم فتحى

88

بعد فوزه بجائزة التفوق

زين العابدين فؤاد: أداء وزارة الثقافة أداء حكومى وإن كان يجب أن يكون أكثر إبداعا

المناهج أصبحت “حشو للدماغ” وليس للإبداع

كيف لم يحصل إبراهيم فتحى وحلمى شعراوى على جوائز الدولة حتى الآن؟

سارة الأمين

 

 

“ولا حَد”، ترد الجموع على نفسها، مندهشة من التساؤل المُستنكر: “مين اللى يقدر ساعة يحلس مصر؟”

الأغنية/ القصيدة، أصبحت جزءا من الذاكرة الوطنية، مثلها مثل “اتجمعوا العشاق”، التى أبدعها زين العابدين فؤاد فى معتقل القلعة عام 1977.

ولد الشاعر المناضل بسلاح القلم، زين العابدين فؤاد، فى القاهرة عام 1942، ودرس الفلسفة بآداب القاهرة، ومنها نال درجة الماجستير. خرج ديوانه الأول “وِش مصر” للنور متأخرا، عام 1972، فى ذروة نضال طلاب الجامعات ضد “ضبابية” موقف الرئيس الأسبق أنور السادات، تجاه قرار حرب التحرير، رغم انه بدأ نشر قصائده قبلها بـست سنوات، وبالتوازى دخل هو نفسه السجن الذى اعتاده طوال حكم “الرئيس المؤمن”، اتساقا مع موقفه الوطنى الذى لا ينفصل عن سياقه الإبداعي. وبعد “وِش مصر”، توالت دواوينه: “الحلم فى السجن”، “أغانى من بيروت”..إلخ. وللأطفال: “الاختيار” و“صباح الخير يا جدة”.

ربما دندن متابعون لجلسة إعلان الفائزين بجوائز الدولة، هذا العام، ببعض قصائده، وهم ينتظرون خروج الأسماء من الغرف المغلقة، فاسمه تردد بقوة بين المرشحين لـ”تقديرية الأدب”، وهو يقترب من الثمانين عاما. بعد الفوز

 

كان الصحفيون يجلسون فى القاعة المخصصة لهم والمزودة بما يساعدهم على إتمام المطلوب منهم، صحيح انها كانت مكيفة الهواء لكن التوتر الناجم عن فرز الأصوات جعل حرارة أجسادنا ترتفع –حتى وإن كانت لا تربطنا أى نوع من العلاقات الإنسانية بأى من المرشحين- لكن بعد المجاملات التى عُهدت فى الدورات السابقة جعلتنا نترقب تلك المرة عل أحدنا يفوز بسبق أو يلمح تفصيلة أهملها الجميع تجعل جريدته تفخر بضمها إليه، سمعنا ان العم زين العابدين فؤاد فاز لأول مرة بجائزة الدولة التقديرية فى الإبداع عن مجمل أعماله، هذا الشاعر شديد الوطنية والذى منح المعتقلات –دون رغبة منه- سنوات كثيرة مما مضى من عمره الذى يقارب الثمانين الآن يمكن أن تميزه من مسافة خاصة، خاصة أن شعره الأشعث الرمادى غير المُقلم نادر الانتشار، تراه يحمل كاميرا فوتوغرافية دائما كأن هناك من طلب منه أن يدون كل شىء لعل التاريخ متكاسل عن الكتابة، هاتفته لأطلب منه تحديد موعد بفرد. بكل أسف انه مسافر لليونان وجزرها طمعا فى نيل قسط من الراحة، وعرض على أن يكون حوارنا تليفونيا مما منعنى من معرفة تعابير وجه أثناء رده على أسئلتى وأحتسى معه “قهوة الصبحية” التى يعشقها حتى انه أطلق اسمها على أحد دواوينه، لكن نبرات صوته المميزة عبر الهاتف كان لها نفس المفعول تقريبا، كانت البداية مع رأيه فى جوائز الدولة فعبر عن عدم اهتمامه بالجوائز بشكل عام “لان هذا ليس اهتمامي، كنت ارى ان هناك اسماء تأخذها عن استحقاق كنت اعلق على هذا، وغير ذلك لا أعلق على من أرى أنهم لا يستحقون التقدير”، وأوضح انه اكتشف نظام جوائز الدولة هذا العام فقط ولم يكن يتصور أن هناك جوائز يمكن للفرد أن يرشح نفسه لها، وأكمل “هناك أسماء أستغرب حصولها على جوائز واسماء أستغرب من عدم حصولها على جوائز، ابراهيم فتحى له اسهامات فى أجيال كاملة من المبدعين من الستينات إلى الآن ورغم ذلك لم يحصل على أى جوائز، وهو الذى صنع أهم الدراسات التى كان محورها نجيب محفوظ لكن هل يعنى عدم حصوله على أى جائزة انعدام قيمة اعماله؟ قطعا لا، وهذا يثير لدى علامة استفهام كيف لم يحصل على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب بشكل عام؟ أما العلوم الاجتماعية ففيها مبدعون مثل حلمى شعراوى له إسهامات فى قارة افريقيا بالكامل” وأضاف: “الجامعات ترشح أساتذة فيها، رغم فقر إنتاجهم، فيمكن لجامعة القاهرة مثلا أن ترشح مدير الجامعة أو عميد إحدى الكليات، رغم أن هناك أسماء لأساتذة سابقين يستحقون الجوائز، آلية الترشيح تحتاج تفكيرا وفى المثالين اللذين طرحا دليل على ذلك”. استغربت توقيت تلقى الجائزة رغم أنه بعيد عن الأضواء الآن بنسبة ما فقال عن سبب عدم تلقيه أى جائزة فى السابق “أنا بعيد عن اهتمامات الجهات التى ترشح، وهذه السنة أتيليه الفنانين والكتاب بالاسكندرية هو الذى رشحني، وهذا يعنى مدى جديتهم خاصة وأنا أعيش بعيدا عن الاسكندرية ولا أشكل ضغطا عليهم، وقد فوجئت بالترشيح”.

 

لاحظت أن المرأة لم تكن نسبة حصولها على الجوائز عادلة لمقارنة بالرجال فسألت هل الأدب النسائى ضعيف إلى تلك الدرجة؟ فقال “فؤاد”: “ارفض عنوان الأدب النسائي، هناك مبدعات وكاتبات وهناك مبدعون وكتاب، وحينما اقرأ نصا لايرين يوسف، أو فاطمة قنديل، أو الشاعرة أمينة عبد الله، أو مى التلمساني، أو سحر الموجى يجذبنى الأدب ذاته ولا أشعر بأن ما كُتب خطته امرأة، أما فى الفن التشكيلى فهناك ايفيلين عشم الله، وهبة فكري، وسوزان التميمي، وهنا المقياس ليس نوعيا، لا أقيس النص هل هو نسائى أم لا بل أنظر هل هذا نص جيد أم لا”.

ولأن العم زين ليس من المنظرين بل دائما يفضل أن يروى قصة تعبر عن المعنى بكلمات قليلة فقال: “لأسباب كثيرة اجتماعية وثقافية عدد المبدعات وعدد المبدعين من ناحية الكم وليس الكيف، وأريد ان احيلك لنص كتبته سامية مصطفى من الاسكندرية، فأعجبنى ودون أن أعرف شكلها كتبت لها إشادة للنص وكانت قد اسمته “شخبوطة” فقلت لها إنه نص جيد وليس مجرد “شخبوطة”، قابلتها فى الاسكندرية بعد ذلك بفترة فى إحدى أمسياتى هناك، رأيت أن حجمها ضئيل جدا وترتدى ما هو أكثر من الحجاب العادي، أظن أنه يسمى إسدالا، فعرفت المجتمع السكندرى عليها، وقصت لى عن أول ما كتبت وذهبت به إلى معلمتها فى المدرسة، وما كان من المعلمة إلا أن ألقت الورق، وقالت لها “بطلى كلام فارغ”، وأوضحت انها عندما كانت تحاول أن تقرأ شعرها كانت تعامل بشكل سيئ بسبب زيها”، وختم قصته قائلا: “المجتمع ينظر للأنثى بنظرة فقر الجدية دائما، وهذا يجب ان يعالج عن طريق التعليم”.

يؤكد صاحب “على وش مصر“ أن المرأة المصرية تملك القدرة على الإبداع بشكل قاطع، فالمجتمع الذى أنتج رضوى عاشور وفتحية العسال وإنجى أفلاطون، وأهداف سويف قادر بالطبع على إنتاج نماذج أخرى، فاليوم لدينا عدد من النساء المبدعات اللواتى يحاربن من أجل ان يعرضن أعمالهن، وهذا يجب ان يكون من مهام وزارة الثقافة.

يعتقد زين العابدين فؤاد ان هناك إهمالا فى ادوار وزارة الثقافة عبر عقود ويتابع : “أداء وزارة الثقافة هو أداء حكومى ويتغير حسب القائمين على المؤسسات الثقافية، ولكن همى فى الأول والآخر السياسة الثقافية والتى تعنى الثقافة المصرية التى تتشكل من محاور كثيرة جزء منها وزارة الثقافة انما الجزء الأكبر التعليم، والإعلام من المدرسة والتليفزيون أو الجريدة ومن البيت أو من الكنسية أو الجامع، يفزعنى إلغاء المدارس لكل الحصص التى تربطها علاقة بالإبداع كالموسيقى، والرياضة، والرسم وهذا النمط حديث العهد بمصر، وقد كان موجودا فى المدارس وقتما كنت طالبا ولم أكن أنتمى لمدارس مختلفة بل مدارس حكومية فقيرة، كما كان الفصل يضم مكتبة وهناك مكتبة أكبر فى المدرسة، بالإضافة لحصص خاصة نقضيها بين أرفف المكتبة، وفى هذا تعود على القراءة، بالإضافة الى أن المناهج أصبحت “حشو للدماغ” وليس للإبداع.

وهنا سألته عن الطريقة التى يمكن أن نمكن الطفل عبرها من الإبداع فقال: “أضعت من عمرى 40 سنة فى محاولة تعليم الأطفال الإبداع بطرقه المختلفة لأنه الجزء الوحيد الذى يسمح للطفل أن يعبر عن نفسه وبالتالى يكتشف مفهوم الجمال والقبح، وبهذا يستطيع أن يحكم على الصواب والخطأ، يحكم على المواقف والأشياء بشكل عام، ولكن الدولة لا تريد الطفل ذا هذه القدرة بل تريد أجيالا تنفذ ما يطلب منها فقط، فمثلا الشعر يقدم بأصعب النماذج فى النصوص المفروضة على الطالب بحيث يكره الطفل الشعر ولا يحبه”.

لكن هل هى سياسة عامة أم مجرد رؤية الجالس على الكرسى القيادي؟

يرد صاحبة اغنية “مين اللى يقدر ساعة يحبس مصر“ قائلا: “الفارق الشخصى يلعب دورا مهما، وهذا لغياب السياسة العامة ولهذا نتخبط دائما مع تولى مسئولين مختلفين و”نرجع من أول وجديد”، ولكنى أرى أن الجالس على مقعد الوزارة يجب أن يؤمن أن الثقافة ليست فى المكتب والوزارة بل بالشارع والميدان والبيت والحارة”.

وللاسف لا تزال الحريات فى وضع سيئ: حريات فردية مثل حرية الاعتقاد، والتفكير، والتعبير، وصيانة الممتلكات، كل الحريات الآن تخضع لما يسمى الأمن الوطنى أو أمن الدولة وهو الحاكم الآمر الناهى فى حين ان الدستور يقول ان من حقى التظاهر دون تصاريح تتعرض لهجوم شديد، بسبب وجود سياسة عامة تطالب بالصوت الواحد، وتضيق بالصوت المختلف، وجود برلمان صوته واحد هذا يعنى الانتقال الديمقراطى إلى الديكتاتورية، الأصوات المختلفة مكانها السجن، والإبعاد والإقصاء.

واظن انه يجب ان نفرق بين حقوق التعبير السلمى عن الرأى بكل أشكالها من قول وابداع واعتصام واضراب سلمي، وهناك فرق بين الوقوف امام البرلمان حاملا ورقة، أو ارمى لها قنبلة هذا جريمة.

وعدت من جديد لأساله :هل اصبحت من المتشائمين؟ فقال “ما زلت متفائلا تماما لأنى أرى التاريخ، ودندن مقطعا من أغنية أنا الشعب «التى كتبها للشيخ امام » قبل أن يكمل مصر مرت بفترات صعبة جدا فى تاريخها، اسوأ فترة مرت فى حياة المصريين بعد هزيمة العرابيين فى 9 سبتمبر عام 1881، ويطالب بالحرية للمصريين وانتهاء بنفى زعماء الثورة خارج مصر، ودخول الاستعمار البريطانى إلى مصر، لكن فى الحقيقة حصل أن المصريين فكروا فى مواجهة حقيقية فأنشئت الجامعة المصرية من تبرعات المصريين فى بداية القرن الـ20 تحديدا فى عام 1903 وفى تلك الفترة ظهر مصطفى كامل كزعيم وطني، هل تعرفين أن عمنا الشيخ يونس القاضى الشاعر كتب نشيد بلادى 1908 ولحن فى 1919 من قبل سيد درويش؟ ومصر فى ذلك كانت فى حالة تحضير لثورة أكبر وهى ثورة 1919، والضربة يمتصها المصريون ويجدون الوسيلة للنهوض دائما.

حاولت أن أشير إلى أنه يجب أن يتم استغلال الجائزة للمطالبة بعودة مشروع الفن ميدان فقال: “بدأنا فى الثانى من ابريل 2011 وكان متولى السلطة وقتها المجلس العسكري، واستمررنا وقت حكم مرسى وحتى سقوط نظام الإخوان وخلال الرئيس المؤقت وقفنا تماما فى سبتمبر 2014، وآخر فن ميدان فى السويس أكتوبر 2014، هناك عقلية أمنية ترى ان المنع هو الأساس، هناك قانون منع التظاهر بالإضافة لكونه قانونا غير دستورى وهناك تعسف فى تطبيقه، لكن أيضا من آثاره الجانبية السيئة منع الفن ميدان بجهة انه تجمع، رغم أننا قمنا بهذا التجمع السلمى اربع سنين متصلة، ولم يكن هناك  حماية من البوليس أو الأمن، كانت الحماية الحقيقية أهالى المنطقة فى القاهرة حى عابدين مثلا، اتحدث فى كل مكان حول الفن ميدان، تحدثت على قنوات عدة عنه لأذكر الناس أنه بعملنا كفريق كنا نحن من أسقطنا حكم الإخوان القمعي، وهدفنا الوعى دون أى اثارة للشغب، والارهاب لا يحارب إلا بالفن، وطوال الوقت أصرخ مطالبا بوجوب عودة الفن ميدان، يجب ان نطالب بمطالبات واسعة كل يوم فى الصحف والإعلام والمواقع والتليفزيون”.

أخيرا هل فى منع المشروع هزيمة؟ قال: “حينما يرضى المرأة بالهزيمة هذا هو الانهزام، مثلا فؤاد حداد قضى سنين طويلة فى السجن، وخرج من السجن منبوذا ولم يتوقف عن الكتابة، وإذا كان توقف وقتها فإن ذلك يكون قبل الهزيمة، دخلت السجن سنوات عديدة ومنعت من نشر حرف واحد ولكنى كنت أكتب وقال “ان نقدم للناس نماذج فى حكايات عن عبد الحكم الجراحى فإننا نقدم نموذجا لفرد وقف أمام ظروف صعبة” وهو الذى كتب لرئيس الوزراء البريطانى على جدران المستشفى الذى كان يعالج فيه اثناء أحداث كوبرى عباس رسالة نصها “أنا الشهيد المصرى، ومحمد عبد الحكم الجراحى، وقتلنى أحد جنودكم الأغبياء، وأنا أدافع عن حرية وطنى، عاشت مصر”.