فن الإنشاد الدينى.. منحة للمكفوفين والمبصرين منى فوزي   من أجمل الطقوس الدينية التى يعشقها المسلمون، خاصة المصريين منهم الدعاء والابتهال.. فقد قال الله سبحانه وتعالى «ادعونى أستجب لكم» فإنه

8877

فن الإنشاد الدينى.. منحة للمكفوفين والمبصرين

منى فوزي

 

من أجمل الطقوس الدينية التى يعشقها المسلمون، خاصة المصريين منهم الدعاء والابتهال.. فقد قال الله سبحانه وتعالى «ادعونى أستجب لكم» فإنه مجيب الدعوات.

والابتهال هو نوع من أنواع الغناء وتغنى به فطاحلة وأعلام الغناء المصرى منهم مثلا عبده الحامولى الذى كانت تكتظ القاعات بالحضور عندما يعلمون أنه سيؤدى ابتهالات فى جامع ما.. وقد ذكر الشاعر خليل مطران معلقا على ليلة ساهرة من ليالى رمضان على مئذنة جامع الحسين قائلا: إن الخبر قد انتشر بين الناس بأن عبده الحامولى سينشد تسابيح بعد أذان العشاء، ففرحوا وما لبثت الشائعة أن جالت جولة البرق بين الجماهير وفى الحى كله، فلم يأزف وقت الأذان حتى كانت المقاهى وشرفات المنازل المجاورة والساحة الممتدة أمام المسجد تحتوى من الخلق ما لا يدرك البصر آخره، وبدأ عبده الحامولى إنشاده بصوت هادئ ينحدر إلى المسامع وفيه كل الوقار من خشية الله وكل الرجاء فى فضل الله وفى مغفرته، وكان يغالب العاطفة المتدفقة من قلبه ليتدرج فى إبرازها والجمهور فى أثر كل وقفة من وقفاته يملأ الجو تهليلا وتكبيرا ومما أنشده عبده فى تسابيحه:

يا من تحل بذكره/ عقد النوائب والشدائد

يا من لديه الملتقى/ وإليه أمر الخلق عائد

وباستعراض تاريخ أعلام الإنشاد الدينى والابتهالات، تجدهم من قارئى القرآن الكريم الذى يعتمد أساسا فى ترتيله على أصول علم التجويد وهو من أهم علوم القرآن، ومن أهم العناصر فى الابتهال هو أن تكون مخارج الألفاظ صحيحة فكل حرف مخرج إن خرج ركيكا تنفر منه الأذن ويرفضه الذوق السليم.

ومن أهم العناصر الرئيسية التى يجب توافرها فى مؤدى الابتهال.. القدرة على الارتجال الموسيقى وهو الفن الفطرى للابتكار، وفى تعريف «استرانسكى ليروى» للارتجال أنه الواجهة العملية للتأليف الموسيقى.

وقد كانت العقيدة وهى من أهم القوالب العربية تعتمد فى مراحلها الأولى على الارتجال.

والدافع إلى الارتجال دافع عميق الجذور فى العالم الإسلامى وهو ممارسة دينية ترجع إلى أقدم عصور الإسلام والتى نجحت وافلتت من التطوير أو التحريف.

والارتجال فى مختلف الفنون ينتج عن مصدرين الأول فطرى والثانى مكتسب، الأول يعنى الاستعداد الفطرى لدى الإنسان، أما الثاني فيكمن فى أن يطور المبتهل نفسه ولا يقف عند حد معين، كما يجب أن يهتم بعدة أشياء يحافظ عليها أهمها النفس الطويل أى أن يكون تنفسه سليما تلقائيا وأن يمارس هذا فى الهواء الطلق، لأن الإنشاد الدينى يعتمد فى الأساس على طول النفس والتحكم فيه لذلك فإن سلامة الجهاز التنفسى وكفاءته والتدريبات اليومية مهمة، لذلك فإن شيوخ الإنشاد الدينى يقومون بأداء تلك التدريبات خاصة التدريب منذ الصغر على ترتيل وتجويد القرآن.

وقد شهدت مصر فى القرن التاسع عشر انتشارا واسعا لأشكال الإنشاد الدينى وقد برز فطاحل الغناء العربى فى هذا الفن الروحانى من تسابيح وأذان، وقد كانت حلقات الذكر هى المدرسة التى تعلم فيها مشاهير أصل الفن مثل الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب وسلامة حجازى وعبده الحامولى ومحمد عثمان ويوسف المنيلاوى ومحمد الشنتورى وسيد درويش وسيد محمود وإبراهيم الفران ثم انصرف البعض منها من الإنشاد إلى الغناء.

ويذكر أن الشيخ سلامة حجازى عندما بلغ السادسة عشر تمرس فى أشكال ثلاثة تلاوة القرآن، أداء الأذان، إنشاد القصائد والمدائح النبوية، وقد استطاع بصوته العذب أن تكون لديه الجاذبية والقدرة الفنية اللتان تنسيان المستمعين حاجتهم إلى الراحة وتجعلهم يتسابقون نحو المسجد الذى يحتشد فيه الشيخ سلامة، فيملأ أرواحهم بحالة من الهدوء والسكينة والروحانية.

ومن أبرز الأسماء التى برزت فى هذا العالم الفسيح النورانى الشيخ على محمود الذى ولد عام 1878، وفى رواية أخرى أنه ولد عام 1880 بدرب الحجازى بكفر الزغارى بقسم الجمالية بحى سيدنا الحسين وكان أسمر اللون، قصير القامة، نشأ فى أسرة ثرية ولم يولد كفيفا.. بل كان عندما رزقت عائلته به مبصرا إلا أن هذا لم يدم طويلا، فقد بدأ بصره يضعف حتى كف تماما عن البصر، ولم يعلم أحد حتى أقرب أقاربه السبب فى ذلك، فألحقه أبوه بكُتاب مسجد أم الغلام فحفظ القرآن الكريم ثم جوده فى الأزهر وكان قارئا من أهل العلم بالقراءات العشر، ثم درس مبادئ الفقه على يد الشيخ عبد القادر المازني، كان الشيخ على محمود يعشق الترتيل فى مسجد الحسين، فقد كان له صوت قوي لين طيع فى ذات الوقت، عارفا ومتمرسا من مقامات الموسيقى العربية.. فكان أحد النجوم البارزين فى هذا المجال.. بل إنه قد تفرد وتفوق عن غيره من المقرئين.

كان الشيخ الجليل شغوفا كذلك بفن عبده الحامولى وحفظ كثيرا من الموشحات وتتلمذ على يدي الشيخ المسلوب والشيخ عثمان الموصل، فنجح فى أن ينشد بمفرده دون مصاحبة أحد.

ويحكى أن الشيخ على محمود ذات مساء من عام 1918 سمع شابا صغيرا يقرأ القرآن، فانتفض بدنه وبدأ فى البكاء وعندما أخبروه أن الشيخ الصغير ضرير، قال متأثرا «سيكون له شأن عظيم»، وقد كان فقد عاش الشيخ على محمود إلى أصبح الشيخ الصغير ذا شأن عظيم وكان هذا الشيخ الصغير هو محمد رفعت وذلك كما حكى الكاتب الكبير محمود السعدنى فى كتابه «ألحان السماء».

توفى الشيخ على محمود فى عام 1934 عن خمسة وستين عاما.

يأتى الشيخ إبراهيم الفران فى إحدى المراتب العليا فى هذا الفن ولد بحى المغربلين بالقاهرة عام 1883 وقد كان ضريرا هو الآخر، حفظ القرآن الكريم وتعلم القراءات السبع.

وقد كان الفران معاصرا للشيخ على محمود وكان يسمح لبطانته بمصاحبة الشيخ الفران فى أعماله وسهراته.

وقد أحدث هذا الفنان انقلابا كما تذكر المراجع الموسيقية فى فن التواشيح، فقد ادخل فنونا أخرى غير اللون الدينى فيها موشحات الغزل، سجلت له الإذاعة المصرية بعض أعماله ومن أشهر موشحاته «بمدح رسول الله ينشرح الصدر»، و«ما شممت الورد إلا زادنى شوقا إليك».

كان الشيخ الفران يمتلك صوتا رائعا وذلك كما روى عمار الشريعى فى برنامجه «غواص فى بحر النغم» وكان يمتاز بالنفس الطويل وقد تتلمذ على يديه العديد من المشاهير مثل الشيخ درويش الحريرى ومحمود الفيومى وسيد مكاوى.

رحل الشيخ إبراهيم عام 1947 عن ستين عاما.

الشيخ طه الفشنى من عمالقة هذا الفن العريق ولد عام 1900 بمدينة الفشن بمحافظة المنيا.. وكان أبوه يعمل تاجرا للأقمشة.. الحق بإحدى المدارس الابتدائية فكان يذهب إلى المدرسة فى الصباح ثم إلى الكُتاب فى المساء وأتم حفظ القرآن الكريم قبل أن يتم الرابعة عشر.. جمع ما بين تلاوة القرآن والإنشاد بنفس الصوت الذهبى.. إلا أنه لم يكتف بهذه الموهبة بل قرر أن يصقلها بالعلم فسافر إلى القاهرة عام 1923، فتعلم العزف على آلة العود على يد الشيخ درويش الحريري، قدمه الشيخ على محمود للجمهور لأول مرة عام 1937 واستمع إليه مدير الإذاعة آنذاك محمد سعيد لطفى باشا فى حفل بمسجد الحسين فانبهر بصوته وألحقه على الفور بالإذاعة.

ولأنه كان مقتدرا فى تلاوة القرآن والإنشاد الدينى فقد لازم الشيخ مصطفى إسماعيل وزامله فى قراءة القرآن بالقصر الملكى منذ عام 1945 حتى عام 1952 حتى أصبح بعد ذلك قارئا للقصر الجمهوري.

توفى الشيخ طه الفشنى فى ديسمبر 1971 بعد رحلة حافلة زاخرة مع هذا الفن النورانى.

الشيخ محمد الفيومى من أعلام التلاوة والإنشاد، ولد بحى الجمالية بالقاهرة عام 1905، تعلم بالأزهر الشريف وحفظ القرآن وجوده باتقان ومهارة، وكان والده الشيخ إبراهيم الفيومى من علماء الأزهر وكان يعمل مصححا للغة العربية وذلك كما روى محمود الوزيرى زوج كريمة الشيخ محمد الفيومي.

وقد امتاز الشيخ الفيومى عن غيره بأن السينما المصرية استعانت به كقارئ ومنشد فى العديد من الأفلام.

توفى الشيخ الفيومى فى فبراير عام 1976 عن اثنين وسبعين عاما.

اسمه الحقيقى محمد زكى يوسف، إلا أنه ولد ببلدة بهتيم التابعة لشبرا الخيمة، فاشتهر باسم كامل يوسف البهتيمي، ألحقه أبوه الذى كان من قراء القرآن الكريم بكُتاب القرية وعمره ست سنوات، أتم حفظ القرآن فى العاشرة من عمره، اشتهر بعذوبة صوته فكان يقرأ القرآن فى مسجد القرية والقرى المجاورة.

درس بالأزهر الشريف بعد أن انتقل إلى القاهرة.

تأثر الشيخ البهتيمى بالشيخ محمد سلامة والشيخ محمد رفعت والشيخ على محمود، وهو أحد القلائل الذين كان لتسجيلاتهم فى الاستديو تأثير مماثل للتسجيلات الحية.

درس الشيخ كامل فن الموسيقى مع عازف القانون الشهيرة أحمد صبرة.

وفى عام 1946 سجل نصف خاتمة من المصحف المرتل للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وكان مقرئا لمسجد عمر مكرم منذ عام 1953 إلى أن أصيب بشلل نصفى ومات وهو يصلى الفجر فى السادس من فبراير عام 1969 عن سبعة وأربعين عاما فقط.

الشيخ سيد محمد النقشبندى من أهم الأصوات وأقدرها وأشهرها فى قراءة القرآن والتواشيح.. ولد عام 1920 بمركز طلخا بمحافظة الغربية عن أسرة شديدة التدين فى سوهاج، اشتهر فى الصعيد وذاع صيته ثم انتقل إلى طنطا، ونقشبندى هى كلمة فارسية تعنى نقش القلوب.

ارتبط صوته العذب بشهر رمضان وصار أحد معالمه المتميزة الخاصة، كان صاحب حنجرة قوية عذبة جذابة.. يعشق الشيخ على محمود ويعتبره مثله الأعلى وفى فن الإنشاد بالشيخ محمود صبحى والشيخ محمد الفيومي.. فكان يغلف صوته حزن عميق فبرع فى غناء القصائد من أهمها هزيمة البوصيرى وديوان ابن الفارض.

توفى الشيخ النقشبندى فى فبراير عام 1976 إثر أزمة قلبية عن عمر ستة وخمسين عاما.

نصر الدين طوبار أحد أعلام فن تلاوة القرآن والإنشاد الدينى ولد عام 1920 بالمنزلة بمحافظة الدقهلية، كان والده وراء تنمية موهبته عندما اكتشف جمال صوته.. كان يتردد على منزل الشيخ إبراهيم الفران أكبر منشد فى ذلك الوقت.. إلا أن الشيخ طوبار فشل فى اجتياز اختبار لجنة الإذاعة ست مرات، فعاد إلى منزله مرة أخرى وطرق باب الإنشاد الديني.

وكان الفنان زكريا الحجاوى صاحب الفضل فى اكتشاف الشيخ نصر الدين طوبار فألحقه بقوافل الثقافة الشعبية والتى طافت الريف المصري.

توفى الشيخ الشهير فى نوفمبر عام 1986 عن ستة وستين عاما.

سيظل هؤلاء جميعا رغم رحيلهم ومرور سنوات عديدة على ذلك فى ذاكرة المصريين وأرواحهم محفورين فى قلوبهم وسيظل فن الإنشاد الدينى وتلاوة القرآن أحد طقوس شهر رمضان وإحدى العبادات المفضلة لدى الجميع.