ميثم راضى : الشِّعر يحاول الصمود فى هذا العصر حوار  : أحمد عايد   ميثم راضي: شاعر ورسام كاريكاتير عراقى بتمتع بشعبية كبيرة، ولد عام 1974، يُقيم فى مدينة ميسان

222

ميثم راضى : الشِّعر يحاول الصمود فى هذا العصر

حوار  : أحمد عايد

 

ميثم راضي: شاعر ورسام كاريكاتير عراقى بتمتع بشعبية كبيرة، ولد عام 1974، يُقيم فى مدينة ميسان بالعراق. صدر ديوانه الأول «كلمات رديئة» عن منشورات المتوسط نهاية 2015.

= يقول الإمام الجنيد: «واشوقاه إلى أوقات البدايات». ما بدايات ميثم راضي… البدايات الحياتية، والبدايات الكتابية؟

– البدايات الكتابية حدثت معى منذ سنوات طويلة جدًّا رغم أننى لم أقم بالكتابة فعليًّا إلا قبل خمس سنوات. حدثت تلك البدايات قبل دخولى الجامعة، عندما قادتنى الصدفة أو الحظ للتعرف على مجموعة من الأدباء الشباب فى مدينتي، كانوا أكبر منى عمرًا ويملكون شغفًا جميلا بشيء اسمه قصيدة النثر وبالحداثة. ما زلت أتذكر تلك الأمسيات التى يتناقشون فيها ويقرءون نصوصهم لبعضهم البعض. كنت حينها أستمع تقريبًا بكل خلايا عقلى وروحي. ثم جربت أن أكتب قصيدة النثر… وفعلا كتبت خمسة نصوص أو ستة، واستحسنتها المجموعة.

ولكن شيئًا ما حدث، جعلنى أتوقف تمامًا عن الكتابة، وأستثمر ما أعرفه عن مفهوم الحداثة وقصيدة النثر فى إنتاج لوحات كاريكاتيرية. وبقيت هكذا لعشرين سنة تقريبًا: أرسم وأرسم، وتخليت نهائيًّا عن فكرة الكتابة. لكننى كنت أراقب الإنتاج الأدبى عمومًا والشِّعرى بصورة خاصة، وأدرسه وأناقشه بينى وبين نفسي. فترة المراقبة هذه كونت فكرتى عن الكتابة.

بعد عشرين عامًا من المراقبة تقريبًا: عدت للكتابة فى عام 2011.

= أنت رسام كاريكاتير. أيهما ميثم؟ الشاعر أم رسام الكاريكاتير؟ وأيهما أسبق؟ وهل تسد الكتابة ما لا يسده الرسم؟ أو يسد الرسم ما لا تسده الكتابة؟

– لنتفق أولا أننى لست رسامًا محترفًا لا بالمعنى الفطرى ولا بالمعنى الأكاديمي. مثلا أنا لا أعرف ولا أستطيع أن أرسم لوحات زيتية أو مائية، ولا أعرف أن أرسم بورتريهات أو مناظرَ طبيعيةً. أنا فقط طورت بعض المهارات البدائية فى الرسم؛ لأقوم بإنتاج لوحات الكاريكاتير. وعندما حاولت أن أتعلم الرسم، لم يسمح لى الأستاذ الكبير على المندلاوى بذلك، وأخبرنى بأن قوتى فى الكاريكاتير تكمن فى الفكرة، وأن تعلمى لتقنيات الرسم والتلوين سيشوّش على طريقة ابتكارى للفكرة.

لنعد إلى سؤالك، واسمح لى بأن أجيبك دون تسلسل… الأسبقية كانت للكتابة بالتأكيد كما أخبرتك فى السؤال الأول. أسبقية الكتابة على الرسم عندى ليست أسبقية تاريخية فقط، أو زمانية، بل أسبقية فكرية وشعورية.

أما بخصوص ما تسده الكتابة وما يسده الرسم، بالنسبة لى ليس هناك شيء لا تسده الكتابة، خصوصًا قصيدة النثر؛ فهى قادرة على أن تقول كل شيء، ولكن الكاريكاتير لا يملك هذه الميزة الكبيرة… ميزة الكاريكاتير أنه عندما يقول شيئًا، فإنه يقوله بصوت عالٍ، وبلغة يفهمها الجميع، ولكنه رغم ذلك لا يستطيع أن يقول كل شيء.

نعم هناك مواضيع سيكون من الأجدى أن نقولها عبر الكاريكاتير، كالمواضيع السياسية والدينية والأحداث الاجتماعية. الكاريكاتير يتحدث عن الأشياء الكبيرة فى هذا العالم.

أما قصيدة النثر، فإنها تتحدث عن الأشياء الكبيرة، وعن تلك الأشياء الصغيرة جدًّا التى لا يراها أحد.

أما أيهما ميثم؟ الكتابة أم الرسم؟ لو كنت تقصد أيهما أنا شغوف به أكثر وأيهما أنا أفكر به أكثر، فالجواب هو: الكتابة بالتأكيد.

أما لو كنت تقصد أيهما يحمل ملامح أكثر من ميثم، فهو: الكتابة بالتأكيد.

لكن لو كنت تقصد أيهما أرى نفسى فيه مبدعًا أكثر، فهو: الرسم.

أنا لا أستطيع أن أقتنع بنفسى كاتبًا ولو بعد ألف كتاب؛ لأنك كلما كتبت اكتشفت أنك لم تقل شيئًا.

= اللغة… ماذا تعنى لرسام كاريكاتير من المفترض أن الكلام لديه يشغل حيزًا أقل بكثير؟

– الرسم والموسيقى والنحت والتمثيل بل حتى العِلْم هى مناجم ندخلها للبحث عن معدن اللغة الغالي.

كرسام كاريكاتير، أحاول دائمًا أن أرسم لوحات صامتة تمامًا، ولكنها تحيل المتلقى إلى كلام كثير.

= من يقرأ «كلمات رديئة» سيعرف وسيدرك أنك خارج من جحيم الحرب. كيف ترى العراق الآن؟ وما دور الثقافة بمفهومها الأعم فيما يدور فى العراق؟

– نحن لم نخرج من هذا الجحيم…

كيف أرى العراق الآن؟ يا له من سؤال رهيب وحزين وصعب. أعتقد أن العراق الآن يشبه اليتيم… كلنا نبكى عندما نشاهده، ونحاول أن نربت كتفيه ونمسح على رأسه، لكن لا أحد منا يفكر أبدًا بأن يصطحبه معه للبيت ويتبناه.

الثقافة دورها خطير جدًّا فى العراق؛ لأننى أعتقد أن جذور كل هذه الحروب والكراهية هى جذور ثقافية.

= فى كثير من قصائدك توجه أصابع الاتهام للمجتمع والوالدين. لماذا؟

– أعتقد أنك لا تتحدث عن نصوص كلمات رديئة بصورة خاصة، إنما عن مجمل نصوصى المنشورة فى الفيس بوك. بصراحة فاجأتنى صيغة السؤال؛ لأننى لم أفكر أبدًا بالاتهام. هو ليس اتهامًا للمجتمع أو الوالدين، إنما إشارة إلى أن الخراب هنا، وأن الحل هنا.

= محمود درويش كان يقول: «إن الكتابة عن الحب أثناء الحرب هى مقاومة أيضًا». وفى «كلمات رديئة» يحضر الحب بكثرة. حدثنا عن الحب فى حياتك وعن الحب فى زمن الحرب؟

– يسرنى أنك رأيت الحب بكثرة فى «كلمات رديئة». الحب فى الحروب الواضحة هو مقاومة كما قال درويش بالضبط. لكن الحروب لم تعد واضحة أبدًا… أنت لا تعرف لماذا تُقتل؟ ولماذا تقتل؟ الحب هنا ليس مقاومة، بل هو فرار نبيل.

= أنت غزيز الإنتاج والكتابة. وكل من يتابع صفحتك على الفيس بوك يعرف هذا. لماذا إذنْ خرج الديوان صغير الحجم إلى هذا الحد؟

– إنه بمثابة تحية… أعتبره أننى قلت مرحبًا فقط بلغة الكتب. لكن أتعلم يا صديقي؟ مرحبًا تبعها تلعثم عميق. إنها مثل أن تقول مرحبًا لسيدة جميلة جدًّا، ثم لا تعرف ماذا تقول بعدها. هذا ما يحدث معى الآن بعد أن قلت مرحبًا للمتلقى والقارئ، تلعثمت. فالمتلقى والقارئ كانا جميلين جدًّا عكس كل الشائعات الثقافية التى كانت تتهم هذا المتلقى بالقبح.

= قصائدك التى بلغت الستين فى الديوان قصيرة فى الأغلب. لماذا تلجأ إلى القصيدة القصيرة أو الومضة؟

– شكرًا لك على هذا السؤال الجميل. أنا لا أوافق على مصطلح الومضة فى الأدب. الومضة إنارة لحظية، وثمة نصوص قصيرة تبقى إنارتها للأبد.

أنا تعمدت كتابة النصوص القصيرة لسببين: الأول- أننا نعيش فى عصر ولحظة ثقافية تكافح فيهما القراءة؛ للصمود أمام الصورة والشريط وكل متع العالم الأخرى. ولهذا فإن النصوص القصيرة هى مناورة كتابية للصمود أكثر. الثانى وهو الأهم- أن الثقافة المنتشرة فى بلداننا وداخل مختلف الطبقات، وأعنى هنا تلك الثقافة السلبية التى تدعو للكراهية والتعصب والحكم على الآخرين والعداوة والتقديس ومحاربة الحريات، هى ثقافة قائمة على نصوص قصيرة مقدسة وشعبية. وأنا أتصور أن إنتاج نصوص قصيرة، سيكون أجدى من النصوص الطويلة؛ لمشاكسة تلك الثقافة.

= مَن ممن قرات لهم أثروا فيك؟

– سأحاول أن أكون متسلسلا هنا: السياب، مظفر النواب، عبدالعظيم فنجان، تشارلز سيميك، عماد أبو صالح، كاظم الحجاج وعدنان الصائغ…

= ما ملاحظاتك عن تجربة النشر الأولى؟ وهل لديك مخطوط جاهز للنشر؟ وهل تفكر فى تجربة نشر ديوان مزين برسوماتك؟

– التجربة الأولى مخيفة عندما يفشل الكتاب، ومخيفة أكثر بكثير عندما ينجح. عندى مواد تكفى لإنتاج كتابين على الأقل، ولكننى الآن لا أفكر بالكتاب الثانى أبدًا. أفكر أكثر بالكتاب الأول وأحاول دراسته مجددًا ونقده.

أما بالنسبة لعمل يجمع بين رسوماتى ونصوصي، فلا أتصور أننى فى يوم ما سأقوم بفعل ذلك.