د. أحمد خيرى – أستاذ بآداب عين شمس   عرفت مصر منذ بدأت البعثات الى الغرب وعودة أبنائها المتخصصين فى علم النفس وتوليهم التدريس فى جامعات مصر وإنشائهم الأقسام المتخصصة

laila-souif.jpg66_0

د. أحمد خيرى – أستاذ بآداب عين شمس

 

عرفت مصر منذ بدأت البعثات الى الغرب وعودة أبنائها المتخصصين فى علم النفس وتوليهم التدريس فى جامعات مصر وإنشائهم الأقسام المتخصصة فى آداب القاهرة وعين شمس والاسكندرية جيلامن الرواد الذين كانوا ينتمون لمدارس ونظريات غربية وقد حملوا إلى جانب الإطار العلمى صراعات فكرية نشأت نتيجة اختلاف الرأى والرؤية.

فى جامعة عين شمس أنشأ مصطفى زيور قسم علم النفس الذى غلب عليه تيار التحليل النفسى «ولا يزال» بينما أنشأ مصطفى سويف قسم علم النفس بآداب القاهرة منتميا للمدرسة السلوكية ولواحد من أعلامها وهو هانز أيزنك وكما حدث من صراع واختلافات بين فرويد وتلاميذه أتباع التحليل النفسى وبين واطسون وتلاميذه أتباع السلوكية تكرر الأمر ذاته بين زيور وتلاميذه ومصطفى سويف وتلاميذه أيضا ولم تكن الخلافات شخصية ولكنها خلافات فى القناعات والتوجهات.

ولقد عطلت هذه الخلافات آنذاك سبل التعاون المثمر بين الجامعتين إلا أنه مع مرور الأيام عاد الصفاء والتعاون بين القسمين وإن كنا لم نزل فى حاجة الى المزيد.

كان سويف صاحب مدرسة علمية منضبطة واضحة الملامح تقوم على معلم واضح الرأى والرؤية يلزم من يدخل فى رحابه بالدقة والمثابرة والجدية والصرامة جعلت تلاميذه فى حالة جهاد مع انفسهم حتى يحققوا ما كان يتمناه لهم استاذهم، الى جانب حسن ودقة اختيار المريدين كانت القضايا النفسية التى انشغل بها سويف فى بادئ الأمر تقع فى مجالى المخدرات والإبداع، ولقد اندفعت – بعد تخرجى وتعيينى معيدا فى كلية الآداب بجامعة عين شمس – نحو لقائه سائلا إياه لماذا توقفتم عند هذه القضايا ومصر لديها من الهموم الكثير؟ ساعتها ابتسم ودعانى إلى لقاء ضم أساتذة قسم علم النفس بجامعة القاهرة، وفى معمل علم النفس راح يستمع اليِ متفهما وأجاب بروح الأب والمعلم والانسان وخرجت من عنده وأنا أحنى رأسى احتراما وإجلالا.

كان سويف أيضا أحد كبار مفكرى عصره وكانت مجلة الهلال منبرا لكبار المفكرين وكان هو أحد ألمع كتابها تتسم كتاباته بالعمق والثراء الفكرى المتجدد. ولعلى لا أكشف سرا ان ذكرت ان بداياته وتوجهاته مصطفى سويف الأولى كانت أدبية وأنه ألف بعض القصص والروايات وقد توقف عن ذلك تماما عندما تفرغ للعلم معتبرا أن للأدب طريقا مختلفا لا ينبغى ان يسير فيه.

وكيف ننسى رئاسته لأكاديمية الفنون وقيامه هو وتلاميذه بوضع مقاييس لاكتشاف المبدعين من المتقدمين للالتحاق بها وبهذا يرجع له الفضل فى وضع حجر الأساس العلمى فى الاختيار للتخصص فى الفنون، سابقا بذلك الجامعات المصرية التى تدفع الآن ثمن هذا التأخير.

وهاهو يرحل عنا وقد ترك من بعده أساتذة ومفكرين وعلماء فى القاهرة والجامعات الأخرى وسنظل نذكر له أنه فى الوقت الذى كان حلم الأساتذة الإعارة الى جامعات الخليج طلبا للمال ظل هو صامدا ولم يضعف أمام كل الإغراءات التى قدمت له داعيا تلاميذه إلى الاقتداء به.

وأختتم كلماتى.. بالرغم من أن مصطفى سويف كان عالما لا يشق له غبار ومعلما وأستاذا وإنساناوله رصيد علمى لا يقدر عليه الا اولى العزم، إلا أنه قد أنجب «أهداف» وليلى وعلاء وأحفاده الذين حملوا شعلة الثورة فأضاءوا مصر وخلصوها من الظلام. سلام على مصطفى سويف سلام على آل سويف فى العالمين.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 835 الثلاثاء 5 يوليو 2016