أ.د. إلهام عبد الرحمن خليل   يقرر تاريخ العلم والمعرفة بأن أرسطو طاليس هو أعظم فيلسوف جامع لكل فروع المعرفة الإنسانية فى تاريخ البشرية ويمتاز عما سبقه من الفلاسفة كأفلاطون

مصطفى سويف

أ.د. إلهام عبد الرحمن خليل

 

يقرر تاريخ العلم والمعرفة بأن أرسطو طاليس هو أعظم فيلسوف جامع لكل فروع المعرفة الإنسانية فى تاريخ البشرية ويمتاز عما سبقه من الفلاسفة كأفلاطون بدقة منهجه واستقامة البراهين والأدلة وأيضا الاستناد إلى التجربة الواقعية، فهو واضع علم المنطق كله تقريبا ولذا لقب بالمعلم الأول، ويأتى أبو نصر محمد الفارابى ليكون المعلم الثانى نسبة للمعلم الأول أرسطو، وأطلق عليه هذا اللقب بسبب اهتمامه بالمنطق لأن الفارابى هو شارح مؤلفات أرسطو المنطقية. ولن أجادل فى هذا الأمر بالطبع لكن إذا كان المعلم الأول لقّب بذلك لأنه صانع المنطق، ولقب المعلم الثانى بذلك لأنه شارح لأعمال الأول. فأعتقد أن لدى الحق أن أدعى بأن الدكتور مصطفى سويف هو المعلم الثالث، من حيث انجازاته الفكرية والعلمية التى أثرت فى المعرفة عامة وفى مجال علم النفس خاصة، وأيضا على مستوى التكوين الشخصى والعلمى لكل باحث حقيقى فى علم النفس. فالدكتور سويف لم يكن شارحا لعمل مفكر ما، ولكنه هو المفكر، العالم، الباحث، المؤثر فى مجاله الفكرى والعلمي. وسوف يعطيه التاريخ العلمى حقه فى التمجيد إن عاجلا أم آجلا إن شاء الله.

لم أنل شرف التلمذة فى مرحلة الليسانس على يد العالم الجليل الدكتور مصطفى سويف، إلا أننى اقتنصت هذا الشرف عند دراستى بجامعة القاهرة بدبلوم علم النفس التطبيقى عام 1987. وهنا كانت نقطة تحوّل فى مسار تفكيرى الأكاديمى والسلوك البحثي. فهنا لم أنهل من علمه فقط، ولكنه علمنى كيف يكون الانضباط والإدارة فى الفكر قبل الوقت، وذلك من خلال كيفية عرض فكرة متسلسلة ومتراكبة بصورة بسيطة وفى نفس الوقت فى زمن محدد مسبقا. كما علمنى كيف يكون العطاء العلمي، فلا أنسى حين قرأت فى كتابة علم النفس الحديث مصطلح “الادراك اللاشعوري” «الذى كان مبهما لى حينئذ»، وسألته المزيد عن هذا المصطلح، فما كان منه إلا أن أتى لى بأسماء عدد من المراجع فى المحاضرة التالية تتناوله تفصيلا، ليكون ذلك بدايتى فى الاهتمام بالموضوع ومن ثم البحث فيه بالماجستير والدكتوراه وما بعدها، وبالرغم من أن سيادته لم يشرف عليّ إلا أنه دائما ما كان يتابعنى ويعطينى المزيد من علمه وجهده. فسيادته رمز للمتفانى فى خدمة العلم، ودأب لا يعرف الكلل فى الاهتمام والرعاية لتلامذته وكل مّن يطلب العلم.

الدكتور سويف المجسّد لقيمة الجمال: ولأن الجمال هو أحد السبل لتقدم الأمم، اهتم منذ دراسته فى المرحلة الجامعية بالفلسفة خاصة فلسفة الجمال «فلسفة الجمال هنا كانت بمثابة نقطة الاتصال بين اهتماماته الأدبية، حيث كان كاتبا للقصة القصيرة والشعر العمودي، وبين الفكر الفلسفى المنظم»، وقد تحوّل هذا الاهتمام تحت تأثير علاقته وتلمذته على يد الدكتور يوسف مراد إلى الاهتمام بـ “سيكولوجية الابداع فى الشعر” تحت تصور لديه أن ذلك لن يبعده عن علم الجمال، إلا أنه تبين لسيادته بعد ذلك أنه خرج تماما من علم الجمال «الذى يهتم بالتلقى وليس الابداع». وهنا كانت نقطة الانطلاق نحو الاهتمام بالدراسة النفسية للإبداع، فكوّن مدرسة كبيرة من تلامذته تناولت دراسة الابداع من كل جوانبه؛ العملية الإبداعية ومراحلها وتطورها، وهل تتباين تلك العملية وفق تباين أنماط الابداع، طبيعته فى حالات السواء والمرض، طبيعته عبر المراحل العمرية، كيف تتم تنميته، كما أن تلك المدرسة اهتمت بالوجه الآخر من عُملة الابداع وهى التذوّق الجمالى والأحاسيس الجمالية فى نفس الجوانب التى تمت دراستها للإبداع. وتتويجا لمدرسته الإبداعية أسس سيادته أكاديمية الفنون المصرية وكان أول رئيسا لها «1968/ 1971». ومن ثم يعتبر الدكتور سويف هو رائد دراسات سيكولوجية الابداع والتذوق الجمالى فى مصر والوطن العربي.

الدكتور سويف القدوة العلمية: المتفحص للنمو الفكرى والأكاديمى للدكتور سويف، يلاحظ أنه بدأ حياته العلمية من خلال دراسة الماجستير عن “سيكولوجية الابداع فى الشعر” ثم رسالته فى الدكتوراه عن “الأسس النفسية للتكامل الاجتماعي” التى هى بمثابة امتداد للماجستير من وجهة نظره، باعتبار أن العمل الفنى «الشعر مثلا» هو جسر بين المبدع والآخر، وكان تناوله لهذين الموضوعين تناولا كيفيا وليس كميا، مما أثار حفيظة الدكتور محمد عثمان نجاتى «أحد أعضاء لجنة الحكم والمناقشة للدكتوراه»، ومن هنا بدأ الدكتور سويف يستكشف بعض الثغرات المنهجية لديه، ولأول مرة بدأ اهتمامه بمفاهيم الإحصاء والنهج الكمى فى البحوث النفسية، الذى أدى به للسعى للسفر إلى جامعة لندن، بهدف التمكّن من الضبط العلمى ومن أدوات ومهارات أعلى مما لديه. هناك تتلمذ على يد أيزنك بمعهد الطب النفسى بجامعة لندن الذى وجهه إلى أنه “دون معرفة الإحصاء لن يتحقق أى فهم منظم لإسهامات علم النفس الحديث”، ومن هذه النقطة بدأ الاهتمام بتعلمه للإحصاء والطرق الحديثة لتحليل البيانات، والدخول فى مجال قياس الشخصية. وفى ذات الوقت بدأ اهتمامه بدراسة الاستجابات المتطرفة، وفى نهاية رحلته العلمية «سنة واحدة» بدأت بوادر ظهور تيار جديد فى اهتماماته العلمية وهو التيار الاكلينيكي، الذى تنبه له بداخله عندما جمعت الصدفة به مع شابيرو «أستاذ مساعد بالمعهد»، وعلم بوجود دبلوم لعلم النفس الاكلينيكى بالمعهد يمكن الحصول عليه، هنا يمكن للدكتور سويف من خلال هذا الدبلوم الرد على المعركة التى كانت مضرمة بينه وبين الأطباء النفسيين قبل سفره عن مدى إمكانية ممارسة المشتغل بعلم النفس للعلاج النفسي، وهل يجب أن يمارسه الطبيب النفسى فقط بصورة منفردة؟ فكانت الفكرة بأن حصوله على دبلوم علم النفس الاكلينيكى يمكنه من معرفة معالم التأهيل التى تؤهل المتخصص فى علم النفس للاشتغال بالعلاج النفسي. يلاحظ أن هذه الفقرة سردت الخطوط العريضة لسيرة الدكتور سويف الذاتية من عام 1946 «تسجيله لرسالة الماجستير» إلى عام 1957«عودته من لندن»، أى لمدة إحدى عشرة سنة فقط، تلك السنوات التى يجب ان يعتبرها الباحثون المبتدئون حاليا بمثابة هادية منيرة لهم لكيف يكون الباحث، وأنه يجب عليهم أن يعلموا أن التعلم هو حالة ديمومة من السعى النهم للعلم فلا يتوقف عند نقطة معينة مثل الحصول على درجة علمية «دكتوراه أو أستاذية»، وأن يطوّروا ذاتهم، ويكون لديهم القدرة على النقد الذاتي، ذلك النقد الذى يسهم فى بناء هويتهم العلمية، كما يجب أن يكون التعلم فى حالة حوار مع متطلبات المجتمع، حيث يجب على الباحث تعلم الأدوات العلمية «مثالنا هنا مهارات المعالج النفسي» التى تطلبها احتياجات المجتمع الذى يعيش فيه «الممارسة العلاجية للاخصائى النفسي».

الدكتور سويف العاشق للوطن: فعندما يتفحص أى شخص السيرة الذاتية للدكتور سويف، يجد أنه دائما مهموم بقضايا الوطن، ومن ثم كرّس تعلمه وعلمه من أجله، فلم يغادره طلبا للمال أو الشهرة، لكن دائما عند مغادرته يكون بحثا عن الاستزادة أو العطاء العلمي، ويظهر ذلك جليا عندسفره إلى جامعة لندن لدراسته فى دبلوم علم النفس الإكلينيكى «1955 /1957»، وعندما دعيكباحث زائر بمعهد الطب النفسى بجامعة لندن سنة 1963 / 1964، وجامعة لند بالسويد سنة 1972، والعديد من المؤتمرات الدولية. هذا العشق للوطن جعله يغوص فى أهم مشكلات المجتمع المصرى فبدأ بدراسة التطرف فى الاستجابة من كل جوانبها وصولا إلى نموذج نظرى لها، الذى تم التأكد منه بسلسلة من الدراسات العربية والأجنبية «هانز برنجلمان، أستاذ علم النفس بمعهد ماكس بلاك بألمانيا، وبرندرخت فى هولندا، وجاجانات داس فى الهند»، كما أجرى سيادته بعضا منها، كما اهتم بمشكلة مجتمعية أخرى ألا وهى الإدمان وكانت النتيجة سلسلة بحوث أوضحت طبيعته وأسبابه وكيفية مواجهته من خلال البرنامج الدائم لبحوث تعاطى المخدرات بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الذى كان رئيسا له، وأيضا من خلال رئاسته للجنة المستشارين العلميين بالمجلس القومى لمكافحة وعلاج الإدمان، وعضويته بلجنة الخبراء الدائمة لبحوث تعاطى. كما سعى وبجهوده الناجحة إلى إنشاء دبلوم علم النفس التطبيقى بجامعة القاهرة لتطوير مهارات الاخصائى النفسى فى المجالات التطبيقية خاصة فى المجال الاكلينيكى وهذا كان وما يزال يتطلبه المجتمع المصري. ثم جاءت للدكتور سويف فرصة أخرى لخدمة الوطن وذلك ببدء ترسيخ دور الاخصائى النفسى الاكلينيكى بأنه ليس قياسا فقط وتزويده بأدوات ومهارات تجعله أكثر فعالية فى المجال، ومن ثم التواصل الخدمى والبحثى بين الاخصائيين النفسيين والأطباء النفسيين، مما زاد من جودة الخدمة النفسية، وهذا عندما تم اختياره رسميا فى يونيو 1967 مستشارا لوزارة الصحة لتنظيم خدمات علم النفس الاكلينيكى ومسئولا عن اختيار وتدريب الاخصائيين النفسيين للعمل بالعيادات النفسية ومستشفيات الأمراض النفسية والعقلية.

الدكتور سويف المدرسة: هو مؤسس قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة القاهرة وأول رئيس له «بين عامى 1974 و1984»، ذلك القسم الذى شرف بأن كوّن الدكتور سويف مدرسته العلمية من خلاله، فإذا تم استخدام المنهج المسحى على إجمالى 62 جامعة وأكاديمية «26 جامعة حكومية، 4 جامعات أهلية، 20 جامعة خاصة، و12 أكاديمية» والمراكز البحثية فى مصر، ستجد مدرسة الدكتور سويف منتشرة فيها جميعا، فلا توجد جامعة دون عضو هيئة تدريس تتلمذ على يديه وتعاطى فكره بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ما سبق لمحة ضئيلة جدا «نقطة فى بحر» عن الدكتور سويف، ومن يطلع على مسيرته العلمية والفكرية بقدر من التفصيل سيقرر بأنه كان وسيظل رائدا فى مجال علم النفس ونموذجا مجسدا لقيم الحق، الخير، والجمال، والمعلم الثالث فى تاريخ العلم والمعرفة. وأنه مات بجسده فقط، ولكن علمه وفكره الزاخرين سيظلان صدقة جارية له فى الدنيا، وبهذا الفكر والعلم سيظل حيا فى نفوس كل من له علاقة من قريب أو من بعيد بعلم النفس.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 835 الثلاثاء 5 يوليو