إعداد: سامح فايز   فى عام 2014 صدر كتاب من جزأين للدكتور مصطفى سويف عن المجلس الأعلى للثقافة بعنوان “عوالم متداخلة – يوميات فى الشأن العام والشأن الخاص” والكتاب الذى

811

إعداد: سامح فايز

 

فى عام 2014 صدر كتاب من جزأين للدكتور مصطفى سويف عن المجلس الأعلى للثقافة بعنوان “عوالم متداخلة – يوميات فى الشأن العام والشأن الخاص” والكتاب الذى لم يحظ بما يستحق من اهتمام تضمن يوميات كتبها  الراحل سجل ورصد فيها أحداثا يومية بين السياسة والثقافة والحياة الخاصة، وفى هذه المساحة جمعنا يوميات الدكتور سويف الخاصة بالمشهد الثقافى المصرى فى نصف قرن وتعليقاته عليها.

 

18 يوليو 1981

أول يوم فى سن الثامنة والخمسين.

قضيت فى الإسكندرية يومين، وعدت هذا الصباح، وسأسافر إلى لندن صباح الثلاثاء 21 يوليو.

ماذا يعنى بلوغ الثامنة والخمسين بالنسبة لي؟

يعنى ما أفعله الآن، وما آمل أن أفعله، وما أنجزته حتى الآن

 

19 /7/ 1981

ويعنى كذلك صورتى أمام عيني، وامام الآخرين.. تلامذتى وزملائي، ومن أحبهم على اختلاف مراتبهم.

ما زلت أحب مواويل عبد الوهاب القديمة، وقصائده وأدواره التى أنتجها فى العشرينات والثلاثينات، وما زلت أستمع إليها بشغف.

وما زلت أستمع إلى موسيقى بيتهوفن، وتشايكوفسكي، وباخ، وما زلت أسعد جدا وأنا أستمع.

وما زلت أفكر فى مشروعات جديدة، وآمل أن أتم مشروعات بدأتها.

………. “كأنى سأعيش عمرا لا ينتهي!”

 

14 /8/ 1981

توفى الشاعر صلاح عبد الصبور فجر اليوم.

وقال لى الدكتور عبد المحسن إن وفاته كانت اثر أزمة قلبية انتابته أثناء زيارته للشاعر أحمد عبد المعطى حجازي، وقد احتدم النقاش بينه وبين “بهجت” الفنان الذى يعمل فى روز اليوسف.

 

9/12/1984

رشحنى مجلس الكلية، فى جلسة أمس، لجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية، ولم أكن حاضرا فى الجلسة، ولم أكن أعلم بهذا مسبقا. وقد سبق أن رشحنى شباب قسم علم النفس برغبتهم فى أن يرشحونى لهذه الجائزة، وكان ذلك منذ خمس سنوات، ورفضت وفى مثل هذا الوقت من كل عام بعد ذلك كانوا يفاتحونني، وكنت أرفض، وآخر مرة رفضت كان منذ أسبوعين أو ثلاثة، أثناء انعقاد جلسة مجلس القسم لشهر نوفمبر.

 

وفى البداية كان الدافع للرفض يغلب عليه الحياء، لا أريد أن يقال إن قسم علم النفس يرشحنى لأنى رئيسة، لكن الأمر تطور بعد ذلك، فأضيف إلى دافع الحياء دافع الشعور بأن الجائزة يتضاءل شأنها يوما بعد يوم، والذى أقنعنى بذلك قامة الأسماء التى رشحت لها والتى نالتها فى السنوات الأخيرة، ومع ذلك فعندما علمت بالأمس أن مجلس الكلية رشحنى لم أتضايق، ولم أغضب، بل على العكس من ذلك غمرنى شعور سار جدا، لما ينطوى عليه هذا التصرف من معنى النبل. الأغلبية يطيب لهم أن يكرموني.

 

27/2/1985

 

أقام نادى هيئة تدريس جامعة القاهرة (لأول مرة) حفل تكريم للأساتذة الذين أحيلوا إلى المعاش فى خلال الشهور الأخيرة، واعتذر عن عدم الحضور الدكتور حسن حمدى رئيس الجامعة لكثرة مشاغله!

 

وأقامت رئاسة الجمهورية حفل تكريم (لأول مرة) لعدد ممن أسموهم كبار الصحفيين؛ أمينة السعيد، وأنيس منصور، وموسى صبري، وعبدالله عبد الباري، وصبرى أبو المجد، لإحالتهم إلى المعاش فى الشهور الأخيرة، وحضر الحفل رئيس الجمهورية، وعدد من الوزارء، ورئيس مجلس الشورى، ووزعت على الصحفيين أوسمة رفيعة، والعبرة لمن يعتبر!

 

7/11/1985

 

مات فؤاد حداد، الشاعر، والمكافح اليساري، منذ بضعة أيام.

 

وفجأة اعترف به السادة الأفاضل، وذوو الأقلام، وذوو المساحات الثابتة فى الجرائد اليومية.

 

رثاه أحمد بهاء الدين، وأحمد بهجت، واعترف أحمد بهجت أن فؤاد حداد كان يهديه كتبه ودواوينه بمجرد صدورها، ولكن لا هذا ولا ذالك ولا غيرهما تكرم بالاعتراف أو التكريم أثناء حياة الرجل، ناهيك عن أن أحدا منهم لم يتكرم بالكلمة الواجبة يوم كان الرجل بحاجة إليها، أثناء الفترات الطويلة التى قضاها فى السجن أو الاعتقال. الآن لا خوف من إعلان كلمة الحق، لأنها لن يترتب عليها أى فعل!!

 

31/8/1986

 

توفى اليوم هنرى مور، النحات البريطانى العظيم، وقد بلغ الثامنة والثمانين، واحد من الذين شكلوا ذوق إنسان العصر الحديث.

 

1/9/1986

 

ومنذ ثلاثة أيام توفى الدكتور محمد أنيس، أستاذ التاريخ الحديث، وكان فى صدر شبابه إمكانية طيبة للمؤرخ الذى يكتب بعلم وبوعي، ولكنه أهدر إمكانياته! وعندما توفى كان فى إحدى الدول الخليجية. ولم يأخذ نفسه مأخذ الجد، ولم ينم علمه، ولم يختر طريقا واحدا للتركيز فيه، ولم ينأ بنفسه عن المغريات المشتته، ولم يتحاش المعارك التافهة التى تفتت الطاقة وتبعثرها. هذه بعض الفروق الرئيسية بين إمكانيات تبدأ لدينا فى مصر؛ وإمكانيات تبدأ فى بلد مثل انجلترا. الأولى تنتهى إلى مثل ما انتهى إليه محمد أنيس، والثانية تنتهى إلى مثل ما انتهى إليه هنرى مور.

 

23/9/1986

 

شاهدت أمس مساء برنامج “شريط الذكريات” الذى يقدمه فاروق شوشة على شاشة التليفزيون ليقدم به تأريخا تليفزيونيا أو نوعا من السيرة الذاتية لعدد من كبار المفكرين والمثقفين المصريين. كانت الحلقة عن عبد العزيز القوصي. أقصى ما عند الرجل هو الاسهام العلمى الذى قدمه أثناء دراسته للدكتوراه، التى نالها سنة 1935، ويتلخص فى عزل العامل k من بين عوامل العقل. وباسم هذا الإسهام أناخ الرجل بكلكة على حقل العلم التربوى فى مصر 51 سنة!! وللأسف الشديد أن هذا يتكرر، فى حالة رجال كثيرين. لا شىء سوى ما فعلوه فى الدكتوراه، وتمر بعد ذلك عشرات السنوات، ولا شىء يضاف. أى فقر فى العقول وفى الرجال.

أحد عناصر التخلف فى مجتمع مثل مصر!!

10/ 10/ 1986

توفى شادى عبد السلام، وشيعت جنازته اليوم، ولم أقرأ فى أى مصدر مصرى أنه كان يعانى طيلة الأعوام الخمسة الماضية مرض السرطان، كأنما الإصابة بالسرطان معرة، كنا نعرف فقط أنه يعاني، واليوم فقط عرفت من راديو لندن. ورغم أنه أخرج فيلما روائيا واحدا، وهو “المومياء”، ومجموعة محدودة من الأفلام الوثائقية؛ فقد احتل بجدارة مكانته فى مقدمة المخرجين السينمائيين المصريين وقد نال فيلمه “المومياء” 16 جائزة عالمية اثر عرضه فى مهرجان فينيسيا. وكان يستعد لإخراج فيلم عن اخناتون، وكان يصنع الحلى اللازمة بنفسه، وكان الفيلم يحتاج إلى مليونى جنيه لكى يمكن إخراجه. هذا مثال لرجل عاش مخلصا لفكرة وعمله، فى مجتمع يعانى الفقر والتخلف والفساد. كنت أود أن أسير خلف نعشه، تكريما له كنموذج، لكننى عجزت لمرضى وملازمتى للفراش.

9/2/1987

نشرت هيئة الكتاب مجلة جديدة باسم “ علم النفس”، برئاسة تحرير الدكتورة كاميليا عبد الفتاح، ونائب رئيس تحرير الدكتور عبد الحليم محمود، وتحمل اسمى كمستشار للتحرير، وقد رجونى أن أكتب لهم مقالا لينشروه، وكتبت المقال فى حوالى 12 صفحة من صفحات المجلة، وظهر المقال وفيه حوالى 96 خطأ مطبعيا، وشعرت بالغضب والتقزز. إلى أى انحطاط بلغت الأمور لدينا، المطبعة والسادة الأفاضل المتحمسون لنشر مجلة لعلم النفس، وكتبت خطابا بذلك إلى رئاسة تحرير المجلة، وأنا الآن أفكر فى أن أطالبهم برفع اسمى من منصب مستشار التحرير.

13/10/1988

أعلن راديو لندن منذ دقائق فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب هذا العام، ويمتزج عندي، أمام هذا النبأ، السرور العميق ببعض المشاعر المعلقة على علامات استفهام؛ والسؤال الرئيسى هنا، هو: إلى أى مدى لعبت السياسة دورها فى هذا القرار؟ وعلى وجه التحديد، هل هذا القرار جزء من سلسلة ردود أفعال دولية ترتبت على ما حدث منذ بضع سنوات عندما قبل نجيب محفوظ أن يلتقى بالسياسى الإسرائيلي، نافون عندما زار مصر (والتقاه عندئذ عدد من الكتاب والمفكرين المصريين) وكان ذلك فى بداية محاولات مستميته لتطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل؟ منذ ذلك الوقت كانت تترامى إلينا – من حين إلى آخر – شائعات حول احتمالات منح نجيب محفوظ جائزة نوبل!! أين الحقيقة؟

11/ 12/ 1988

أمس مساء كان موعد تسليم براءة وميدالية جائزة نوبل للأدب للعام 1988 لنجيب محفوظ فى ستوكهولم. بمجرد عودتى من العيادة أدرت جهاز التليفزيون وإذا بالحفل يبدأ، وشاهدت الحفل كما أذيع، حوالى الساعة 9 مساء على القناة رقم 5. سعدت جدا وأنا أستمع إلى الخطاب الناطق بلسان الأكاديمية السويدية فى تقريظ نجيب محفوظ، ثم مشهد تسليم البراءة والميدالية إلى كريمتيه أم كلثوم وفاطمة، اللتين ذهبتا للاستلام نيابة عن أبيهما. سعدت إلى درجة أن اغرورقت عيناى بالدموع، ودق جرس التليفون، وإذا المتكلم إحدى تلميذاتي، الدكتورة هند عبد البر، وهى تبكى وتقول إنها تدعو أن ترانى فى هذا الموقف. وسعدت سعادة مضاعفة، لأنى تمكنت من خلق هذه الدرجة من الحساسية المرهفة للقيم الثقافية التى يمثلها هذا الحدث فى واحدة من تلميذاتي.

12/4/1990

ولأول مرة تمنح جامعة المنصورة درجة الدكتوراه الفخرية! لمن؟ للشيخ محمد متولى الشعراوي! منحته الدكتوراه الفخرية فى الأدب، ولم تفكر فى رجل مثل نجيب محفوظ، ولا فى أى شخصية من الشخصيات الأكاديمية التى نالت جائزة الدولة التقديرية أو غيرها، فى العلوم، أو فى الاداب، أو فى الفنون! تم منح الجائزة اليوم.

6/5/1991

ومنذ شبابى الباكر (فى الأربعينات) أدركت جانبا سيئا فى عبد الوهاب. كان يغنى للملك فاروق فى نفس الوقت الذى كنا نزداد ثورة عليه ( أغنية الفن: ياللى بدعتوا الفنون وعرفتوا أسرارها..). وعندما جاءت حركة الضباط غنى لها.. إلخ، وهكذا انقسم أمامى على محور الانتهازية السياسية إلى شخصيتين كرهت واحدة منهما، وبقيت مرتبطا بالأخرى. وأمس ظهرا دفن عبد الوهاب فى مقابر الأسرة بقرافة الغفير.

10/6/1995

توفى “الشيخ إمام” (السيد/ إمام عيسى) يوم الأربعاء 7 يونيو، ونشر النعى فى جريدة الأهرام صباح الجمعة 9 يونيو وقد وقع النعى حوالى مائة وسبعين من خيرة مثقفى مصر، بينهم عدد من مثقفى الوطن العربي. وهكذا انتهى الرجل، الراوي، الظاهرة. وقد تصدر قائمة الموقعين الشاعر أحمد فؤاد نجم، وكان قد اختلف مع الشيخ إمام منذ سنوات، وانفصل الرجلان، وبدأت أسطورة الشيخ إمام تتلاشى منذ ذلك التاريخ!! نموذج للأسلوب الذى تفشل به المشروعات العظيمة لدينا!! أن تعجز العناصر اللازمة للتعاون عن الاستمرار فى تعاونها!! كيف؟ ولماذا؟

18/6/1998

توفى أمس الشيخ محمد متولى الشعراوي، أحد الأركان الرئيسية فى إشاعة المد الإسلامى فى مصر خلال الثلاثين سنة الماضية. كان يتصرف فى أداء دوره بكل الحرفية التكتيكية التى يتميز بها السياسيون المهرة، وقد تولى منصب وزير الأوقاف فى أحلك أيام الحكم الساداتي. كان يعرف كيف يتقرب إلى الحكام، وكان معظمهم يمالئونة، وكان من رأيه أن اللجوء إلى زرع الأعضاء فى بعض الحالات الطبية يعتبر اعتراضا على مشيئة الله!!

8/4/1999

اتصل بى تليفونيا وكيل أول وزارة الثقافة المشرف على مكتب الوزير يبلغنى دعوة الوزير بأن أقبل عضوية المجلس الأعلى للثقافة، ويستطلع رأيى فى هذه الدعوة، وقد عبرت عن شكرى لكن عن ترددى فى القبول وذلك لكثرة مشغولياتي، وقال الرجل إن المجلس لا يجتمع عادة إلا مرة واحدة أو مرتين على أكثر تقدير فى السنة، وتحرجت أمام هذا الرد، وقبلت مع الشكر.

21/6/2001

منذ دقيقتين اتصل بى (ح. ك.). ولم يسبق بيننا أى تعارف ولا تخاطب، ومع ذلك كانت لديه الشجاعة أن يتصل بى ليوصينى على نفسه لأنه مرشح لإحدى جوائز التفوق، وبما أننا سنجتمع فى المجلس الأعلى يوم السبت 23/6 ( أى بعد 48 ساعة ) للتصويت على الجوائز فقد رأى أن يتصرف كذلك وأخجلته مباشرة، وقلت له لماذا تسألني؟ أنت لا يجوز لك أن تسألنى عن أى شىء، وإذا أردت أن تسأل فأمامك المجلس. اسألهم هناك.

17/1/2002

دعيت للتكريم صباح اليوم، مع افتتاح معرض الكتاب، وذلك بمناسبة اعتبار كتابى “مسيرتى ومصر فى دروب القرن العشرين” أحسن كتاب فى الدراسات الإنسانية ظهر خلال سنة 2001، ولكنى لم ألب الدعوة، لأن الحفل كله لا يروقني؛ فالميول الاستعراضية عند الجميع طافحة بصورة منفرة، والفوضى ضاربة أطنابها، والإجراءات الأمنية خانقة، وأنا لا أحترم مراسم الحفل بالصورة التى تجرى بها، والتكريم الحقيقى لى هو فى تفعيل الأفكار التى أوردتها فى الكتاب المذكور وفى الكتب الثلاثة التى جرى تكريمى بشأنها فى بضع السنوات الماضية.

21/5/2003

هكذا تعامل الجوائز فى مصر؛ صباح اليوم اتصل بى دكتور ع.ل. (رئيس الوزارء الأسبق) ليعيد توصيتى على جائزة الدولة التى هو مرشح لها. تماما كما فعل فى العام الماضي، مقدما الحديث بأنه يتعلم من كتاباتى الشهرية فى مجلة الهلال!!

17/7/2013

أكملت أمس 89 عاما. واليوم أبدأ العام التسعين.

الانطباع العام عندى أننى راض عن مسيرتى على امتداد هذا العمر، ولو عاد الزمن بى إلى نقطة البداية فسأختار المسيرة نفسها، فى خطواتها الكبرى على الأقل. ربما أضع لمسة هنا ولمسة هناك على سبيل التعديل، لكن التوجه العام يبقى كما هو.

أعرف أن العمر المديد ينقلب أحيانا نقمة على صاحبه، ولكن حبى للعمل، وانغماسى فيه كان العامل الأول فى انقاذى من النقمة، أما العامل الثانى فكان أبنائى (أهداف وليلى وعلاء) بما أحاطونى به من عناية ورعاية، كل بالقدر الذى تسمح به ظروفه، ويأتى بعدهم تلامذتى الذين كونوا معى حزمة إرادات لا ينفرط عقدها، حزمة إرادات موجهة للعمل العلمى والإنجاز.

من الأمور التى أسعدتنى معايشتها أننى كنت شاهدا على أحداث ثورة 25 يناير 2011، وموجتها الثانية فى 30 يونيو 2013.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 835 الثلاثاء 5 يوليو 2016