مصطفى سويف.. العلم بروح إنسانية طلعت رضوان   تميّز الراحل الجليل د. مصطفى سويف «مواليد 17يوليو1924» بكل خصائص العالِم والمفكر الذى «وظّف» علمه لصالح أبناء وطنه، فرغم تخصصه فى علم

811

مصطفى سويف.. العلم بروح إنسانية

طلعت رضوان

 

تميّز الراحل الجليل د. مصطفى سويف «مواليد 17يوليو1924» بكل خصائص العالِم والمفكر الذى «وظّف» علمه لصالح أبناء وطنه، فرغم تخصصه فى علم النفس، ورغم كتبه العديدة فى هذا المجال مثل «الأسس النفسية للتكامل الاجتماعى» و«نحن والعلوم الإنسانية» و«علم النفس الحديث».. إلخ فإنه اهتم بالجماليات التى صاغها فى كتابه المهم «الأسس النفسية للإبداع الفنى فى الشعر» كما خصّص كتابًا عن «العبقرية فى الفن» لكن استوقفنى- بشكل خاص – أنه تفرّغ لعدة سنوات ليكتب كتابه «المخدرات والمجتمع» الصادر عن عالم المعرفة الكويتى رقم205.

وأعتقد أنه أولى هذا الموضوع عنايته نتيجة ما رآه من انتشار ظاهرة إدمان الكثير من الشباب للمخدرات، وهو ما أكّده من واقع الاحصاءات والبيانات التى اعتمد عليها، خاصة الصادرة عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية. ولفت نظرى الاهداء الذى أشار فيه إلى طه حسين ونقل عنه مقولته الشهيرة «إلى الذين يعملون ولا يؤذى نفوسهم ألاّ يعمل الآخرون»

فى شرحه لأسباب الإدمان قال إنه قد يكون السبب حالة نفسية، وأحيانًا عضوية تنتج عن التفاعل بين كائن حى ومادة نفسية، وتتسم هذه الحالة بصدور استجابات أو سلوكيات تحتوى على عنصر الرغبة القاهرة فى أنْ يتعاطى الإنسان مادة مُعينة على أساس دورى ومستمر.

وشرح أسباب انسحاب المدمن من المجتمع، وكذلك أسباب الاضطرابات النفسية والسلوكية. وأسهب فى وصف خطورة «الجرعة الزائدة» ودوافع الانتحار.

وذكر قصة الشاب الألمانى الصيدلى «سيرتورنر» الذى تمكّن فى عام 1803من عزل العنصر الفعال فى الأفيون «المورفين» وهو العنصر المسئول عن معظم الآثارالفيزيولوجية والسيكولوجية المُترتبة على تناول الأفيون، وقد انتشر استخدام المورفين بعد ذلك لأغراض طبية فى أوروبا فى عام1870. ثمّ كانت «الإبرة الطبية» اللازمة للحقن تحت الجلد فتمّ اختراعها وتواصل تطويرها. وفى سنة 1874 أمكن تخليق الهيروين معمليًا وأنّ شركة «بابر» للأدوية هى التى أطلقتْ عليه هذا الاسم سنة 1898، ثمّ بدأ ظهور التقارير الطبية عامى 1943، 1944عن استخداماته المضادة للتأثيرات المورفينية على مُدمنى الأفيون والمورفين، وتبع ذلك المزيد من الأبحاث الطبية والصيدلانية بهدف الارتقاء بهذا العلاج.

وشرح د. سويف تاريخ نشأة الكوكايين المأخوذ من شجرة الكوكا فى إسبانيا. وفى سنة 1885 اكتشف «كارل كوللر» أنّ الكوكايين يُمكن استخدامه كمخدر موضعى لإجراء جراحات العيون دون ألم. ونشطتْ البحوث فى تأثيره على الجهاز العصبى المركزى، وبالتالى دخل الكوكايين كمُنشّط فى عدد من الأدوية والمشروبات «الترويحية» ومن أشهرها مشروب الكوكاكولا عام 1886. وفى سنة 1903 تمّ استبعاد مادة الكوكايين من هذا المشروب.

وشرح باستفاضة تاريخ نشأة نبات «القات» وخطورة تعاطيه. وكذلك نشأة الشاى والبن. وتاريخ اكتشاف «الغاز المُضحك» الذى اكتشفه «جوزيف بريستلى» عام 1776وأنّ هذا الغاز يُثيرالضحك لمن يستنشقه. واستخدمه البعض بشكل تجارى، مثل إقامة حفلات لعرض «الغاز المُضحك» على المُشاهدين. وقد تطوّع لهذا الغرض 12 من الشباب ذوى الصحة الجيدة.

وفى الفصل الثالث شرح أسباب منشأ التعاطى لكل أنواع المخدرات «الصلبة والسائلة» وخصّص الفصل الرابع للحديث عن الاضطرابات النفسية المُترتبة على الإدمان. والفصل الخامس عن المشكلات الاجتماعية الناجمة عن التعاطى والإدمان، مثل معاناة أهل المُدمن، ورحلة العلاج بين الرفض والقبول، والامكانيات المادية للأسرة، خاصة ارتفاع تكاليف العلاج فى العيادات الخاصة، مع نُدرة المتخصصين فى هذا المجال، والأهم هو نُدرة المراكزالطبية الحكومية. ورغم تلك النُدرة فإنّ العلاج ليس بالمجان، وإنما بالمصاريف، بمراعاة أنها أقل من تكاليف العلاج فى العيادات الخاصة. وأشار إلى أنّ أخطر المشكلات الناجمة عن التعاطى والإدمان هى لجوء المدمن إلى ارتكاب جرائم السرقة والنصب.. إلخ وأحيانًا يلجأ إلى القتل من أجل الحصول على المال لشراء المُخدّر الذى تعوّد عليه. وفى هذا الفصل اعتمد د. سويف – بشكل أساسى – على بيانات ودراسات المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية.

والفصل السادس خصّصه للحديث عن «كيفية التصدى لمشكلة المخدرات» فرأى أهمية «تجفيف المنابع» أى ضرورة البحث الجاد عن الوسائل الفعالة لعدم دخول المخدرات مصر، أى القضاء على ظاهرة «تهريب المخدرات» ودخولها مصر بشتى الوسائل غير المشروعة، والتى نجح المُهرّبون «أباطرة تلك التجارة التى تبيع السموم» فى فرضها على المجتمع، وهنا لابد من تشديد الرقابة على السواحل وكل الحدود المصرية لمكافحة ظاهرة التهريب. وكذلك لابد من إعادة النظر فى التشريعات القانونية، وأهمية تغليظ العقوبة على هؤلاء «التجار» الذين يبيعون السموم كى يُحققوا المليارات. ولذلك ركّز د. سويف على أهمية «الوقاية الأولية» وأهمية تعظيم الالتزام بالأسلوب التربوى المُتكامل، المُعتمد على «المعلومات» وليس على «الشعارات» والأسلوب الانشائى الخطابى، سواء من المسئولين أو من ضيوف القنوات الفضائية الذين يتكلّمون فيما لا يعلمون، ويدّعون التخصص فى علم النفس وعلاج الإدمان. كذلك ركّز على أهمية البحوث الميدانية للتعرف على أسباب التعاطى والإدمان.

وطرح د. سويف سؤالا مهمًا: هل المُدمن مريض أم مُذنب؟ وكان من رأيه أنه «مريض» ويجب رعايته والاهتمام به وعلاجه قبل أنْ يتحوّل إلى إنسان عدوانى وبالتدريج يصل لمرحلة ارتكاب شتى أنواع الجرائم، وهو شبه مُغيّب، لأنّ كل هدفه هوالحصول على المادة المُخدّرة التى تعوّد على تعاطيها، وتدرّج من التعاطى إلى الإدمان. مع مراعاة أنْ يشمل العلاج الجانب النفسى مع الجانب الطبى. وكان الفصل السابع عن مسئولية العلم والعلماء لبذل أقصى الجهود لتطويع «المعلومات» لأغراض التطبيق.

***

عندما سمعتُ خبر وفاة د. سويف بحثتُ فى أرشيف مكتبتى عن حوار أجراه معه أحد الصحفيين، والسبب أننى تأثرتُ كثيرًا بما قاله فى هذا الحوار المنشور فى صحيفة المصرى اليوم 7 فبراير 2013. فبسؤاله عن أسباب ابتعاده عن السياسة قال: هربتُ من سعار السياسة المحموم وطنينها المُخترق الأذن وغبارها المؤذى للعيون، هربتُ إلى ظل شجرة المعرفة.

وردًا على سؤال حول أفعال الزمن بالإنسان قال: تخذلنا أجسادنا ولكن عقول البعض تظل يقظة. وعن ضغوط البيئة وآثارها السلبية قال: يتوقف ذلك على قدرة الإنسان على التكيف، وهل يمكن أنْ يهرب من الضغوط المحيطة به، فإنّ المطلوب بصيرة ترى الإطار، وهذا يُساعد على «فهم» طبيعة الأرض التى يقف عليها الإنسان. وقال إنّ حب العمل والحماس للعمل «يُحبط الاحباط» الذى قد يتعرّض له الإنسان. وعن العبقرية قال: إنها مسألة مُعقّدة وفيها شق نفسى وعقلى واجتماعى.. والإنسان العبقرى هوالشخص الذى يُحسن تقديم إبداعه، حتى يتبناه المجتمع. وذكر أهمية دور كل من طه حسين ود. مصطفى مشرفة. وعن الفرق بين المرأة والرجل قال: هذه الفروق مجرد «فرضيات» تعسفية فرضها المجتمع وثقافته السائدة وليست قاعدة يمكن التمسك بها. وعن سؤال حول الإبداع فى زمن الإخوان قال: أخاف من «القولبة» أى الدخول فى «قالب مُعيّن» وهذا ضد الإبداع.

وأعتقد أنه بعد رحيل هذا العالم الجليل والإنسان النبيل، فإننى أتمنى أنْ يُعاد طبع كتبه «أو بعضها» ضمن مشروع مكتبة الأسرة.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 835 الثلاثاء 5 يوليو 2016