أ. د. عبد المنعم شحاتة أستاذ علم النفس – كلية الآداب جامعة المنوفية   حينما فكرت فى الكتابة عن الأستاذ الدكتور مصطفى سويف؛ سيطرت على ذهنى وبإلحاح منقطع النظير صورة

280266_0

أ. د. عبد المنعم شحاتة

أستاذ علم النفس – كلية الآداب جامعة المنوفية

 

حينما فكرت فى الكتابة عن الأستاذ الدكتور مصطفى سويف؛ سيطرت على ذهنى وبإلحاح منقطع النظير صورة أحد زملائى بكلية الآداب جامعة المنوفية «وهو من تلاميذى الذين أصطحبهم – كوسيلة لانفتاحهم على خبرات متنوعة – عند حضور مناسبة علمية؛ ليروا من قرءوا له أو سمعوا عنه» وقد وقف مشدوها دامع العينين بعد حضوره محاضرة تذكارية للأستاذ رحمه الله؛ فسألت زميلي: «إلى هذا الحد تأثرت بالمحاضرة؟»، فرد: «بل قل إلى هذا الحد شعرت بقيمة من حرمنا التعلم على يديه؛ فأمثالى غير محظوظين».

قيمة الأستاذ سويف لا تقتصر على إسهامه المميز – عربيا وعالميا – فى علم النفس بوجه خاص وفى العلوم الاجتماعية عامة وفى الفكر والثقافة عموما، فعلى مدى يناهز سبعة عقود قدم أستاذنا، إضافات رائدة فى مجالات بحثية متنوعة كدراسة الإبداع والارتقاء الاجتماعى والتطرف/ الاعتدال وتعاطى المخدرات… وغيرها «أى صناعة المعرفة»، بل الجانب المهم الذى هو جوهرقيمة أستاذنا الحقيقية تمثل فى تشكيله عقول الباحثين «أى صناعة صنًاع المعرفة»؛ وقد مارس هذا التشكيل بشكل مقصود ومنظم ومخطط له عبر إبراز نسق قيمى بتعبير – مباشر وغير مباشر – دؤوب ومثابر. يحركه فى هذا إيمان بقيمة العلم «كمنهج فى التناول وكتراث من المعلومات المحققة إضافة إلى كم من مهارات بعينها» لترشيد مستقبل الوطن فى جميع دروب الحياة، لذا حرص على تنشئة علمية منضبطة لتلاميذه.

ومع تسليمنا بالقيمة الكبيرة لإسهام أستاذنا المعرفي؛ إلا أن هذه القيمة سوف تتضاءل؛ لأن الإضافة المعرفية تتناقص قيمتها إذا تغير سياقها الزمانى والمكانى «وهذه سنة العلم»، وقد تتوقف الإضافة المعرفية برحيل الأستاذ «وهذه سنة الخلق»، لذا تعد منظومة القيم التى استدخلها الأستاذ؛ وقدمها لتلاميذه فى هيئة مخرجات سلوكية «على المستويين الشخصى والاجتماعي؛ المزاجى والمعرفي» متواترة، هى الإضافة التى جعلت منه نموذجا يقتدى به العلماء، وهى القيمة التى تمتد بتأثير الأستاذ بامتداد الزمان والمكان؛ طالما وجدت من تمثلها وعكسها إنتاجه المعرفى وسلوكه الشخصي. وفى الصفحات التالية نبرز بإيجاز بعض أهم ملامح منظومة قيم وخصال الأستاذ سويف؛ التى شكل بها عقول تلاميذه؛ والتى يجب عليهم بدورهم أن يحسنوا نقلها إلى تلاميذهم… وهكذا دواليك فى إطار عملية تنشئة علمية تحقق تواصل الأجيال وإثراء أداء شباب العلماء بقيم الأستاذ.

1- الانضباط: المعروف عنه صرامة انتظام نشاطه اليومي؛ فتحركاته تمت جدولتها بعناية؛ ومواعيده ثابتة «كما يقول المثل الشعبى «تضبط عليه الساعة»» ونشاطه مخطط مسبقا وبشكل مدروس جيدا، ولمسنا من قراءة مؤلفاته أنها نتاج خطط علمية طويلة الأمد متكاملة ومتتابعة بشكل واضح.

2- التواضع: من بين المواقف العديدة التى عبر فيها عن هذه القيمة؛ أذكر موقفين يفصل بينهما ثلاثون عاما، قدم فى الموقف الأول أستاذه إلى طلابه وكان شديد التواضع عند هرولته لاستقبال الأستاذ – مع ما شاع من خلافهما العلمى – ووقوفه بين يديه. أما فى الموقف الثانى فكان قبل إلقاء أحد تلاميذه محاضرة عامة؛ وقد اعتاد هذا التلميذ «وكذلك غيره» الجلوس فى محاضراته؛ فسمعت أستاذنا ينصحه قبل بدء المحاضرة وبشكل غير مباشر؛ فأخذ يعدد مزايا التحدث واقفا؛ دون أن يطلب منه الوقوف؛ ودون أن يظهر استياؤه بعد انتهاءالمحاضرة وقد تجاهل التلميذ نصائحه. قد يكون تواضعه مع أستاذه أمرا طبيعيا، أما حرصه على توجيه تلاميذه بشكل ضمنى دون إحراجهم فدليل أن تواضعه قيمة توجه سلوكه.

3- الفصل بين الأدوار: فى بداية تخرج كاتب هذه السطور التحق بدبلوم علم النفس التطبيقى، بالتوازى مع البرنامج الدائم لبحوث تعاطى المخدرات برئاسة أستاذنا؛ وكان موعد اجتماع فريق العمل عقب محاضرة مباشرة، أى يجب حضور المحاضرة بآداب القاهرة ثم الانتقال خلال دقائق عشر إلى المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية. هنا سنحت لى فرصة نادرة هى دعوة أستاذنا لصحبته فى سيارته الخاصة «وأى شرف هذا»؛ ولاحظت سلوك أستاذنا وقد تباين باختلاف السياق «أو دور كل منا نحو الأخر»؛ فعلاقة الأستاذ بالطالب غير علاقة الصحبة «مع فارق المقام» فى سيارة واحدة غير علاقة أعضاء فريق عمل «مع فارق المكانة»؛ ولاحظت مدى حرصه على إبراز اختلاف الدور والتعبير سلوكيا عن هذا الاختلاف؛ ولاحظت مدى سعادته عندما أدركت الفارق بين السياقات التى تجمعنا؛ والتصرف وفق مقتضى دورى فى كل سياق.

4- التجرد: من منا لايذكر أنه لم يسع لمنصب قط؛ وأن المناصب كانت تجرى خلفه لا أمامه، وقد عبر عن هذا عندما استهل الجزء الثانى من يومياته «عوالم متداخلة.. يوميات فى الشأن العام والشأن الخاص» بقول أبى ذر الغفارى: «لا تغش أبواب السلاطين، فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا وأصابوا من دينك أفضل منه»، كان أستاذنا يبذل علمه وجهدهم لمن يطلبه ابتغاء وجه الله، دونما النظر إلى منافع عاجلة، متمسكا بمنظومة أخلاق «نشير هنا إلى تكرار تعبيره عن إيمانه أن تكون صفة الأخلاقية غالبة على سير العلم والعلماء» حتى يرسخ فى عقول طلاب العلم الصورة الإيجابية للعالم؛ حتى يشرفوا العلم كما يشرفوا به.

5- إدارة الوقت: درست على يد أستاذنا ثلاثة أعوام متتالية؛ وشرفت بالعمل تحت رئاسته سنتين؛ وشاركت عضوية لجنة برئاسته ثمانى سنوات، لم أذكر فيها أنه تأخر عن موعد قطعه حتى وهو مريض يتحرك بمعاونة مرافقه، ولم نلحظ أنه بدد وقته أو وقت الآخرين فى غير ما يحقق فائدة.

6- إدارة الجهد: نصحنا مرة أنه من الكياسة أن يدرك الفرد عامل السن وتناقص القدرة على بذل الجهد، وأن يستبق ذلك بمراجعة إهتماماته البحثية والمهنية ويرتبها؛ ويقرر فى الوقت المناسب التخلى طواعية عن بعضها حتى يمكنه الوفاء بمتطلبات إنجاز الأهم فالمهم.

7- احترام جمهور المتعلمين: بأن يحسن إعداد ما يقدمه لهم؛ ويتدرب على هذا التقديم؛ لعل من حضر محاضراته يعلم أنه وجد فى كل مرة جديدا يسمعه وأنه فى كل مرة التزم أستاذنا بوقت المحاضرة دون زيادة أونقصان؛ ودون تكرار ممل أو إيجاز مخل؛ ودون إسفاف قول أو لغو.

8- النقد: رسخ أستاذنا قيمة النقد حتى أنه كان يرى فى مقامات تكريمه المتعددة – التى إمتدت زمنيا ومكانيا – أنها تقويم أى نقد، ولو نقد ذاتى يمارسه هو مع نفسه فى سياق مقام تكريمه، وتأكيدا لهذه القيمة طالب بضرورة أن يوجد بين العلماء رأى عام متيقظ وناقد؛ وأن توجد تقاليد تضمن ظهور النقد والرد على النقد بما يسمح باستمرار الحوار العلمى بعيدا عن الإسفاف، وبشكل يوفر آليات المحاسبة الذاتية وعمليات التصحيح الذاتي، وأذكر فى هذا السياق قول أستاذنا رحمه الله فى أحد اللقاءات «يجب أن نثنى على المحاضر قبل انتقاده؛ وأن نبرز ما أضافه قبل أن نحصى ما أغفله»

9- الموضوعية: لم نسمع منه تجريحا لزميل أو تلميذ، كان رحمه الله حريصا على تقييم الفكرة لا مهاجمة صاحبها؛ وقد لخص هذه القيمة بقوله «النفاذ إلى نقدها «أى الفكرة أو الدراسة» من خلال ثغرات منهجية معترف بها». وقبل أكثر من ثلاثين سنة شاع اختلافه مع أحد تلاميذه وشاعت تأويلات لمواقف بينهما ترجعها إلى تعنت أستاذنا؛ وتصادف أن التقيت الراحل د. رشدى فام وتطرق الحديث لهذا الموضوع فسألته عن رأيه فقال «ما يقوله الدكتور سويف يجبرك ليس على احترامه كشخص بل قبول ما قاله».

10- السعى للتميز: تعكسه ريادته لمجالات بحثية عديدة كالإبداع وتطرف الاستجابة ورصد معدلات تعاطى المخدرات وتأثيراته والوقاية منها؛ وكذلك نحته لمفاهيم مثل اللياقة النفسية، ولعل أوجز تعبير عنها لدى أستاذنا هو تصدير الجزء الأول من يومياته بقول على بن أبى طالب: «لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمن»، وتصديره كتابا آخر بقوله «قيمة المرء فيما يتقن».

11- المسئولية الاجتماعية للعلماء: حرص أستاذنا على إبراز الدور الوطنى للعلماء؛ وتحديد مسئوليات القيام بهذا الدور والمعوقات التى تعطله وآليات تحمل عبء هذا الدور والمبادئ الأخلاقية الحاكمة لها. ويكفى تعبيرا عن هذه القيمة قوله – فى تقديمه سلسلة «علم النفس فى حياتنا الاجتماعية»: «من منطلق الالتزام بالمسئولية الاجتماعية الملقاة على عاتق المشتغلين بالعلم عامة، وبالعلوم الاجتماعية بوجه خاص، رأينا أن نقدم هذه السلسلة من المؤلفات فى موضوعات علم النفس المختلفة. ومن المنطق ذاته، اخترنا لها الاسم الدال على توجهها الرئيسي؛ ذلك أنها تهدف أساسا إلى إثراء حياتنا الاجتماعية بالمعنى الخاص حيث التطبيقات المحددة فى مجالات اجتماعية بعينها، وبالمعنى العام، تتيح المزيد من المعارف العلمية الحديثة حول سلوكيات البشر لينهل منها الفكر الشائع فى مجتمعنا… لحث الرأى العام والخاص على الاستزادة ما أمكن من ترسيخ دعائم هذا العلم وحسن توظيفه فى مجتمعنا المصرى خاصة والمجتمع العربى عامة».

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 835 الثلاثاء 5 يوليو 2016