الفلاسفة والحب.. عن صعقة الحب التى لا يمكن مداواتها   يقول سيوران: «إن حبا يخيب هو محنة فلسفية تملك من الثراء ما يتيح لها أن تخلق من حلّاق نظيرا لسقراط»

أقوال_وحكم_فلاسفة

الفلاسفة والحب.. عن صعقة الحب التى لا يمكن مداواتها

 

يقول سيوران: «إن حبا يخيب هو محنة فلسفية تملك من الثراء ما يتيح لها أن تخلق من حلّاق نظيرا لسقراط» (1)؛ ترى كيف إذن ينظر الفلاسفة أنفسهم إلى الحب؟هل من إجابة عن هذا السؤال؟

https://counterpoiseblog.files.wordpress.com/2016/02/300px-ecioran.jpg

بطموح كبير يحاول هذا الكتاب الذى نتناوله التصدى لذلك، وهو كتاب «الفلاسفة والحب.. الحب من سقراط إلى سيمون دو بوفوار» للكاتبتين مارى لومونييه وأود لانسولان، والذى صدر حديثا بترجمة دينا مندور وكان قد صدر بالفرنسية منذ عام 2008 لكن لماذا هؤلاء الفلاسفة بالتحديد، ولماذا الاهتمام بهم أكثر من الفلاسفة المعاصرين؟

فى حوار أجرته مجلة «الفلسفة» الفرنسية (2) مع الكاتبتين أجابت أود لانسولان عن هذا التساؤل قائلة: «إننا أردنا أن نبين إلى أى مدى يمكن أن نجد صدى لتجاربنا العشقية الخاصة فى أفكار رموز الفلسفة الأوائل، فحين يتعلق الأمر بالعشق يمكن لمفكر ينتمى للقرن الأول قبل الميلاد أن يكون قريبا لنا أكثر من المؤلفين المعاصرين».

نعم.. هذا صحيح، ويحدث بالفعل طوال الوقت، فغالبا ما تبدو الكتابات القديمة كشاطىء بكر متخم بكل أشكال الجمال اللانهائية، متسع بما يكفى ليردد صدى أفكارنا، وخالد بما يكفى ليحتضن وهج الحب الذى وصفه أندريه بريتون قائلا: «إن تعرّض نفسك للنظرات الصاعقة للرب دون دفاع منك».

وفى سياق نفس الحوار قالت مارى لومونييه إن خاتمة هذا الكتاب يمكن أن تكون هذا البيت لرامبو: «إن الحب كما نعلم يجب أن يُبتكر من جديد».

وللمفارقة المدهشة أن يكون هذا البيت هو نفس البيت الذى تمت الاستعانة به كتصدير لكتاب «فى مدح الحب»، وهو الكتاب الذى يعرض المسار الفكرى للفيلسوف الفرنسى آلان باديو من خلال حوار أجراه معه نيقولا ترونج، وفى هذا يقول باديو: «أعتقد حقا أن الحب فى عالم اليوم أسير هذه الحلقة المفرغة وعليه فهو تحت التهديد، وهنا على الأرجح يأتى قول الشاعر رامبو إنه يحتاج إلى أن يبتكر من جديد؛ فلا يمكن أن يكون محض فعل دفاعى ببساطة للحفاظ على الوضع الراهن». (3)

والآن وفى وسط الحديث عن إعادة ابتكار الحب، ماذا عن هذا الكتاب الذى يُقارب هذا الموضوع الشائك.. الحب أو بالتعبير الفرنسى صعقة الحب

?Coup de foudre لنقفز مباشرة إلى أكثر فصول الكتاب جذبا، وهو الفصل المخصص لسورين كيركيجارد بعنوان «الحب المطلق»، والفصل بكامله يمثل محاولة جادة ومستميتة للإجابة عن تساؤل رئيسى «لماذا قطع كيركيجارد ارتباطه مع امرأة عشقها حتى وفاته كما كان يردد؟ أى بديل غرائبى فرضه على نفسه وجعله يقتلع قلبه بأيدٍ عارية؟»

قال كيركيجارد ذات يوم لصديقه إميل بويسن: «اقتنعت أن مهمتى فى الحياة هى مهمة استثنائية، وهنا يكمن العائق فى طريق علاقتى بريجين».

كما أفضى سورين فى اليوميات بالعبارة التالية: «إذا كنت مؤمنا، لما كنت تركت ريجين»، ثم أضاف فى كتابه «خوف ورعدة»: «ربما لو استطاع الكائن المائى أن يصدّق إيمانه، لربما حوله هذا الإيمان إلى إنسان».

أما الوصية التى وُجدت فى خزانة له بعد وفاته، فقد كانت مخصصة لريجين، وقد قال فيها: «إلى الشخص غير المعروف الذى سيصبح ذات يوم معروفا، إليها أهدى كل نشاطى الفكرى، إلى خطيبتى السابقة مدام ريجين شليجل».

إن حب كيركيجارد لريجين إذن هو هذا الحب الأبدى الذى ربطهما معا «برغم الانفصال وفيما وراء الانفصال».

لننظر الآن إلى العلاقة التى جمعت مارتن هايدجر وحنة أرندت، فقد كانت أرندت تحدّث هايدجر عن «التفانى الراسخ تجاه إنسان وحيد»، «كانت تريد أن تكون ملكه وأن تعيش إلى جانبه، أما هو فقد رفض بصرامة تغيير مجرى حياته لأجلها».

وقد ظل حبها له قائما حتى العام 1933 حين التحق بالحزب النازى «فقد أصبح ميتا فى نظرها، وتزوجت بالفيلسوف هاينريش بلوخر الذى سمته حبها الكبير؛ أما الثعلب هايدجر فقد بقى محاطا بنادى المحبين من طلابه وزوجته الشنيعة».

إلا أن كل هذا لم يمنع أن تعود أرندت لكى ترى هايدجر، «فقد كانت واعية لحقيقة أن مشاعر العشق الحقيقية شديدة الندرة مثل الأعمال الأدبية العظيمة بالضبط، وهو السبب الذى جعلها على الرغم مما أصابها من ذعر عند التحاق هايدجر بالحزب النازي، تحافظ على علاقتهما طوال حياتها، حيث ترى أن جريمة عدم الإخلاص العظمى تغتال كل ما كان حقيقيا، وتدمر ما يحمله الإنسان للعالم، إذ ينبغى أن نتجاوز العفو إذا استطعنا تحقيقه لنصل إلى الحديث عن إرادة عدم تدمير ما عشناه بالفعل».

من سقراط إلى سيمون دو بوفوار، أخذنا هذا الكتاب فى رحلة شاقة عبر أرض مزروعة بالألغام، رحلة لم تنته إلا لكى تبدأ غيرها، فالقيمة الحقيقية للكتاب تتمثل فى كونه مصدر إلهام وتحفيز لنا لكى نقوم برحلات جديدة متعمقة وطويلة فى الرسائل المتبادلة.. فى الكتب.. فى الوثائق المخبوءة هنا وهناك.

وفى كل رحلة جديدة سنصل حتما إلى حقيقة واحدة.. إن صعقة الحب متى حدثت فإنها تجد طريقة لتبقى، بالرغم من كل شيء.. هذه هى كلمة السر.. بالرغم من كل شيء.

Malgre tout

 

هوامش:

(1) إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل، 2013، ص 131

(2) Philosophie magazine, mai 2008 n. 19

(3) آلان باديو، فى مدح الحب، ترجمة غادة الحلواني، دار التنوير، 2014، ص 49