صورة الذات وصورة الآخر فى رواية “السمسار” للكاتب : عمرو كمال حمودة     د. شاكر عبد الحميد   “صورة الذات” مصطلح يستخدم فى العلوم النفسية والاجتماعية لوصف الطريقة التى

011

صورة الذات وصورة الآخر فى رواية “السمسار”

للكاتب : عمرو كمال حمودة

 

 

شاكر عبد الحميد

د. شاكر عبد الحميد

 

“صورة الذات” مصطلح يستخدم فى العلوم النفسية والاجتماعية لوصف الطريقة التى يرى الشخص من خلالها نفسه، ما خصائصه الإيجابية السلبية وما أفكاره وانفعالاته وقيمه وطموحاته؟ ما الذى يريده؟ وما الذى لا يريده، كيف يرى منظور حياته ومسارها؟ أما “صورة الآخر” فمصطلح يتعلق بكيفية رؤية الذات للآخر وأيضًا كيفية رؤية الآخر للذات. وقد تتداخل صورة الشخص عن نفسه مع صورة الآخرين أو فكرته عنه، وهكذا نجد أن بعضا من تعريفات الشخصية فى علم النفس تقول إن الشخصية هى “الشخص كما يراه الآخرون. والشخصية بشكل عام هى مجموعة السمات المميزة لشخص ما على نحو متسق عبر فترة من الزمن وعبر عدد كبير من المواقف، وهى السمات التى تجسد أيضًا طبيعة تكوينه البيولوجى والعقلى والوجدانى والسلوكى فكيف كانت شخصية “منتصر” فى هذه الرواية؟

فى رواية “السمسار” يصور الكاتب الروائى عمرو كمال حمودة اهتمام هذه الشخصية بالأشياء البراقة اللامعة بالمظهر والسطح، قوة التأثير والانطباع الذى يتركه على الآخرين… منذ بداياته، منذ رحلته الأولى إلى موسكو حرص على أن يأخذ معه “جزمة شمواه” كى يبعيها ويشترى بثمنها كمية كبيرة من الشمبانيا والفودكا واللحوم النادرة والكافيار، وكذلك اهتمامه بالملابس والعطور والسيجار الفاخر والساعات غالية الثمن والأطعمة والمشروبات المتميزة، وحرصه على الاقتراب من السلطة ومراكز صناعة القرار.

منذ أول رحلة كان “منتصر فهمى عبد السلام” مشدوهًا “بعظمة الكرملين وثرياته المتلألئة والأثاث القيصرى ومآدب العشاء الفخمة وكميات الخمور الهائلة والانخاب التى لا تنتهي”. وقد تجلت مواهب “منتصر” عندما تطرقت المباحثات هناك حول “مقايضة الغزول والمنسوجات القطنية بالآلات والمعدات الروسية” وكانت ديناميكيته وسرعة وكثافة تحركاته محط متابعة درويش واهتمامه، وقد كان درويش باحثًا اقتصاديًا برئاسة الجمهورية. كانت هذه مجرد البداية، لكنها كانت أيضًا البداية التى نقلت منتصر من أسفل السلم الاجتماعى إلى أعلى درجات الثراء والسلطة والفساد أيضًا فمن بيع حذاء شمواه فى موسكو إلى تأسيس الشركات الكبيرة فى تجارة السلع الغذائية، ثم السلاح، والغاز، فى أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط وغيرها. ومن تدريبات وخبرة مبكرة فى عمليات تسويق القطن والمنسوجات إلى عالم عجيب غريب لكنه معروف ومألوف أيضًا تتجلى أحداثه وتفاصيله عبر هذه الرواية على أنحاء شتى.

هكذا ترى ليلى الكاشف زميلة أخته وصديقته أن “منتصر” هذا هو: شخص يقظ لا يهدأ من تقليب الأفكار والموضوعات ومحاولة سبر غور الشخصيات التى تثير اهتمامه ومن خصائصه أيضًا: قوة التركيز عند الإنصات إلى من يحدثه حتى لا تفوته أى عبارة أو كلمة أو لمحة وأيضا النشاط الدائم ما بين الرياضة والقراءة الذهاب إلى السينما وإجادة الرقص.

أما من وجهة نظر المؤلف فهو شخص مولع بعالم المقايضة وتبادل السلع والمنافع والحصول على الأرباح وأحيانًا ما كانت تنتابه كآبة مفاجئة عندما يفارق أوضاع الأغنياء الأكثر ثراءً منه “فتزداد سرعة حركة جفنيه فتحًا وانغلاقًا”.

كان منتصر مولعًا بالممثل الأمريكى همفرى بوجارت وخصوصًا فى فيلم “كازابلانكا” وقد كان يستعيد خلال سفرياته بالطائرات أداء ذلك الممثل: “سهولة الجمع بين توترات النفس الكامنة وراء قناع الملامح الصلبة، رجل شديد الثقة بنفسه تعتصره أحاسيس أليمة … حركة دائبة ما بين النصر والهزيمة، ولكن الهدف محدد وعنيد ألا تخور عزيمته وتكتسحها الأيام، بل تعاش الحياة حتى الصفحة الأخيرة”.

من وصف درويش له أثناء رحلة موسكو كان منتصر يتحرك بليونة فى أثناء المفاوضات، وقد استوقف اللواء حافظ فرهود -نائب رئيس جهاز المخابرات آنذاك- وصف درويش له بالحيوية والديناميكية وتعدد الاهتمامات، وقد قال عنه أيضًا بعد ذلك عندما سأله حافظ عنه: “شخصية جريئة يا فندم … بيتحرك بسهولة رأسيًّا وأفقيًّا بيستوعب المشاهد والأرقام والمعلومات بسرعة عجيبة حركته مستمرة وعقله شغال طول الوقت” وكذلك أنه: “شخصية اجتماعية بيدخل القلوب بسهولة”، وهو أيضًا مزدوج الطباع والمزاج، فهو متدين، على الأقل ظاهريًّا، لكنه يفعل كل ما هو ضد الدين والأخلاق بعد ذلك “شوفته بيردد آيات من القرآن فى خشوع والطيارة طالعة أو نازلة، وبرضوا بيقرأ قرآن مش مسموع عند الدخول لقاعة الاجتماعات” يستقر الأمر له ويتم تجنيده فى المخابرات وتبدأ رحلة صعوده الأسطوري.

ومنتصر أيضًا شخص واسع العلاقات متشابك الصداقات، لكنها كلها علاقات وصداقات محسوبة ومرتبة، يتزوج دون حب، لكنه يستغرق بعد ذلك فى علاقات نسائية بلا حدود داخل مصر وخارجها، بداية من علاقات الطفولة والصبا مع سيلفيا اليهودية وليلى الكاشف زميلة أخته، وفوفا التى تزوجها وعدد من الممثلات والموظفات … إلخ.

يرصد الكاتب كذلك جو التسامح والتحمل الذى كان موجودًا فى الخمسينات وما قبلها، حيث عاش المسلمون والمسيحيون واليهود المصريون والإيطاليون واليونانيون، وغيرهم، دون تفرقة أو تمييز أو تحيز أو تعصب أو تطرف أو عداوة أو عدوان، رصد مشاعر الحب وعلاقات الصداقة التى كانت موجودة بين الجميع، برصد المناخ الأسرى والاجتماعى والسياسى الذى نشأ منتصر فيه وبدايات تفتح وعيه وتطور تفكيره ونمو شخصيته، يرصد كيف رأى نوعًا مختلفًا من الحياة الاجتماعية عند عائلة ليونى كالفينو اليهودية من أصل إيطالي، وكيف كان منتصر يذهب مع “سيلفيا” وماركو” (أخوها) لنادى “المكابي” وإلى صالة ركس للرقص حيث تعلم التانجو والسامبا والتشاتشاشا والروك اند رول، وكيف أجاد الفرنسية من خلال تحدثه بها مع سيليفا، وكيف عرف بعض الأعمال الأدبية من إدمان سيلفيا للقراءة.

أما خلال دراسته الجامعية فقد نشأت صداقة بين منتصر وهشام فريد هيكل وقد كان والده وزيرًا فى أول حكومة تشكلت بعد قيام ثورة 1952، ثم فضل الاستغناء لعدم تجاوبه مع فكرة الشرعية الثورية كبديل للشرعية الدستورية وعاد لمكتبه والتدريس فى كلية الحقوق وقد أتاحت صداقة منتصر مع هشام الفرصة له لزيارة مكتبة والده التى كانت عامرة بفنون الأدب والسياسة والتصوف والدين والاقتصاد، لكن ومن بين تلك الكتب كلها أولع منتصر واهتم بشكل يشبه العشق بكتابين هما “قصة الحضارة” لـ “ويل ديورانت” بخاصة الجزء المعنون منه “لويس الرابع عشر” اما الكتاب الآخر والذى كان سحره لا يقاوم، وتأثير أشده قوة، هو كتاب ستيفان زفايج عن “فوشيه” وفوشيه كان قسًا نشأ فقيرًا فى بلدة فرنسية متواضعة وكان فصيحًا وخطيبًا مفوهًا حافظًا للإنجيل وغيره أيضًا، وعندما انطلقت ثورة 1789 فى فرنسا وظف بلاغته للدفاع عن الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، وكذلك للهجوم على النبلاء، ثم قام بدور يتسم بكفاءة عالية فى مصادرة قصور الأغنياء وأراضيهم، ثم أصبح نائبًا فى الجمعية الوطنية فى باريس سحرته باريس، وسحرته الثورة، ولأنه كان رجل دين كان يتلقى الاعترافات فى كنيسة بلدته الفقيرة فقد كان ملمًا بمساحات الضعف عند الرجال والنساء، “فاكتشف بسهولة فائقة براعة الغرائز وكفاءة الجشع فى صناعة الأقنعة”.

كان “فوشيه” يشاهد الصراع على مكاسب الثورة، وقد كان يشاهد كيف يتحول الثوار إلى قتلة، وكيف يتحول القتلة إلى ثوار، وكيف تتم إدانة الأبرياء، وتبرئة المدانين، شاهد وراقب عن كثب وسجل ملاحظات حول كل شخص فاعل وحول كل شيء “وترك الثورة تحرق وتحترق، وانشغل بصناعة الملفات، فالملف قد يصبح دليل إدانة صاحبه أو يكون له ثمن قد يشتريه به صاحبه لينقذ رقبته” ومن احترافه لصناعة الملفات أصبح وزيرًا لداخلية الثورة، “وأسس أول مدرسة منظمة لكادر البوليس السري، تلاميذها خدم المنازل، حوذية، كونتيسات وبارونات من العهد الملكي، بوابو عمارات، عاهرات … إلخ”. ثم تاجرا فى الملفات وكون ثروة بعد انتهاء الثورة الفرنسية فى موجتها الأولى يجىء نابليون بونابرت حاكمًا لفرنسا، ويعزل فوشيه، لكنه يعيده بعد فترة، ويطاح بـ”نابليون” ويجىء حاكم آخر، ويبقى فوشيه وزيرًا للداخلية معه، ثم يعود نابليون امبراطورًا ويبقى فوشيه أيضًا، ويطاح بـ”نابليون” وتعود الملكية، ويلعب فوشيه دورًا مهمًّا فى ذلك ويبقى وزيرًا للداخلية وهكذا، وكأنه رجل لكل العصور وقد كان فوشيه هو النموذج والقوة لمنتصر ويكون كتاب زفايج عنه نبراس حياته ومشغل طريقه الهادئ المنير.

عندما تضطرب ظروف العائلة بعد موت والده، يلتحق منتصر بكلية التجارة ثم يعمل أيضًا لمدة يومين أسبوعيًّا وخلال الإجازة الصيفية مع مسيو ليونى وهناك بدأ ترتيب ملفات أرشيف قسم التحصيلات، وضبطها، واكشتف عالمًا لم يكن يعرف عنه شيئًا، عن البنوك والشركات المساهمة، والمؤسسات التجارية والصناعية، الأجنبية والمصرية، وقوائم المساهمين وأعضاء مجالس الإدارات، وقد كان يمتلك ذاكرة فوتوغرافية “تلتقط وتسجل وتحتفظ بما شاهده”. كما أنه أدرك بمرور الوقت فائدة ما يسمى بـ “مذكرة تحليل المخاطر” التى تحدد مدى قوة أية شركة ونقاط ضعفها. وقد كان منتصر قادرًا على التعلم بسرعة والالتقاط للمعلومات والأفكار والأرقام والعلاقات بحدة ورهافة وحساسية بالغة، ومن خلال عمله مع صديقه الحميم روبيرتو توكراسو؛ ذلك الذى كان سمسارًا فى البورصة، المسيحى الكاثوليكى من أصل إيطالى لكنه الذى أصبح مصريًّا بعد إلغاء الامتيازات الأجنبية عام 1938 .

بعد هجرة أسرة ليونى إلى إسرائيل حافظ منتصر على علاقته مع روبيرتو ومن خلال عمله بعد تخرجه فى كلية التجارة فى صندوق صادرات المنسوجات قام بالوساطة بين روبيرتو وعبد الحميد بك رئيس الصندوق الذى أراد التصرف فى بعض الأوراق المالية التى كانت زوجته تمتلكها، تمت الصفقة، وحصل منتصر على عمولة وكانت خمسين جنيها، هكذا شعر بسعادة غامرة؛ لأن ذلك كان أول مبلغ كبير يدخل جيبه “بسبب فطنته وحسن توفيقه بين الناس” هكذا تزايدت ثقته بنفسه”، وقد أدرك أن العلاقات بين البشر لها قيمة يمكنه التكسب من وراءها، وتذكر فوشيه فقرر من تلك اللحظة أن يدون فى نوتة صغيرة اسم وبيانات من يلتقيهم من الناس والمناسبة التى جمعته بهم ومراكزهم الاجتماعية، سواء كانوا رجالا أم نساء.

من عمله فى شركة صادرات المنسوجات، وكذلك فى قسم تحصيل الأقساط مع المسيو كالفينو ومعرفته التى ازدادت قوة مع روبيرتو السمسار، ومن تلك النوتة الصغيرة التى كان يدون فيها كل شيء، ومن شعوره بالفقر والحرمان، ومن أحلامه وطموحاته التى كانت بلا حدود، ثم من علاقاته بكثيرين، دخل منتصر إلى عالم الشركات العالمية شرقًا وغربًا.

شخصية متفتحة، مرحة، اجتماعية متعددة الاهتمامات والعلاقات، محب للقوة والنفوذ والنقود والنساء يحتقر من هم أدنى منه ذكاء، لذائذى الطابع والسمات، مولع بتذوق كل ما فى الحياة من متع أو جمال.

يبدأ فى تأسيس مراكز تجارية وشركات فى العراق والمغرب والهند وغيرها ويكون شبكة من العلاقات والمصالح داخل مصر وخارجها بلا حدود وتستمر الأحداث وتهزم مصر فى 1967، وتحتل إسرائيل حقول البترول فى سيناء، ويتم إبعاده، ثم يصدر قرار بعودته، ويزداد ولعه بعالم ممثلات السينما والمطربات، وكذلك بعالم الأثرياء والسوبر أثرياء فى العالم كله، يعمل فى إمارة خليجية ويدخل عالم النفط وتجارته ويزداد استغراقه فى عالم الأشياء، الهدايا، النظارات البيرسول، وأطقم أقلام باركر وولاعات رونسون والعطور الفرنسية الرجالية والنسائية، والكرافتات من أفخم الماركات والمنشطات الجنسية وزجاجات الويسكى والشمبانيا، كان يشتريها من الأسواق الحرة فى المطارات “ولم يترك شخصًا مفيدًا له أو يمكن الاستفادة منه مستقبلا إلا وكان له نصيب من هداياه، ثم يكون دخوله عالم تجارة الثراء، ويكون الثراء الفاحش بعدها، القصور واليخوت والطائرات الخاصة والاستيراد والتصدير والحسابات فى البنوك السويسرية”.

ويحدث نصر أكتوبر ويرتفع سعر النفط، ثم تكون معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وتكون اتفاقيات تصدير الغاز وشركات تصدير الغاز إلى إسرائيل وكذلك تصدير السلاح إلى أفغانستان عن طريق باكستان الى تلك القبائل الأفغانية التى تحارب القوات الروسية، ويمتلك الشركات والفنادق فى جنيف وأوروبا وأماكن كثيرة من العالم ويزداد نهمه للحياة وشرهه للمتع الجنسية وإقباله على الامتلاك لكل شيء وبلا حدود.

قرب النهاية يطرأ تغيرات طقوسية على برنامج منتصر فى شهر رمضان من كل عام.. يصوم جميع الأيام ويؤدى الصلوات الخمس.

يزداد اقتراب منتصر من نائب الرئيس السادات وتزداد الشراكة بينهما، يتم اغتيال السادات ويصبح النائب رئيسًا وتزداد الشراكة قوة .. إلخ حتى تقع ثورة 25 يناير ويغادر إلى إسبانيا وبقية الحكاية معروفة.

وتزداد الأعمال المشتركة مع الشركات الإسرائيلية خاصة فى مجال الغاز وتزداد اللامبالاة من جانبه وكذلك تمركزه حول ذاته ومصالحه ونرجسيته وتجاهله لمشكلات الواقع والمجتمع والبشر، منعزل وبارد كالسلطة التى عمل معها.

بعد أن يتم تكوين شركة مشتركة لتصدير الغاز بين مصر واسرائيل، ويكون منتصر رئيسًا لمجلس إدارتها، وسيلفيا مسئولة عن الجانب الإسرائيلي، يلتقيان به على اليخت الخاص به ويتذكران أيامهما القديمة فى مصر؛ لكن المشهد المفتاح قد تمثل فى إحدى زياراتها للقاهرة ومشاهدتها من خلال الكوبرى الدائرى فوق الجيزة للعشوائيات الموجودة فى إمبابة وزنين وصفط اللبن والوراق “أبنية بالطوب الأحمر بلا ملامح أو روح تتوكأ على بعضها، فلا ينفذ الهواء أو الغبار إلا بصعوبة بالغة، مشهد للقسوة يمتد لعشرات الكيلو مترات، تسأله: مش شايف كل العشوائيات؟» ديه، يجيب: “طب وأنا حاعملهم ايه؟ دى مسئولية الحكومة أو  ربنا”. فترد عليه قائلة “إن السبب فى ذلك الفقر وضياع الكود الأخلاقي. وإن ذلك يمثل بيئة خصبة للتطرف الإسلامي”، فيجيب عليها بلا مبالاة “ما تخافيش” دول بشر بلا قيمة ولا ضرورة وبيفرطوا فى الإنجاب، وهموم العيش والمخدرات هدين حيلهم، فمش هيثوروا أبدًا.

هكذا عبر منتصر عن تلك الرؤية التى تبنتها تلك السلطة المنعزلة التى كانت موجودة قبل 25 يناير وكذلك عن تلك اللامبالاة التى كانوا يتعاملون بها مع الشعب، هكذا تصنع الجهل وعدم الفهم والتعالى على مشكلات شعب طحنه جشعهم الذى كان وما زال بلا حدود، لكن هؤلاء الناس كانوا هم أنفسهم الذين ثاروا عليهم وأطاحوا بهم، لكن الكثيرين منهم استطاعوا الهرب بأموالهم، وأجسادهم أيضا، هكذا يهرب منتصر على يخته “عظيم” بينما “كان صدره يموج بضحك مكتوم“.

هكذا هرب منتصر لينعم وأبناؤه وأحفاده بالثروات المنهوبة، ثم ليتصالح مع الدولة نظير فتات أو فوائد أرصدة محدودة لا تسمن ولا تغنى من جوع، لقد هرب على الرغم من انه كان ينبغى القبض عليه ومحاكمته، فى إيحاء ذكى إلى أن دولة السمسار لا تزال قائمة تنتظر التغيير.

كتب عمرو كمال حمودة روايته هذه بلغة بسيطة، فيها تتابع وتدفق وتشويق، وفيها أيضا سرد جذاب، بسيط، لم يولع فيها كما قد يولع غيره بالمعاظلة اللغوية أو المحسنات البديعية أو تقنيات السرد، .. إلخ. صحيح هناك تقطيع للمشاهد وتقنيات اضاءة خلفية (فلاش باك) وغيرها لكن هناك أيضًا بساطة وسلاسة وتدفق جميل وقدرة تنم أيضا عن تمكن واقتدار فى بناء الشخصيات وتطورها. لكنى أعتقد أيضًا أن رغبة الكاتب الملحة فى سرد قصة الحياة الكاملة لهذه الشخصية والتى يبدو وكأنه قد عرفها عن قرب؛ اى رغبته فى الإحاطة بتفاصيل هذه الحياة كلها، ودقائقها الصغيرة ومحطاتها الكبرى؛ قد جعلت الرواية مزدحمة بالأحداث والشخصيات حد الاكتظاظ، حتى بدا كثير منها وكأنه محطة عابرة فى مسيرة طويلة؛ مسيرة انتصر هو علينا خلالها فى معركة، لكنه أيضًا لم يكسب الحرب، فالشعب لم ينس أبدًا، ولن ينسى، من سرقوه وأجاعوه وأضاعوا مستقبل أبنائه، وأغرقوه فى اقتصاد السمسرة والفقر والحرمان والضياع، وغدًا يوم جديد.