من “البنت الأخرى”.. ترجمة للكاتبة الفرنسية آنى ارنو ترجمة : نورا أمين     إنها صورة سِبيا، بيضاوية، ملصوقة على الورق الكارتون المصفَّر للدفتر، الصورة تظهر رضيعا وثلاثة ارباع جسده

7771

من “البنت الأخرى”.. ترجمة للكاتبة الفرنسية آنى ارنو

ترجمة : نورا أمين

 

 

إنها صورة سِبيا، بيضاوية، ملصوقة على الورق الكارتون المصفَّر للدفتر، الصورة تظهر رضيعا وثلاثة ارباع جسده مرفوعا على وسائد مزينة بفساطين ومتعامدة بعضها على بعض. الرضيع يرتدى قميصا مطرزا، بياقة واحدة، كبيرة، مربوطا بها عقدة خلف الكتف قليلا، مثل زهرة ضخمة أو مثل فراشة عملاقة. هذا رضيع بكامل طوله، ممتلئ قليلا، تتقدم ساقاه المنفرجتان ممدودتين نحو حافة الطاولة. تحت شعره البنى الملفوف فوق جبهته البارزة تتسع عيناه بكثافة تكاد تلتهمانك. تبدو ذراعاه -المفتوحتان كدمية- كما لو كانتا تهتزان. أسفل الصورة، هناك توقيع المصور الفوتوغرافى – م. ريدال، ليلبون- الذى يزَّين حروفه الأولى المتشابكة الركن الأيسر للغلاف أيضا، ذلك الغلاف المتسخ للغاية، بورقاته نصف المنزوعة عن بعضها.

عندما كنتُ صغيرة، كنتُ أعتقد -لابد أنهم قالوا لى ذلك- ان تلك كانت صورتي. لكنها لم تكن أنا، إنها أنتِ.

بالرغم من ذلك كانت هناك صورة أخرى لي، تم التقاطها لدى المصور الفوتوغرافى نفسه، فوق الطاولة نفسها، كان شعرى البنى ملفوفا بالطريقة نفسها لكننى كنتُ أبدو بدينة بعينين مغموستين فى وجه مستديرة، ويدَى بين فخذي. لا أتذكر أننى التفتت إلى الاختلاف الواضح بين الصورتين.

إلى ضواحى “توسان” أذهب لزيارة مقابر “إفتو” كى أضع الزهور على مقبرتين. مقبرة أبوَى ومقبرتكِ. من عام إلى آخر أنسى موضعهما لكننى أرجع إلى الصليب العالى وشديد البياض كعلامة، علامة مرئية منذ الممر المركزي، فهى بجوار مقبرتهما. أضع فوق كلٍ من المقبرتين نباتات زينة من مختلف الألوان، وأحيانا ما أضع فوق مقبرتك زهور الخلنج وأغرس وعاءها فى حصى البستان المفرغة خصيصا لذلك الغرض، أسفل شاهد القبر.

لا أعرف إذا ما كان الناس يفكرون كثيرا أمام المقابر. أمام مقبرة أبوَى أتمهل لحظة. كما لو كنتُ أقول لهما “هأنا ذا”، وأحكى لهما ما جرى طوال العام، ما فعلتُه، ما كتبتُه، ما تمنيتُ كتابته. ثم أذهب إلى مقبرتكِ، إلى اليمين، أنظر إلى الشاهد الرخامي، أقرأ كل مرة الحروف المذَّهبة الكبيرة المحفورة، اللامعة للغاية، وقد أُعيد حفرها بفظاظة فى أعوام الثمانينات فوق الحروف القديمة الأصغر وقد أصبحت غير مقروءة. ومن تلقاء ذاته، حذف صانع الرخام عند الإعادة نصف الكلام الأصلى المحفور، واختار ألا يذكر تحت اسمكِ سوى ذلك الذى اعتبره أساسيا: “توفيت يوم الخميس المقدس عام ١٩٣٨”. إنها العبارة نفسها التى صدمتنى عندما رأيت المقبرة للمرة الأولى. كانت كأنها الدليل المحفور على اصطفاء الرب لكِ وعلى قداستكِ. منذ خمسة وعشرين عاما آتى إلى المقابر، ولم أحدثكِ بشيء أبدا.

يقول السجل المدنى أنك أختي. إنك تحملين اسم الأب نفسه، اسمى قبل الزواج، “دوشاسن”. فى دفتر الأسرة شبه الممزق وفى خانة المواليد والوفيات للأطفال الناتجين عن الزواج، هناك أسمانا الواحد فوق الآخر. أنتِ فى أعلى ومعكِ ختمان من بلدية ليلبون (أسفل نهر السين)، وأنا بجانبى ختم واحد، فسوف تكون خانة الوفيات الخاصة بى فى دفتر آخر غير هذا، ذلك الدفتر الذى يشهد على إنتاجى لأسرة باسم آخر.

لكنك لستِ أختي، لم تكونى أبدا أختي. لم نلعب سويا ولم نأكل سويا ولم ننم سويا. لم ألمسك أبدا، ولم أعانقكِ. لم أر أبدا لون عينيكِ. لم أركِ أبدا. أنتِ بلا جسد، بلا صوت، مجرد صورة مسطحة فى فوتوغرافيا الأبيض والأسود. كنتِ قد متِ منذ عامين ونصف عند ولادتي. إنكِ ابنة السماء، البنت الصغيرة المخفية التى لم يتحدث عنها أحد أبدا، الغائبة عن كل المحادثات. السِّر.

كنتِ دوما ميتة. لقد دخلتِ حياتى ميتةً فى صيف أعوامى العشرة. وُلدتِ ومتِ فى قصة، مثل “بوني”، الابنة الصغيرة لـ”سكارليت” و”ريت” فى “ذهب مع الريح”.

يقع مشهد القصة أثناء عطلة عام ١٩٥٠، الصيف الأخير للألعاب الكبيرة بين بنات العم من الصباح وحتى المساء، وبين بعض بنات الحى وبنات المدينة اللاتى يقضين عطلتهن فى “إيفتو”. كنا نلعب لعبة السوق، ونتظاهر بأننا كبار، كنا نصنع بيوتا فى ملحقات فناء التجارة الخاص بأهالينا، ونضع هناك صناديق الزجاجات والحاويات الكرتونية والأقمشة القديمة. كنا نغنى “الجو جميل عندك يا سيد بيير ومَدى وتنورتى الطويلة”، كلٌ فى دورها، واقفة على الأرجوحة، كما لو كنا فاصلا إذاعيا. كنا نختفى لاقتطاف الثمار الناضجة. كان الأولاد ممنوعين من اللعب معنا من قِبل أهالينا، بدعوى أنهم يفضلون الألعاب الخشنة. فى المساء، كنا ننفصل كلٌ عن الأخرى، متسخات كفرشاة الألوان. كنتُ أغسل ذراعَى وساقَي، وكلى سعادة أننى سوف أبدأ غدا مرة أخرى. فى العام التالي، سوف تتفرق البنات كلها، أو سوف يستئن، سوف أمل ولن أفعل شيئا سوى القراءة.

أود لو أستمر فى وصف تلك العطلة، أن أطيل فى وصفها. أن أقص تلك القصة، كما لو كنتُ أنتهى منها فى غيمة المُعاش، كما لو كنا نقوم بتحميض فيلم تم تخزينه فى الصوان منذ ستين عاما ولم يسحبه أحد.

إنه يوم أحد فى نهاية العصر، فى بداية الطريق الضيق الذى يمتد خلف محل البقالة ومقهى العائلة، شارع المدرسة كما كنا نسميه بسبب الحضانة الخاصة التى كانت تقع فيه فى بداية القرن، بالقرب من حديقة الورود وزهور الداليا الصغيرة والتى كان يحميها سياج عالٍ يمتد بطول الجدار الذى يعلو منحدرا من الأعشاب الشيطانية. فى الناحية الأخرى، سياج سميك وعالٍ من شجيرات. منذ لحظة غير محددة وأمى فى محادثة مستفيضة مع امرأة شابة من الـ”هافر” تقضى عطلتها لدى حميها وحماتها مع ابنتها الصغيرة ذات الأربعة أعوام، عائلة “س”، الذى يقع منزلهم على بعد عشرة أمتار من شارع المدرسة. بلا شك أنها خرجت من الدكان –الذى لا يغلق أبوابه مطلقا فى تلك الفترة- كى تستمر فى الثرثرة مع عميلتها. أنا ألعب إلى جوارهما مع فتاة صغيرة تدعى “ميريل”، نجرى وتمسك كل بالأخرى. لا أعرف كيف انتبهتُ، ربما بسبب صوت أمى الذى خَفَتَ مرة واحدة. أخذتُ فى الإنصات إليها، كما لو كنتُ قد توقفتُ عن التنفس.

لا يمكننى أن أعيد بناء قصتها، يمكننى فقط أن أعيد تكوين فحواها والعبارات التى تخللت السنوات جميعها وصولا إلى اليوم، وقد امتدت فى لحظة لتشعل حياتى كطفلة كاللهيب الأخرس بلا حرارة، بينما كنت أستمر فى الرقص والدوران بجوارها، ورأسى منكسٌ كى لا أوقظ شكوكها.

(هنا يبدو لى أن العبارات تمزق منطقة قاربت على الإعتام، تنهشني، ثم تجِهز على كل شيء)

تحكى أنهما كانا قد رُزقا ببنت أخرى غيرى وأنها ماتت بالدفتيريا فى سن السادسة، قبل الحرب، فى “ليلبون”. تصف الجِلد فى جوفها، اختناقها. تقول: “لقد ماتت مثل قديسة صغيرة”

تسرد العبارات التى قلتِها لها قبل أن تموتي: “سوف أذهب لأرى العذراء مريم ويسوع الطيب”

تقول “كان زوجى قد جُن” عندما عثر عليك ميتة وهو عائد من عمله فى معامل تكرير “ميناء جيروم”.

تقول “فقدان رفيقك ليس كفقدان أى أحد آخر”

تقول عنى “إنها لا تعرف شيئا، لم نكن نريد أن نحزنها”

وفى النهاية، تقول عنكِ “كانت ألطف من هذه”

هذه هى أنا.

ثبت مشهد تلك القصة كالصورة الفوتوغرافية. أرى الموقع المحدد للمرأتين فى الشارع، كل منهما فى علاقتها بالأخرى. أمى ترتدى بلوزة بيضاء وهى تمسح عينيها بمنديلها من حين إلى آخر. وظل المرأة الشابة، الأكثر أناقة من الزبائن المعتادين، فى ثوبها الفاتح، وشعرها مشدود إلى الخلف فى كعكة غير مرتفعة، جسدها بيضوى وديع. (بسبب ذلك التعويض التلقائى الذى تجريه الذاكرة وسط تعدد الكائنات التى نقابلها بغرض ربط كل اثنين، مثلما نفعل مع أوراق لعبة الكوتشينة، أخلط الآن بين تلك المرأة وبين مديرة معسكر للعطلات كنت أعمل به موجِهة، فى “إيمار” بالقرب من “روان”، عام ١٩٥٩، كانت كُنيتها “نملة”، وكانت ترتدى أبيض وبيج)

أكثر من أى شيء آخر، يشهد على واقعية المشهد لديَّ نوع من الهلوسة الجسدية، ف”أشعر” أننى أجرى فى دوائر متقاربة حول المرأتين، “أرى” صوان شارع المدرسة والذى لن يكسوه الأسفلت إلا فى أعوام الثمانينات، المنحدَر، سياج الأسلاك الشائكة، الإنارة الآخذة فى الخفوت، كما لو كان يجب امتصاص كل ديكور العالم من أجل تحمل ما سوف يقع.

لا يمكننى أن أحدد تاريخ ذلك الأحد الصيفى بدقة، لكننى دائما ما وضعته فى شهر أغسطس. منذ خمسة وعشرين عاما، أثناء قراءة “يوميات بافيرس”، اكتشفت أنه انتحر فى غرفة فندق بـ”تورين” فى ٢٧ أغسطس عام ١٩٥٠.    وسرعان ما تحققتُ، وقد كان يوم أحد. منذ ذلك الحين، أتخيل أنه هو الأحد نفسه.

أبتعد عنه من عام إلى آخر، لكن ذلك وهم. ليس هناك زمن بينكِ وبيني. هناك كلمات لم تتغير أبدا.

“لطيفة”. يبدو لى أننى كنت بالفعل أعرف أن تلك الكلمة لا يمكن تطبيقها عليَّ وفقا للصفات التى كنت أتلقاها يوميا من جانب أبوَي: “وقحة، الهانم القذرة، أم العريف، شرهة، بغيضة، راكبها شيطان.” ومع ذلك فقد كنتُ أبتلع لومهم بيقين أننى محبوبة والذى كان يؤكده اهتمامهم المتواصل بشخصى الصغير، كما أكدته هداياهم. بنت وحيدة، مدللة لأننى وحيدة، دائما الأولى على الفصل بلا مجهود، كنت أشعر –فى الإجمال- أنه كان من حقى أن أكون ما كنتُ عليه.

“لطيفة”، لم أكن كذلك أيضا فى عينَى الرب، مثلما أكد لى رئيس الكنيسة “ب”، عقب اعترافى الأول فى سن السابعة، عندما اعترفتُ بارتكابى ل”أفعال سيئة وحدى ومع آخرين” مما أعتبرُه اليوم يقظة عادية للنزعة الجنسية، ومما جعلنى أستحق الذهاب إلى جهنم وفقا له. ومثلما أكدت لى مديرة المدرسة الداخلية ذات يوم وهى تتخللنى بعينيها والشرَّر يتطاير منهما “يمكن للمرء أن يحصل على الدرجة النهائية فى جميع المواد دون أن يروق للرب”. لم أكن أُبدى استساغة للأمور الدينية. لم أكن أحب الرب، كنت أخشاه، إلا أن أحدا لم يشك فى ذلك، فقد كنت فقط حرونا، وصامتة، بينما هى تهمس فى أذنَى فى الكنيسة وهى راكعة على ركبتيها “صلى جيدا ليسوع الطيب”، وكان ذلك بمثابة الإنذار الذى شعرت به كطيش غير جدير بالأم القوية التى كانتها.

“لطيفة”، كانت تعنى أيضا حنون، متملقة، “تواقة” مثلما كانوا يقولون باللهجة النورماندية عن الأطفال والكلاب. وبما أننى كنت بعيدة عن البالغين، مفضلة مراقبتهم والإنصات إليهم على معانقتهم، فلم يعتبروننى “لطيفة”. لكننى كنت واثقة من كونى كذلك معهما هما الاثنان، أكثر لطفا حتى من بقية الأطفال.

بعد مرور ستين عاما، ما زلت لا أكف عن الاتكاء على تلك الكلمة، وعلى كشف مدلولاتها وفقا لكِ، ولهما، بينما كان معناها وقتها مومضا لدرجة أنه بدَّل موقعى فى ثانية واحدة. بينهما وبينى الآن، هناك أنتِ، المخفية، المعشوقة. تم إبعادي، تم دفعى كى يكون لكِ موقعكِ. تمت تنحيتى للظل بينما تتألقين فى أعلى وسط النور الخالد. كنتُ دوما فى مقارنة بك، أنا التى لا تُقارَن بأحد، أنا البنت الوحيدة. ما الواقع إلا تنسيق لكلمات، نَسَقٌ للحذف. أكثر/أقل, أو/ و, قبل/ بعد, أن أكون أو لا أكون الحياة أو الموت.

بينى وبين أمي، كلمتان. وقد جعلتها تدفع ثمنهما. كتبتُ ضدها. من أجلها. بَدَلا منها، مكان العاملة المعتدة بنفسها والمذلولة.

“أكثر لطفا”، أتساءل عما إذا كانت قد حرمتنى هذا الحق، أو حتى أنذرتنى بالحرمان منه، من أن أكونه، من أن أكون لطيفة. فى ذلك الأحد لم أتعلم السواد، بل أصبحتُه. يوم القصة هو يوم الحساب.

__________________________________

  • تحت الطبع فى كتاب واحد مع رواية أخرى لآنى ارنو “لم أخرج من ليلي” بدار أزمنة بعَمان