“من 30 سنة”.. مسخ هوليوودى مشوه ** أراد صناع الفيلم تقديم عمل غير مسبوق على مستوى التشويق والإثارة فأثاروا الشفقة والسخرية بقلم : أسامة عبد الفتاح   رغم أننى أُفضّل

999333

“من 30 سنة”.. مسخ هوليوودى مشوه

** أراد صناع الفيلم تقديم عمل غير مسبوق على مستوى التشويق والإثارة فأثاروا الشفقة والسخرية

بقلم : أسامة عبد الفتاح

 

رغم أننى أُفضّل أن يقدّم السينمائيون – فى أى مكان – ما يعبّر عنهم وعن مجتمعاتهم وما ينبع بحق من بيئاتهم ويعكس شخصياتهم وهوياتهم الفنية والوطنية، إلا أننى لا أرفض – فى نفس الوقت – أن يصنعوا، من وقت إلى آخر، أفلاما تتبع خطى هوليوود وتسعى لنجاحها الجماهيرى باستخدام خلطاتها التجارية، لكن بشرط واحد: أن تُصنع بنفس جودة ودقة وتماسك وإحكام الأفلام الأمريكية، وإلا صارت مسخا مشوها منها.

للأسف الشديد، هذا هو المصير الذى آل إليه فيلم “من 30 سنة”، الذى بدأ عرضه فى مصر فى موسم عيد الفطر المبارك هذا الشهر، حيث تحوّل إلى مسخ مشوه، فلا خرج معبرا عن بيئته ومجتمعه والفنانين المشاركين فيه، ولا أصبح عملا ممتعا ومتماسكا على الطريقة الهوليوودية.

كان صناع الفيلم يرغبون فى تقديم عمل غير مسبوق على مستوى التشويق والإثارة فى مصر، فإذا به يثير الشفقة والسخرية والضحك أيضا، ليس لما فيه من تخفيف ومواقف كوميدية، ولكن لما يتميز به من خفة وسطحية، وحلول وحبكات درامية غير قابلة للتصديق حتى لدى الأطفال.

قد تصدق أن مصريا يمكن أن يخطط، ويُقدم بالفعل، على قتل تسعة دفعة واحدة من أقاربه لكى ينتقم لوالديه من ناحية ولكى يستولى بمفرده على الميراث من ناحية أخرى – رغم أننى شخصيا أستبعد ذلك، لكن من الصعب أن تصدق، أو حتى تقبل، الأساليب والحلول التى استخدمها صناع الفيلم لتنفيذ ذلك والتعبير عنه.

على المشاهد أن يصدق – على سبيل المثال – أن هناك زهورا جاذبة للوطاويط، وأن مصريا – أو أى مواطن من أى جنسية أخرى – يمكن أن يستخدمها فى جريمة قتل، وبعد ذلك عليه أن يقبل بوجود “قفص وطاويط” يمكن أن يجمعه المرء ويتحرك به ليطلقه فى الهواء فى المكان والوقت المناسبين كأنه قفص حمام أو دجاج!!

عليه أيضا أن يصدق أن سفاحا خطيرا يمكن أن يعرّض نفسه للخطر لينقذ ضحيته من موت أعده لها بنفسه لمجرد إبعاد الشبهات عنه، أو يمكن – لذات الغرض – أن ينام وسط تسرب للغاز بعد أن يحسب الوقت الكافى لتسميمه فقط وليس لقتله (!!) أرأيت حجم التلفيق والاستسهال والسطحية؟

ليس من المقبول ولا المعقول أيضا أن يتنافس سفاحان بهذه العقلية الإجرامية على حب فتاة يعرفان جيدا أنها مادية للغاية وأنها تسلم قيادها لمن يدفع أكثر، أو أن يخلص أحدهما فى حبها إلى درجة أن يعترف لها بكل جرائمه فى لحظة كان يتصور خلالها أنه يحتضر بسبب سم وضعته هى له فى الشمبانيا!!

وبمناسبة الفتاة، يستمر الفيلم فى تقديم الصورة النمطية السخيفة والسلبية التى اعتادت الأعمال الدرامية المصرية تقديمها عن “مثقف وسط البلد” المصري، وذلك من خلال شخصية الشاعرة السكندرية التافهة والمادية التى جسدتها منى زكي، والتى جاءت مطابقة لكل المثقفين النمطيين الذين طالما أتحفنا بهم سينمائيونا: سطحية، قليلة القيمة والموهبة، غوغائية، مدعية، مفلسة، جائعة دائما، ومستعدة لكى تصنع تمثالا لمن يشترى لها سندويتش!

وهنا لابد من كلمة فى أذن منى زكى وصناع الفيلم: مثقفات وشاعرات وسط البلد لا يضعن الماكياج الكامل والفاقع طوال الوقت هكذا، إن لم يكن لأنهن جادات، فعلى الأقل لأنهن مفلسات كما تؤكدون!

وما سبق كله لا يمنع – من باب إحقاق الحق – جودة التنفيذ الفنى لعدد من المشاهد، ومنها سقوط الخالة (ميرفت أمين) فى بئر الأسانسير وإنقاذها منه، وأيضا مشهد سقوط سيارة “العرسان” فى الماء وغرقها بمن فيها.

هناك أيضا الأداء التمثيلى الجيد لعدد من أبطال الفيلم، ومنهم منى زكى وميرفت أمين، التى يسعد المرء كلما رآها على الشاشة بنفس الحيوية والحضور، وكذلك رجاء الجداوى ومحمد مهران، فيما لم يضف أحمد السقا وشريف منير ونور وصلاح عبد الله وأحمد فؤاد سليم شيئا للفيلم ولا أضاف لهم الفيلم شيئا، وظلت جميلة عوض تراوح فى مكانها، وتؤدى بنفس الطريقة الجافة التى لو أصرت عليها أكثر من ذلك ستكتب لنفسها نهاية فنية مبكرة.

يتحمل السيناريست أيمن بهجت قمر مسئولية خروج الفيلم بهذا الشكل الممسوخ والمحبط، لكن المخرج عمرو عرفة يتحمل أيضا مسئولية الموافقة على إخراج هذا السيناريو والتحمس له!