تعلم اللغات هوايته منذ الصغر لكنه لم يتم تعلم أية لغة إلا بعد أن أتقن العربية، لغته الأم، كما حفظ القرآن الكريم على يد شيخ معمم، استجابة للعادة التي تفضلها

ننن

تعلم اللغات هوايته منذ الصغر لكنه لم يتم تعلم أية لغة إلا بعد أن أتقن العربية، لغته الأم، كما حفظ القرآن الكريم على يد شيخ معمم، استجابة للعادة التي تفضلها الأسرة المصرية حتى الآن. ومنذ وقت مبكر ظهر ميل المترجم أحمد صلاح لتعلم اللغات، إذ كان يحفظ المفردات الإنجليزية دون فهمها، وكانت هذه العادة، التي ساعدته والدته  على تنميتها،  وحددت مساره العلمي والعملي.

درس أحمد صلاح الدين الذي برز نشاطه مؤخرا الادب الإنجليزي ثم الروسي، الذي سحره أدباؤه كما سحر العديد من القراء العرب، فأسماء مثل تولستوي، وتشيكوف، ودوستويفسكي، جذبته لطريقها حتى أنها جعلته يدرس الأدب الروسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم يتوقف عند الادب الروسي فقط، فقد مكنته معرفته باللغة الانجليزية من قراءة العديد من روائع الآداب العالمية، حتى قبل أن تترجم للعربية.

من أحدث اعماله المترجمة “صلاة تشيرنوبل” الحاصلة على نوبل للآداب 2015 سفيتلانا ألكيسيفيتش، ورواية “أورشليم” للكاتب البرتغالي جونسالو إم. تافاريس، الذي يعد العمل الأول الذي ينقل للعربية للكاتب.

في هذا الحوار  تساؤلات عن احلامه وطموحاته ومشاكل الترجمة في مصر والعالم العربي، ومشروعاته المستقبلية وعن ضعف الإقبال على الترجمة من الروسية، وغيرها من التساؤلات.

حوار: أحمد ليثي

لماذا اتجهت إلى الكتابة والترجمة، هل هناك عوامل معينة قادتك لهذا الطريق؟

كنت في الصف الخامس الابتدائي، حين اقتربت أمي مني ذات مرة، ولم تكتف بالمرور العابر. إنما جلست إلى جواري صامتة للحظات، لم توجه لي أية أسئلة، انما ناولتني كشكولا جمعته من بقايا الكراسات، اعدته في مطبعة قريبة من منزلنا وأوصتني بأن أكتب أي فكرة تمر ببالي، خواطر، يوميات. كان هذا أول تحريض على الكتابة. أما عن اهتمامي باللغة، فقد أرسلتني لشيخ لأتعلم أصول القراءة والكتابة والنطق وحفظ القرآن. ما منحني تأهيلا رائعا في القراءة والنطق السليم، وأسس قاعدة بنيت عليها فيما بعد معرفتي اللغوية ودراستي للغات أخرى. أتذكر أنه كان لدي ميل طبيعى نحو اللغات، كنت آخذ كتب أختي التي كانت تكبرني بثلاث سنوات لأدرس ما بها من كلمات، وكنت استمع لما يقوله الممثلون في الأفلام والمسلسلات الأجنبية دون النظر للترجمة، فتكونت عندي مفردات كثيرة في فترة مبكرة. مكتبة خيري شلبي كان لها تأثير إيجابي علىّ، حيث سمح لي باستعارة ما أريد من الكتب، حين لاحظ انبهاري بكم الكتب المتراصة في المكتبة، كانت أول مرة في حياتي أرى هذا الكم من الكتب في بيت، أتذكر أن اختياراتي جميعها كانت من الآداب الأجنبية. قرأت كتب عائلة برونتي، ديكنز، شكسبير، فلوبير، موباسان، كامو، جول فيرن، اتش جي ويلز. إلى جانب جوركي، تشيخوف، أخماتوفا،  وغيرها. وكان لهذه الفترة الفضل في يقيني أن ميلي الأكبر دراسة الأدب، فكان التحاقي بقسم اللغة الانجليزية بكلية الآداب، جامعة عين شمس.

دراستك هى اللغة الانجيزية أساسًا، لماذا اتجهت للأدب الروسي؟

درست اللغة الانجليزية ، وهو ما راق لي. لكن حلم دراسة اللغة الروسية كان يراودني، فقد أحببت الأدب الروسي كثيرا، وتعلقت بأسماء كتابه الكبار وأعمالهم، خاصة تولستوي، جوجول، تشيخوف، جوركي، وستويفسكى، ليرمنتوف، حيث قرأت لبعضهم أعمالا باللغة العربية في المرحلة الثانوية، ثم استكملت القراءة باللغة الانجليزية أثناء دراستي في الكلية، فتمنيت أن أقرأ لهم بلغتهم واترجم عنهم. تحقق حلمي في دراسة الأدب الروسي بعد انتهائي من دراسة الأدب الانجليزي بسنوات، حيث درست اللغة الروسية والأدب الروسي في النصف الثاني من القرن الـ19 بجامعة رودين بموسكو، وحصلت على تقدير امتياز. شرعت بعدها في دراسة الماجستير في الأدب المقارن، ولكني لم أكمله لوفاة والدي واضطراري للعودة للقاهرة لرعاية اخوتي. ومنذ أيام تواجدي في موسكو وأنا أفكر في العديد من المشروعات التي أتمنى تنفيذها.

ماذا عن مشوارك المهني؟

بداية العمل في مجال الترجمة كانت أثناء سنوات الدراسة، حيث تعاملت مع مكاتب الترجمة الصغيرة في وسط البلد، أول مبلغ حصلت عليه كان 50 جنيها نظير ترجمتي 25 صفحة عام 1992. ومنذ هذا التاريخ وأنا أعمل في مجال الترجمة، تجاوز إجمالي ما ترجمته مليوني كلمة من الانجليزية للعربية؛ سبعمائة ألف كلمة من الروسية؛ مليون كلمة إلى الإنجليزية. شاركت في تنفيذ ترجمات في كل المجالات تقريبا، ترجمت للأمم المتحدة، البنك الدولي، منظمة الصحة العالمية، منظمة التجارة العالمية، أمازون، مايكروسوفت، أبل، كل ما سبق كان من قبيل “أكل العيش”، لكن قلبي كان في اتجاه آخر. وبعد تعرضي لأزمة عام 2012، قررت أن أفعل فقط ما أحب، لكن تنفيذ القرار تأخر حتى عام 2014.

ما ملامح مشروعك؟

أرغب بالأساس في القاء الضوء على المساحات المعرفية التي غطاها الظل، إضافة إلى المساهمة في مد جسور تواصل جديدة بين اللغة العربية وغيرها من اللغات، مع الحفاظ على المنجزات التي تحققت من خلال اساتذة وزملاء نعتز بهم، وفي هذا الصدد شرعت في ترجمة العديد من النصوص العربية إلى اللغة الإنجليزية لأسماء عربية بارزة وشابة، أبرزهم ابراهيم عبد المجيد، مكاوي سعيد، بهاء طاهر، انيس الرافعي، عزت القمحاوي، طارق امام، منصورة عز الدين، احمد عبد اللطيف، اريج جمال، وغيرهم

هل هناك أعمال سبقت “ورثة تالستوى”، وما سبب تغييرك لاسم تولستوي كما اعتدنا إلى تالستوي؟

لقد ترجمت العديد من الأعمال قبل “ورثة تالستوي”، لكن بعقود من الباطن لم تسمح لي بوضع اسمي.  كان تركيزى على العمل وتحصيل المال فقط، دون النظر إلى ما أحب، ودون الاهتمام باسمي. أما موضوع تغيير تالستوي إلى تولستوي، فأنا لم أغير شيئا، فالنطق الصحيح لاسمه هو الأخير، المسألة تتعلق في اعتياد الناس على نطقه تولستوي، وما فعلته فقط أني كتبته بشكل صحيح، لم يكن هذا استعراضا أو محاولة للفت نظر، فقط فعلت ما أراه صحيحا، وفق ما أعرف، ووفق دراساتي. هذا مع كامل الاحترام والتقدير لأي رأي آخر.

ما الذي كنت ترمي إليه بتقديم كتاب “ورثة تالستوي على جسر كوزنيتسكي”، وما جسر كوزنيتسكي؟

أولاً: جسر كوزنيتسكي، مكان ارتبطت به في موسكو، كنت أجلس هناك على مقهى في أوقات فراغي. حيث تباع الكتب وتقام المهرجانات، كانت بداية مشروعى مع الروسية. أخبرني بعدها صديقي الدكتور أنور ابراهيم أن هذا المكان ارتبط ببيع الكتب الممنوعة خلال فترة الاتحاد السوفييتي.

ثانيًا: فكرة الكتاب قديمة، إذ شغلتني منذ أيام دراستي في موسكو مطلع الألفينيات. درست بعض نماذج من الأدب الحديث والمعاصر، إلى جانب جواهر الأدب الروسي، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الفترة التي صنعت تواجد الأدب الروسي في قلوب وعقول محبي الأدب على مستوى العالم.

قدمت في الكتاب صورة بانورامية للمشهد الأدبي الروسي الحالي، لأفتح المجال أمام ترجمة أعمال كتاب معاصرين من المخضرمين والشباب. كان علىّ أولا أن نقدم تعريفا مبسطا للقارئ العربي، بهدف خلق حالة من الألفة مع الحالة المعاصرة في الأدب الروسي، ولم أغفل الدخول إلى المعاصر من بوابة الكلاسيكي المعروف، حتى لا أصدم القارئ، وحتى لا يصير الجسر غريبا مقلقا. حرصت في أثناء إعداده على  ألا يبدو  نقدي جافا، وإنما كتاب يفتح لنفسه قنوات تواصل مع قطاع عريض من القراء، من المهتمين، وغير المهتمين. واحتوى على نماذج مترجمة لعدد من الكتّاب، ويمكنني القول ان هذا  الجزء هو الأهم، من خلاله عرفت إلى أين اتجهت بوصلة القراء، التي من خلالها يمكنني تحديد الكتاب القادم. وراعيت أن تفتح صفحات الكتاب لك افاقا جديدة؛ أن تنتظر بشغف أعمالا مترجمة للغة العربية عن الروسية. لو استطاع الكتاب أن يفعل هذا، فقد حقق ما صنع لأجله.

ثالثًا: لا يجب أن ننسى أن الصورة الذهنية عن روسيا عموما لم تكن ايجابية، ومعلوماتنا عن وضع الأدب والفن في روسيا ضعيفة. يمكننا الآن أن نترجم دون قلق، لأني عرفت دور نشر تخشى تقديم أسماء غير معروفة ، لأنها تخشى المخاطرة، لكني وجدت أخيرا الناشر الذي آمن بالفكرة وتحمس لها، صديقي  وائل الملا  الذي أراه أحد أفضل الناشرين، فهو يقدم كتباً جادة ومفيدة، وأعتقد أنه سيحقق نجاحاً كبيراً خلال السنوات القادمة.

ننن

أحمد صلاح الدين …….. تصوير . الفنان محمد ناجي الشناوي

 

يحتل الادب الروسي مكانة عالمية، في رأيك لماذا تراجعت الترجمة عن الروسية؟

الأدب الروسي أدب انساني رائع، طالما أمتعنا، وما زال، وكان له فضل كبير في تشكيل وعينا. لهذا التراجع أسباب عديدة، أهمها حالة الخصام السياسي التي حدثت بين مصر وروسيا في عهد السادات، إلى جانب انهيار الاتحاد السوفييتي، وبالتبعية انهيار دور النشر العظيمة مثل رادوجا والتقدم وغيرهما، فقد كان أغلب المترجم إلى العربية يجري في روسيا. وهناك أسباب داخلية عندنا مثل غياب الرؤية والاستراتيجية الكاملة.

ماذا عن كتاب “صلاة تشيرنوبل” لسفيتلانا أليكسيفيتش؟

أعتز جداً بهذه التجربة،  ليس للأمر علاقة بكون صاحبة الكتاب حاصلة على جائزة نوبل، لكن لأن موضوع الكتاب شديد الإنسانية، ذو أبعاد فلسفية، فكرية، سياسية، وربما ثيولوجية أيضاً، وفي ذات الوقت قراءته ممتعة. حكايات داخل الزمن وخارجه، ترى نفسك في كل حكاية منها، تنتقل بك بين حالات شديدة التباين، فمن  دمعة حزن، إلى ابتسامة أمل، أو ضحكة تملأ الفضاء اليائس، لحظات تأمل عميق، فراق، حب، خيانة. حكايات الإنسان الصغير في عالم واسع يقرر فيه بعض الأشخاص مصير البشرية، وفي النهاية يدفع الثمن وحده وينجو الفاعل الحقيقي. إنها حكايات الوحوش التي يخترعها الإنسان لقهر نفسه، حتى المدينة الفاضلة بدت كأنها هي الأخرى وحش من هذه الوحوش.

بما أنك قمت بترجمة أهم أعمال سفيتلانا أليكسيفيتش، في ظل النقد الذي يوجه لها والمتعلق أساسا بأنها لا تكتب أدبًا حتى تفوز بنوبل للآداب، وإنما توثيقًا، كيف ترى ما تكتبه أليكسيفيتش؟

على المستوى الشخصي، أعشق ما تكتبه سفيتلانا أليكسيفيتش، وأعتبره أدباً فارقاً، ولا أبالغ بقولي ان كتابتها ستؤثر في الكتابة على مستوى العالم. امتنعت عن قول رأيي حين حصولها على نوبل، رغم أني قرأت لها بعضا مما كتبت منذ عام 2004.  كان الهجوم عنيفاً، ، ولم يكن لدي رغبة في الجدل، لكني قلت ان الترجمة هي الحل، وعذرت كل من تحدث عنها، حتى ولو كان نقلا عمن يثق بهم. حتى مع ترجمتي لـ “صلاة تشيرنوبل”، لم أكتب مقدمة، تركتها تتحدث عن نفسها، وعملها يتحدث عنها، والفرصة متاحة للجميع الآن لتقييم ما تكتب.

ما المشاريع التي تعمل عليها حاليًا؟

أوشكت على الانتهاء من كتابين آخرين أعمل عليهما منذ ستة وخمسة أعوام. هناك أيضاً كتاب رحلات ممتع للمدون الروسي الصديق ديميتري كارياجين “الحياة في مصر”، وكتابان آخران لدينيس جوتسكو وبريليبين، أتمنى تقديمها جميعا خلال ما تبقى من عام 2016، وعام 2017. إضافة إلى أفكار كثيرة أتمنى تنفيذها في الفترة القادمة.

في رأيك لماذا يضعف انتشار الأدب العربي في الخارج، وهل ترى أن هناك أعمالا عربية تستحق الترجمة؟

غياب جسور تواصل قوية، تتميز بالثبات والاستمرارية. أما عن الأدب العربي، فهناك من يقدم أدباً رفيعاً ولا أبالغ إذا وصفته بالعالمي.

ما المشاكل التي تعانيها الترجمة في مصر حاليا؟

أولها عدم وجود استراتيجية واضحة للدولة، تتكاتف فيها كل الأجهزة. يجب أن يكون هناك معايير واضحة ومحددة في كل المراحل.  العديد من العناوين تتكرر ترجمتها في أماكن عديدة، ناهيك عن القرصنة التي تقوم بها بعض دور النشر التي تعمل من وراء الستار. وهناك سؤال يطرح نفسه بقوة، ماذا تفعل أقسام اللغات بالجامعات المصرية، ولماذا تدنى مستوى الخريجين؟ أين البرامج التدريبية لرفع مستوى المترجمين أو تأهيلهم من الأساس؟ يجب وضع معايير دقيقة لتحديد أجور الترجمة، كما يجب أن يكون هناك بنود تعاقد معيارية يتفق عليها الجميع وتفرضها الجهة المسئولة على الجميع، فلا يصح أن يتساوى المتخصص ذو الخبرة مع غيره. وقد وضع العالم معايير أيزو في الترجمة منذ زمن بعيد. الأمر عائد بالأساس إلى غياب استراتيجية واضحة للدولة في هذا الصدد.

ما النصائح التي يمكن أن تقدمها لمترجم يخطو خطواته الأولى في الترجمة؟

يجب أن يكون مؤمنا بأهمية الدور الذي يقوم به، وألا ينسى أبدا أنه يحمل أمانة، وله دور معرفي كبير. أن يظل تلميذا يتعلم طوال الوقت، لا يتوقف عن الدراسة والاطلاع والتدريب لرفع مستواه باستمرار. أن يجتهد ويعمل دون كلل، بقلبه، وروحه، ويركز دائما على الاعمال الجيدة.