رحل محمد خان رحيلا مباغتا بلا مرض تصاحبه رقدة طويلة، ولقاءات تليفزيونية تُعد خصيصًا عند معرفة مدى سوء الحالة الصحية، واحتفاء يأتى متأخرًا، واستعجالا لتكريم مؤجل فى درج مسئول

khan(7)
he

هند جعفر تكتُب

 

رحل محمد خان رحيلا مباغتا بلا مرض تصاحبه رقدة طويلة، ولقاءات تليفزيونية تُعد خصيصًا عند معرفة مدى سوء الحالة الصحية، واحتفاء يأتى متأخرًا، واستعجالا لتكريم مؤجل فى درج مسئول حكومى، إلى آخر مراسم ما قبل الوداع التى تُقام للمبدعين على عجل فى مصر.. ولكن خان  خارج المنافسة دومًا ولذا كعادته فضل المباغته وإن كنت أظن انه لم يتعمدها فى الرحيل.

كمؤرخ دؤوب عشق خان التوثيق والتقاط التفاصيل الصغيرة.. حرص فى بداية أغلب أفلامه أن يكون المشهد الافتتاحى مشهدًا توثيقيًا للفترة الزمنية التى يدور فيها الفيلم وغالبًا ما كان صوت الراديو هو مُعينه فى هذه المهمة فيجعله يُفضى إلى المشاهد بتلك الأخبار السريعة التى تصحو عليها القاهرة فى صباح يوم جديد، بينما تتجول الكاميرا فى الأنحاء تلتقط ما يريد خان إبرازه وتؤرخ هى الأخرى للمكان.

منذ “ضربة شمس” وحتى “قبل زحمة صيف” أخرج خان 23 فيلمًا لم يخذل فيها جمهوره إلا فى تجربتين اثنتين لم تأتيا على نفس المستوى المعهود من الإبداع الذى أصبح علامة مميزة لأعماله وإن لم تكونا أيضًا تجارب سيئة فى كل الأحوال. ففى النهاية محمد خان مخرج لديه ما يقوله. يُحسب له نضاله المتواصل لإخراج مشاريعه إلى النور فى ظل أزمة صناعة عاصفة،لم يستسلم لحال سوق راكد تفرض شروطه رغبات التوزيع الخارجي، فكون مع سعيد الشيمى ونادية شكرى وعاطف الطيب شركة للإنتاج وعندما وجد الأمر يفوق احتمالهم المادى ناضل مع فنانين اتجهوا للإنتاج بأموالهم رغبة فى تقديم تجارب جادة، ثم طرق أبواب التقنيات الرخيصة نسبيًا فجاءت تجربة التصوير الديجيتال فى “كليفتي” وما إن بدأت الانفراجة الشبابية بعد “اسماعيلية رايح جاي” حتى استطاع خان التواجد والمنافسة بقوانينه الخاصة فقدم فيلمين جمعا النجاح النقدى والجماهيرى “بنات وسط البلد” و”شقة مصر الجديدة”.

kkkllk

ظل خان مهمومًا بحال الطبقة الوسطى وفيًا لها ولتكوينها الاجتماعى الذى أخذ يتآكل بعد حرب أكتوبر 1973 وهو الهم الذى شاركه فيه أغلب مخرجى جيله؛ جيل الثمانينات. برز اسمه مع عاطف الطيب كأهم مخرجين فى جيلهما استطاعا تسجيل المنحنيات التى مرت بها هذه الطبقة بواقعية لم يغلب عليها التغريب الذى مارسه البعض الآخر وتمادى فيه، برع عاطف فى نكأ الجروح وإظهارها رغبة فى التطهير بينما اختار خان المداواة بهدوء والرهان على الغد وإن كان غامضا ومشوشًا، ففارس فى “الحريف” يختار اللعب بحرفنة لمرة أخيرة وتعديل النتيجة لصالح المهزومين رغم اعترافه لابنه ان زمن اللعب راح، وفى “عودة مواطن” يقف شاكر حائرًا بين الهروب للخارج أو العودة لأخوته لإنقاذهم وإنقاذ نفسه.. وفى “سوبر ماركت” يقبل الجميع ببيع نفسه وتبديل مبادئه فى السوبر ماركت إلا رمزى الفنان يظل يراقب بحسرة رافضًا كل المحاولات الرخيصة التى عُرضت عليه، يظل مخلصًا لفنه غير متقبل للزيف، ويبقى باب الأمل مواربًا لدى خان رغم كل الضغوط التى يعانيها أبطاله.

يعشق مخرجنا شخصيات أبطاله يتعاطف معهم ويلتمس لهم العذر رغم أخطائهم التراجيدية، ثنائية الزوج والعشيق فى موعد على العشاء ملتبسة تحتار فى موقفك من كليهما كلاهما مدان وكلاهما ضحية، هشام فى زوجة رجل مهم محكوم بخطئه حتى النهاية يتماهى معه ولا يرى فى سلوكه مشكلة من الأساس هو ضحية لنظام كامل مهزوم قبل أن يكون ضحية لذاته المتعجرفة، يضرب فارس فى الحريف زوجته ويكاد يقتل مدربه ولكنه فى النهاية لم يكن ليقبل لنفسه بالذل الذى ارتضاه الجميع، يبذل محمد خان مجهودًا فى توجيه الممثل يجعله يختلف كثيرا أمام كاميرا خان عن أى تجربة أخرى له، ورغم تعاونه مع أحمد زكى ونور الشريف وسعاد حسنى والفخرانى وغيرهم من نجوم الصف الأول إلا أن تأثيره ظهر جليًا مع عدة أسماء أولهم نجم الشباك الأول لفترة كبيرة عادل إمام والذى غير جلده كليا فى الحريف وقدم أفضل أدواره التمثيلية على مدار تاريخه، ونجلاء فتحى فى أحلام هند وكاميليا بالإضافة لميرفت أمين فى فيلمين زوجة رجل مهم وعودة مواطن وغادة عادل “فى شقة مصر الجديدة” هؤلاء مع خان قدموا أدوارًا مغايرة لما قدموه من قبل فمن سوى خان كان ليغامر باختيار نجلاء ذات الملامح الارستقراطية الهادئة لدور شغالة تخدم فى البيوت وتقاتل فى دنياها من أجل لقمة العيش! كان الأمر يحتاج لعين مخرج مغامر كان يحتاج إلى خان.