ترتبط فنون الشارع فى الأذهان بمفاهيم مثل الحرية والثورة والجمال… هى فنون تكبلها عادة قيود عديدة، فنون مؤقتة مرتبطة برضا السلطات المركزية والإدارات المحلية، فنون تقع خارج النظام وفى غالب

مسرح الشارع
سلمى مبارك

سلمى مبارك

ترتبط فنون الشارع فى الأذهان بمفاهيم مثل الحرية والثورة والجمال… هى فنون تكبلها عادة قيود عديدة، فنون مؤقتة مرتبطة برضا السلطات المركزية والإدارات المحلية، فنون تقع خارج النظام وفى غالب الأحوال خارج إطار القانون.

بعيدا عن أماكنها التقليدية: قاعات العرض، المسارح.. الخ، تحتل فنون الشارع مساحات من الحيز العام: شوارع، شواطئ، بنايات مهدمة، موانئ.. يتنوع ما تقدمه بين رسوم وعروض: مسرح، سينما، موسيقى، رقص، عرائس، ألعاب بهلوانية، أكروبات.. وتتنوع أيضا ما بين الأشكال التقليدية والأشكال الحداثية تلك التى تلجأ للأدوات البدائية وتلك التى تستخدم معدات تعمل بالتكنولوجيا المتقدمة، وهى تختلف أيضا من حيث حجم الفرق الفنية وإمكاناتها التنظيمية وقدرتها على الحشد.

ظهر ما يسمى بـ«فنون الشارع» خلال سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضى فى الغرب، مع امتداد الثورات الاجتماعية وحركات التحرر التى ميزت تلك المرحلة. كان الهم الأول لدى الفنانين هو تجاوز الأشكال والتصنيفات الفنية الكلاسيكية وإعادة التفكير فى العلاقة بين الممارسة الفنية والمكان المرتبط بها. لكن فنون الشارع تميزت أيضا بالبعد السياسى والرغبة فى تسجيل الفنان موقفا من قضايا مجتمعه والوصول مباشرة لمتلقيه، دون التقيد بالقواعد والقوانين. فـ«النزول إلى الشارع» أصبح فعلا وهدفا لجيل كامل من الفنانين يسعون من خلاله للتعبير عن مواقف فنية وفكرية. اتخذ الرسم من حوائط المدينة مساحات للتعبير، ترك المسرح خشبته واحتل الشوارع والأرصفة وكذلك فعلت فنون الموسيقى والرقص وغيرها. تزامن كل ذلك مع الرغبة فى اكتشاف لغات فنية جديدة واستكشاف مساحات المدينة بعين الفنان وبراح التجريب.

لماذا يخرج الفن للشارع؟

فنون الشارع نوعان: فى النوع الأول، الشارع مجرد خلفية يستخدمها فنانون لم يجدوا مكانا لهم داخل القاعات المغلقة، والشارع بالنسبة إليهم هو مرحلة وسيطة تستمر حتى تفتح أبواب القاعات. فى نفس هذا النوع نجد فنونا تقليدية خرجت للشارع بشكل مؤقت لارتباطها بحدث معين مثل مهرجان ما أو فعاليات ذات طابع مناسباتى. أما فى النوع الثانى فالتواجد فى الشارع جزء من طبيعة العرض. هنا نجد فنونا ترتبط بالشارع بسبب أصولها الشعبية أو تاريخها القديم كالأراجوز مثلا أو لاعب النار أو لاعب البيانوللا، أو راوى السيرة، الخ.. وهى فنون تقليدية مارست عليها المدينة الحديثة وتقنين المكان العام واستخداماته ضغوطا فاندثرت أو كادت. فى نفس هذا النوع نجد فنونا تمارس داخل الأماكن المغلقة لكن مع انتقالها للشارع لا يصبح المكان العام خلفية، فالتواجد فى الشارع يحدث تحولا فى شكلها وطبيعتها ووظيفتها مثل ما يحدث فى المسرح التشاركى أو عروض الرقص التفاعلى والكثير مما يطلق عليه اليوم الفنون المستقلة.

لكن وجود الفن فى الشارع غالبا ما يرتبط بالعديد من الإشكاليات. فالشارع يقع ضمن مفهوم الحيز العام. والحيز العام فى علم اجتماع المدن هو مكان مادى متاح لاستخدام الجميع: طرق، ساحات، حدائق، مقاه، أسواق، فضاءات مفتوحة للممارسات المتعددة.. للحيز العام مجموعة من القيم المرتبطة بالثقافة المحلية تنظم استخدامه فى التفاعل الاجتماعى ويتمسك بها غالبية سكانه والسلطات القائمة عليه. للحيز العام أيضا معنى فلسفى، فهو عند هابرماس – الفيلسوف وعالم الاجتماع الألمانى – مكان مجازى يتشكل فيه الرأى العام من خلال النقاش الحر أثناء تواجد الناس فى نقاط التجمع مثل المقاهى والصالونات والنوادى وغيرها… يتحاور المرتادون فى الشأن العام ويكونون رأيا تشاركيا فى قضاياهم الحياتية والسياسية. ولطالما شكّلت السيطرة على الحيز العام جزءا من مشروع الدولة الحديثة. فقد ارتبط تخطيط المدينة الحديثة ببعد فنى يعبر أيضا عن وجود الفن فى الشارع لكن بشكل مختلف حيث تتحكم الدولة المركزية فيه من خلال اختيار الطرز المعمارية، شكل المباني، واجهاتها، ارتفاعاتها، الفراغات بين الكتل، شكل الميادين، التماثيل، عواميد الانارة، توزيع المساحات الخضراء…. كل تلك العناصر تشكل الصبغة الجمالية للمكان العام وكلها تخضع لقوانين صارمة تؤكد سلطة الدولة وقدرتها على تنظيم الحيز العام وتهيئة أغراضه للمنفعة العامة.

وبالرغم من أن المكان العام ذا الطابع الجمالى الذى تم الخطيط له من قبل السلطة المركزية: الميدان، الشارع، السوق… هو المرشح لاحتضان فنون الشارع المؤقتة، الا انه كثيرا ما يدخل مع تلك الفنون فى علاقات صراعية لأنها باختراقها للمكان وقدرتها على تحويل وظيفته من طريق للمرور أو لقضاء المصالح الى مكان يتوقف فيه المارة للفرجة، تشكل خرقا للنظام. فالحدث الفنى يعطل بشكل مؤقت الممارسات اليومية الوظيفية الخاصة بالمكان ويغير من طبيعته وشكله سواء باستدعاء التجمعات الكبيرة واختلاط الجماهير أو بإعاقة سير الأفراد وحركة المركبات. وهو مهدد برفض السطات له أو عدم تقبل سكان المنطقة بما يمثله من تحطيم للروتين اليومى المعتاد والمأمون. كلها اشكاليات تطرحها فنون الشارع ويحتاج منظمو تلك الاحداث الفنية للتعامل معها بحذر ولإيجاد حلول برجماتية لها.

يخرج الفن للشارع بحثا عن حرية التعبير. فواحد من المبادئ الموروثة فى فنون الشارع هو حق كل فنان فى التعبير عن ذاته وتقديم فنه فى الفضاء العام، وهو مبدأ يعود لسنوات النضال فى الستينات والتى اجتهد فيها الفنانون لاحتياز المكان العام. يخرج الفن للشارع كذلك كى يكون متاحا للجميع بلا مقابل، يستهدف الوصول للفئات التى لا ترتاد أماكن العروض المغلقة، إما بسبب عدم وجود القدرة المالية الكافية لديها أو بسبب غياب ثقافة التردد على العروض الفنية. على جانب آخر يتيح الشارع للفنان الخروج عن الأنماط الفنية وتجريب أشكال جديدة واستكشاف مدى تقبل الجمهور لها.

يخلق تواجد الفن فى الشارع مساحة فريدة للتفاعل الاجتماعي، مساحة مقتطعة من المكان المنسى والزمن الضائع. أما المكان فهو منسى لأن المار لم يعد يتفقده ولا ينظر اليه، وأما الزمن فضائع لأن عروض الشارع قصيرة تقتطع من زمن المشوار. تلك المساحة التفاعلية تسمح بإعادة ترميم العلاقة بين الناس وبعضهم البعض، فالمار يتوقف للمشاهدة، قد يتجاذب أطراف الحديث مع من هو بجواره وقد يجد نفسه مشاركا فى عرض تفاعلى، فيتشكل خيال جديد للمكان القديم. نزول الفن للشارع يقاوم الفردية والعزلة والنفعية. فنون الشارع تعيد تشكيل اليومى من خلال التجربة الفنية وتعيد تشكيل الفن من خلال الاقتران بحياة الناس.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 837 الثلاثاء 26 يوليو 2016