ربما كان الشعر هو أكثر الأشكال الأدبية في التعبير عن أعمق التجارب الإنسانية،وربما كان هو الوسيلة الأكثر فاعلية في التعبير عن الأحلام والانفعالات والهواجس في وعي الإنسان ولا وعيه،

محمد عفيفي مطر
شاكر عبد الحميد

شاكر عبد الحميد

 

ربما كان الشعر هو أكثر الأشكال الأدبية في التعبير عن أعمق التجارب الإنسانية،وربما كان هو الوسيلة الأكثر فاعلية في التعبير عن الأحلام والانفعالات والهواجس في وعي الإنسان ولا وعيه، وعن تاريخ هذا الوعي أو اللاوعي، الذي يتخلق في أعماق النفس الإنسانية خلال تفاعلها مع الحياة. أن إمكانات الإنسان تتمثل في دوافع تسعى إلى التحقق من خلال أشكال معينة من النشاط وهذه الأشكال تحمل الطاقات التي تكون كامنة عند المستوى الأعمق من الوعي، ويتم التعبير عنها بما هي صور وأنماط رمزية للرؤية والنشاط السلوكي. أنها تبدأ عند المستوى الداخلي، مستوى الحلم، ثم تتحرك خارجة منه، متخذة شكل النشاط الخارجي«»

ان الشعر هنا- مثلا- يصبح هو التعبير الخارجي الذي يحاول أن يتفق مع الدافع الداخلي للنمو والتغير والتحقق، ومع دوافع الشاعر المختلفة . ان الشاعر المبدع يتحرك هنا في حرية بين عالمه الداخلي وعالمه الخارجي. كما انه يكون قادرا على تحويل عالمه الداخلى إلى أعمال خارجية متبلورة وصلبة وراسخة، ثم انه يستطيع أن يخرج من شروط التبلور والصلابة والرسوخ الخارجية التي قد تحد من حريته إلى حين، وان يعود معانقا عالمه الباطن، مستكشفا اياه مرة اخرى وهكذا في حركة دينامية دائما ومتجددة. إزاء عالم يتسم بالخصوبة والثراء، مثل عالم محمد عفيفي مطر الشعري ، يجد المرء لزاما عليه أن يحدد المنطلقات الاساسية التي سوف يتكئ عليها وهو يتحدث عن هذا العالم الشعري، حتى لا يضيع في خضم هذا البحر الشعرى المتلاطم الهائج العنيف، ولا تغوص اقدامه في رماله المتحركة. وفى البداية سوف نحدد المونات التي نعتقد انها تشكل اهم معالم رؤية هذا الشاعر الشعرية في هذا الديون الذي نتحدث عنه، وفى كثير من أعماله الأخرى والمحاور الأساسية لعالمه، على النحو التالي :

  • محور الحلم وما يرتبط به من رؤى وتصورات وخلفيات ثقافية اشراقية في المقام الأول، تمتد بجذورها فتضرب في أعماق الأفكار الهرمسية الفرعونية القديمة والإغريقية والأفلاطونية المحدثة والتصوف الاسلامى، وبصفة خاصة افكار ابن عربى والنقرى والسهروردى والحلاج وغيرهم، وكذلك الغنوصية العرفانية المسيحية، او- باختصار- نظرية الفيض بتجلياتها وصورها المختلفة .
  • محور السيمياء العربية، أو الكيمياء القديمة، أو نظرية تحويل المعادن الادنى إلى معادن نادرة نفيسة، هذه النزعة التي تتجلى في كتابات الحسن بن الهيثم، وجابر بن حيان، وخالد بن يزيد، وجعفر الصادق، وغيرهم. لهذا التراث ابعاده الفلسفية والنفسية، كما انه له ارتباطاته الشديدة بعالم الحلم وبعالم الشعر، وله – كذلك – جذوره وارتباطاته بالفلسفة الطبيعية اليونانية القديمة، وبالسيمياء العربية، وهو ما ستحاول هذه الدراسة توضيحه.
  • محور الكتابة الخاص بعالم يجاوز حدود الحروف والاصوات ليصل إلى مشارف الفكر والعقيدة، ويجاوزها إلى عالم الوجدان والسلوك، ثم التأثير الواضح الكبير في التاريخ الخاص والعام.
  • محور الواقع «الحاضر» ومحور التاريخ التراثى «الماضى»، وارتباط هذين المحورين بما هو قادم «المستقبل»، وكذلك ارتباط هذا المحور في مجمله بالمحاور الثلاثة السابقة «الحلم – السيمياء – الكتابة ».

كثيرا ما اتهم عفيفى مطر بالغرابة والغموض . وقد وصفت الناقدة “فريال غزول” شعر مطر بأنه “يمثل قمة الغموض في الانتاج الشعرى العربى”، لكنها اضافت أن “ الغموض بالنسبة للشعر ، كالشعر بالنسبة للغة ، فكثير من النصوص الفلسفية والصوفية تتسم بالغموض . ونحن لا نطرحها جانبا ، ولا نسقطها من حسابنا، لانها غامضة ، فالغموض يكاد يكون سمة النصوص الباقية لا الزائلة”«2». هنا لما تنظر الناقدة إلى غموض شعر عفيفى مطر بوصفه عيبا أو ازمة تتعلق به، بل بوصفه مشكلة خاصة بالقراءة، الشعر هنا نص مقدس جامع بالرموز، موار بالايحاءات، وعلى الناقد أو القارئ فك مغاليقه حتى يتواصل معه. وقد وصف الناقد “ على عشرى زايد” “ عفيفى مطر” بأنه واحد من الشعراء الذين تشيع في شعرهم ظاهرة  الغموض بشكل خطير، واتهم الشاعر خلال نقده لقصيدة “الحصان والجبل” من ديوان “رسوم على قشرة الليل “ بأنه مفتون “افتنانا كبيرا بتكديس الصور وتوليد بعضها من بعض، دون أن يكون في القصيدة خط شعورى أو فكرى من الاساس. وشعور الناقد بصعوبة حل بعض رموز القصيدة وصورها جعله يتهم صاحبها بتكديس الصور وتوليدها ومراكمتها، ويتهم القصيدة بالغموض واستغلاق الايحاءات “بحيث يخرج القارئ من قراءته لها خالى الوفاض، مما يزيد من اتساع الفجوة بين القصيدة العربية الحديثة وقرائها “«3».

وانا اعتقد أن عفيفى مطر ليس شاعرا سهلا، لكنه ليس غامضا في الوقت نفسه. وصعوبته- وليس غموضه- نابعة من فقدنا الكثير من مفاتيحه. والمهم هنا هو أن نضع ايدينا على بعض مداخل عالمه الخاص، ونستعين بأكبر قدر من الخيال والقدرة على التصور البصرى، حنى نستطيع أن نتحرك بحرية اكبر في عالم هذا الشاعر، وان تتوافر في ايدينا معرفة تراثية تتناسب مع العمق التراثى الكبير له، فالحقيقة “ أن الذين يتهمون عفيفى مطر بالغموض يدلفون إلى عالمه عبر ابواب غير باب هذا العالم الشعرى، وبمقاييس غير مقاييسه انهم يريدون أن يطبقوا عليه المقولات المدرسية الجامدة، وينزعجون عندما يتأبى شعره على الانصياع  لها”«4» صور عفيفى مطر الشعرية مركبة، لكنها قابلة للحل، وعالمه الشعرى، عميق، ولكنه قابل لسبر غوره، على الرغم من الصعوبات المتمثلة في تركيب الصور عنده، وتراثية المفردات واشكال المجاز المختلفة. أن عفيفى مطر في شعره بشكل عام، وفى هذا الديوان بشكل خاص، يشبه “ يانوس “ Janus اله البوابات والبدايات عند الرومان، الذي ينظر بعيون يقظة إلى عالم اليقظة وعالم النوم. واعتقد أن كل اديب مبدع في الحقول الابداعية المختلفة هو “يانوس” ما، بطريقة أو بأخرى. والان فلنبدأ تحليلنا من خلال تتبعنا لحضور العناصر والمكونات الخاصة بالمحاور الرئيسية التي حددناها لانفسنا داخل هذا الديوان.

1ـــــ عوالم من الأحلام

عبر دواوين عفيفى مطر الشعرية التسعة التي ظهرت حتى الان وبدءا من ديوان “ من دفتر الصمت “ 1986«5»، وكذلك في الاعمال الشعرية التي لم تجمع بعد شكل دواوين- عبر كل هذه الاعمال الشعرية المختلفة التي لم تجمع بعد في شكل دواوين- عبر كل هذه الاعمال كان الحلم، سواء كان حلم يقظة أو حلما رمزيا انسانيا قوميا خاصا بآمال مفتقدة يرتجى تحقيقها، هو احد المحاور الاساسية لعالم هذا الشاعر. لكن الحلم في ديوان “انت واحدها وهى اعضاؤك انتثرت “ لا يأخذ شكل البارقة أو التهويم أو اللمحة السريعة، أو احد مكونات اللوحة «كما كان يحدث في اغلب الاحيان في كثير من قصائد الدواوين السابقة على هذا الديوان». انه يتحول هنا، وفى حالات كثير، إلى لوحة مكتملة ، أو قصة مكتملة، أو مشهد كامل التفصيلات، يسيطر  على اطار القصيدة كله، ويسيطر على ما عداه. ان الحلم هنا يكون له وجوده المستتر المضمر الضمنى في النصف الاول من الديوان، ثم يكون له وجوده الواضح المعلن الصريح في النصف الثانى من الديوان. ومن هنا يصنع الشاعر للنصف الثانى من الديوان عنوانا لافتا هو “اول الحلم اخر الحلم“ وخلال ذلك يكون فعل الحلم مشابها لفعل الحياة ولكل انشطة الحياة الدورية التي تمر عبر دورة التمهيد فالاحماء فالتوهج فالخمود. الحلم له دورة ذات حلقات من الطفولة فالتفجر فالخمود والنهاية، وكذلك فعل الحياة: طفولة فيفاعة فرجولة فكهولة، وكذلك افعال الحب والجنس والحرب والاحراق ونشاط الكتابة الابداعية وكل الانشطة الصهرية التحويلية المشابهة. ومن هذا العنوان ننطلق الان فنتحدث عن المكونات الاساسية المتفاعلة لمشهد الحلم: اول الحلم أو الطفولة- الحلم ذاته أو تفجره- اخر الحلم:

  • طقوس ولادة الحلم

اول الحلم عادة هو وقت الغروب، عند هجوع الكائنات، وانتهاء العمل، والعودة إلى البيت، ودخول الشمس في مكمنها، وهجرة الطيور اليومية عائدة إلى اوكارها، وظهور الاصوات الليلية وغياب الاصوات النهارية. ومع صعوبة الفصل بين مكونات الحلم المختلفة، من حيث بدايتها الممهدة له، وحالاته ثم ختامه ونهاياته، فإن الاهتمام بالحالة المولدة له، السابقة عليه «بدايات الحلم»، ثم اهتمام بالحالة التالية له، المناقضة لطبيعته، المعاكسة لجوهره، لكنها العاشقة لحالته، والمظهر لتألقاته. وهذه العوامل غير منصلة، خصوصا في الاعمال الابداعية السريالية أو الحلمية، فكما “ أن الحلم يحتوى على بقايا نهارية، فان الواقع يحتوى ايضا على بقايا ليلية، على عناصر آنية من الحلم، يحاول السرياليون تفصيلها وتكميلها في حالة اليقظة”«6»

“اعلنت ميثاق الاقامة بالرحيل“ هى الجملة الشعرية الاولى في الديون، وهى الجملة التي يمكن أن تكون كاشفة لكثير مما سيأتى بعدها، فالشاعر اعلن ميثاق اقامته من خلال رحيله، فإقامته تتم من خلال رحيله.

ان الرحيل هنا قد يعنى السفر في رحلة البحث عن الذات وعن المعرفة وقد يعنى الحركة من موضع إلى اخر، وقد يعنى مفارقة عالم الحواس إلى عالم الرؤى والنوم والاحلام، ذلك العالم الذي ارتحل الشاعر اليه، مقسما على ولائه له، والتزمه به، وإقامته فيه. وخلال هذا الرحيل يكون النوم صحوا، والصحو نوما، والاغفاءة يقظة، واليقظة اغفاءة، “فالناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”. وهذا هو الموت الاصغر، النوم الاصغر، الحلم الاصغر، الجنة الصغرى، اليقظة الصغرى، انه عالم اخروى يوجد دنيويا في مواجهة ومقابلة لعالم العذاب والحرمان والفقد والضياع والموت وتبدد الاحلام. الشاعر يعلن ميثاق اقامته. والميثاق يرتبط بالقسم، ويرتبط في الاسلام بالحجر الاسود، ويرتبط ايضا بالبحث عن الوحدة والوجود الحق، والابتعاد عن فوضى التشتت والانهيار:

هذه سويعات من النوم السخى

اذيب اعضائى بصمت جلالها المكتوب

اقرأ ما تجلى من دمى في سرها الرواغ بين

علوه في المد انسابا وفيضا من سلالات انا

بدء البداية في ابوتها،

وبين الوعد بالميقات في امشاج ما في الارض

قصيدة «موت ما لوقت ما..»

هذه هى سويعات «ساعات ليلية قليلة» من النوم السخى الكريم الباذخ بالاحلام، في مقابل ساعات النهار الصهرية المجدبة الفارغة، هذه ساعات تذوب فيها الاعضاء وتتفكك وتنحلل لتتحرك حرة في عوالم والاحلام، في مقابل ساعات نهارية  تتوتر فيها الاعضاء وتتأزم وتنعصب وتنشد. هنا يكون الشاعر في حضرة النوم الجليل يقرأ سيرته الاولى، سيرته العامة، سيرة آبائه واجداده وسلالاته، وسيرة انبيائه، في حالات المجد والعلو وامتطاء الصهوات، والاندفاع والجموح والاقتحام، وفيض السلالات وتحركها وانتشارها، ثم سكونها وصمتها الذي كان يحمل في باطنه علامات تأهبها واستعدادها لمواصلة حركتها وتقدما، “وعدا بميلاد يتخلق امشاجا في باطن الارض “، وهو الذي اصبح بعد ذلك صورة مناقضة معاكسة لما كان. وفى كثير من القصائد يمهد الشاعر الساحة المضيئة التي سيحتلها المشهد الحلمى الليلى بمشهد ختامى للنهار الافل:

ضمت الحقول ركبتيها ونمت الثعابين

سلام ظلامى يتكوم قشا ناعما وزغبا

والثيران اغفت واقفة تتكسر انجم الليل في

حدقاتها الفسفورية الغائبة

سلام قناع من ليل رحيم

نام النصف الهالك ولم يستيقظ النصف الحى

وخلت الارض منم كل دابة

فأذا قضيت صلاة العتمة واقبلت ملائكة الحلم

واشرق النوم بنور شمسه الخضراء

وآيته المبصرة

فبرحمة منه خلعت أعضاء النهار وفتحت في

النصف الهالك نافذة والتففت بالنصف الحى

وقامت قيامة الرؤية.

هذه حالة تمهيد للدخول في الحلم. وهنا يرقب الشاعر المشهد الحارجى لمكانه الداخلى، انه في قريته يرقب الافق المحيط بالحقول وقد غابت الشمس بنورها النهارى الاصفر وضوئها الشفقى الاحمر، حيث يتحول افق الحقول في الظلام إلى ركبتين مضمومتين، لانه في النهار يكون كالساقين الممدودتين. وعندما تجىء الظلمة تتحول الحقول ذات الضفتين، اى التي يمكن أن نرى شمالها وجنوبها، شرقها وغربها، إلى مكان احادى البعد، لان الضوء الذي الذى كان يكشف جوانبها المختلفة في النهار قد سحب منها بفعل غياب الشمس، فإذا هى تتحول إلى مكان واحد كان ممتدا في النهار كالساق الهائلة، ثم تقلص وانطوى بمجىء الليل. وهذا التقلص والانطواء ليسا خاصين بالجوانب الهندسية الفراغية للمكان فحسب، بل هما خاصان أيضا بما يحمله من حركة ورؤية وعمل واحتكاك وتفاعل بين الناس والدواب ومفردات الطبيعة المختلفة الاخرى، كما انهما خاصان بحركة وعي الشاعر تتحول من الداخل إلى الخارج وحركة ضم الحقول لركبتها أو لجوانبها بفعل انسحاب الضوء يمكن أن تكون من اسفل إلى اعلى، كما يضم الانسان ركبته إلى بطنه مثلا. وما يحدث هنا هو تقليل المساحة المكانية التي تتحرك فيها ساقاه رأسيا، وقد يتم هذا بضم ركبة إلى اخرى، فتلتصق الساق بالساق. وهنا يكون اتجاه الحركة من اجل تقليص المساحة المحصورة بين الساقين افقيا، وفى الحالتين هنا عملية تقليص وتحديد لمساحة اكبر، تتحول إلى مساحة اصغر، فالمشهد الممتد في الخارج، والواقع بين الحقول والافق، يتحول إلى مساحة ضيقة بين ركبتين. وهذا التقليص الخارجى هو احدى الحركات الضرورية التي يلجأ اليها الشاعر عادة من اجل فتح مساحة الحلم الداخلية، تلك المساحة اللانهائية، المفتوحة بلا حدود.

_________________________

– من كتاب جديد للدكتور .شاكر عبد الحميد ..  “مطر .. الحلم و الكيمياء و الكتابة” يصدُر قريبا في “القاهرة”

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 837 الثلاثاء 26 يوليو 2016