د. محمد ماهر بسيونى _ بكين_ الصين   فى إحدى أشد جرائمها حماقة وعبثية، أقدمت السلطة المباركية على اعتقال وتعذيب أحد أشهر رواد الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، ألا وهو الشاعر

محمد عفيفي مطر

د. محمد ماهر بسيونى _ بكين_ الصين

 

فى إحدى أشد جرائمها حماقة وعبثية، أقدمت السلطة المباركية على اعتقال وتعذيب أحد أشهر رواد الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، ألا وهو الشاعر الراحل/ محمد عفيفى مطر، لموقفه الرافض من الغارة الأمريكية الوحشية على العراق المعروفة باسم: حرب الخليج وتحرير الكويت.

كان هذا هو الصدام الثانى مع السلطة، وقد تسبب الصدام الأول مع السلطة فى نسختها الساداتية فى إغلاق مجلته الثقافية الشهيرة «سنابل»، بعد أن نشر قصيدة مجايلة أمل دنقل: «الكعكة الحجرية» – تلك القصيدة الأشهر فى قسوتها على السلطة الساداتية – ثم تسبب التضييق عليه وقتها فى ارتحاله إلى بغداد شبه منفي.

للشاعر تاريخ طويل من العداء للسلطة ومقاومتها بكل السبل، فلقد كانت علاقته بها دائما مليئة بالتوتر والهواجس، فهو القائل:

«أمارس الدفاع والموت، تمارس الأشياء

طقوسها الليلية المكثفةْ:

كل جدار معبر، كل زوايا الأرصفة

أقدام شرطى يسير سيره المنتظما

دخينتى تصبح فى أصابعى المرتجفة

جرحا ومدية وقلما ونارها دما

دخانها يصبح خيمة معقودة

يصطف فيها البشر المدججون بالعيون»

(ديوان: والنهر يلبس الأقنعة، قصيدة: سهرة الأشباح «محاكمات وانتظار» 18/ 7/ 1970)

فى هذه القصيدة/ النبوءة – فقد كتبت قبل عشرين عاما ونيف من جريمة اعتقاله – تحضر السلطة حضورا كثيفا، يعبر عنه رمزها الأيقوني/ الشرطي، ومخبروها المدججون بالعيون، وينتظر الشاعر محاكمته معروفة الحكم مسبقا، فلا أقل من الإعدام جزاء معارضته للسطة، ولكنه لا يخاف الموت، بل يخاف أن يخاف:

«وقفت بين النطع والسيّاف

مستجمعا مملكتى الخفية

وارتعشت فى جسدى مواسم القِطاف

وانفجرت خليةَ خليةْ

تحجرت وارتعدت مفاصلى من خوفِ أن أخاف»

(ديوان: والنهر يلبس الأقنعة، قصيدة: سهرة الأشباح «محاكمات وانتظار» 18/ 7/ 1970)

ونحن نشهد أن الشاعر لم يخف وواجه قدر مقاومته للسلطة ببسالة، وتحمل التعذيب فى لاظوغلي/ باستيل مصر المعاصر، بنبالة مسيح مشبوح.

وبينما يحضر السجن إشاريا فى تلك القصيدة/ النبوءة:

«وأنا أصعد من ليل السجون

وانتظاراتك للخيل وفرسان المطر»

(ديوان: والنهر يلبس الأقنعة، قصيدة: سهرة الأشباح «محاكمات وانتظار» 18/ 7/ 1970)

فإنه يحضر مشهديا فى ديوان كامل، هو ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، الذى يعتبر بمثابة الرد بالكتابة جماليا من الشاعر على الخسف والعسف السلطوى المتوارث عبر الأجيال والقرون، والذى صُبَّ على الشاعر سوط عذابه صبا، حتى ترك علاماته الدامية على جسده الشيخ.

ارتدى الشاعر قناع أمير حكايات شعبي، هالته هجمة جيوش الغرباء على أرض وطنه العربى الكبير بمباركة من حكام بلاده الطغاة المهزومين؛ فبدا أقرب لنبى توراتى ينشد مرثية عن أرضه المقدسة، التى يسعى «الأغيار» لضمها إلى مملكتهم؛ فيقول يحدث نفسه:

«أرضك مُفْترَقٌ تتسع به أرض الأغيار،

وتعبره أمم وجيوش،

للأقوى وعبيد الأقوى ميراثٌ أنت لمن يرثون،

على كتفيك تكسرت الأمواج تواريخ مجاعات

وطغاة منكسرين ومَزْهُوّين

بتدليس الأبهة البيزنطية».

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: احتفاليات المومياء المتوحشة)

وتصيبه شظايا المعركة/ المذبحة الدائرة على أرضه، فيغضبه اليأس ويفزعه تحقق رؤياه:

«أسلمنى الدبدوب النائم بين ذراعى «رحمة» – ابنة الشاعر الصغرى – والفجر

المنفوش الصوف إلى سِنَةٍ من غضب اليأس

وفزع الرؤيا،

فانتبهت أعضائى فى حلم المذبحة الكونية:

أبتدئُ الركض لآخذ موضع أسمائى الحركية

والعلنية فى قافلة المذبوحين وقائمة الأسرى..»

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: احتفاليات المومياء المتوحشة)

ثم يتم القبض على الشاعر وتبدأ رحلة الاعتقال:

«كنت أميرا يمرق فى «تشريفة» صفين من

الأشباح، وكانت شاحنة السجن تُرَضْرضُ

فوق ثعابين الأسفلت فيسلمنى الإيقاع

إلى سِنَةٍ من من خَدر المجهول الفاضح».

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: احتفاليات المومياء المتوحشة)

وليس هذا المجهول سوى تعذيب وحشى سيستعلن عما قليل، فيذوق الشاعر ما هو أقسى من الموت الذى لا يخافه:

«أقسى من الموت ارتعاش الموت فى شلو الذبيح»

كتابة سلفت وهذا وقتها المقدور

فاقرأ ما ترى – أو لا ترى – من معصميك لكاحليك

مُسْتَحدثُ التعذيب بالكيمياء يكشط من ظلامك طينةً

للخلق فالملكوت يسطع،

والحشود المُبْهمات، وأنهر الدم، والملوك،

على الأرائك يتكى الجلاد منتظرا سقوط الصقر

محترقا بجائش حلمه

كان جلادٌ بكعب حذائه يهوى عليَّ فطقطقت ضلعٌ

ولعلعت الرصاصة…)

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: طقوس متقابلة)

يرتمى الشاعر فى الزنزانة المظلمة محطما ظمآنا – فقد أضافوا إلى تعذيبه حرمانه حتى من الماء – لا تؤنس وحشته سوى أطياف تزوره من ماضيه، لابنته وصديقه عبد العليم، ويشهد رموز النٌّبْل فى الموروث الشعبى للشاعر وهى تتحول إلى أدوات بطش فى يد سلطة تنكل بمعارضيها، تاركة إياهم يستجدون «البُن» لمداواة جروحهم، بعد أن كانوا يستجدون الماء لإطفاء ظمئهم:

(قال المخنث للمخنث: «إن نوبة نومى اقتربت فأخرِسْ

صوته بعصاك»

فانفجرت برأسى الصاعقة

كان الصدى متشظيا بدم الهلاوس

آه يا عبد العليم

لم يترك الأهلون من نُبْل العصا

فى لعبة التحطيب ميراثا لأوغاد الزمان النذل..

هل رجل وضربته تجيء من الوراء!!

أدرك دمى بالبُنِّ بعد الماء يا عبد العليم).

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: هلاوس ليلة الظمأ)

تحت وطأة آلام التعذيب، يعيد الشاعر التأمل فى مفهوم الوطن الذى اعتقلته السلطة لصالحها، وقضت على مخالفيها بالاعتقال والتعذيب، فيضع الحدود الفاصلة بين وطنه – الذى يتضاءل – ووطن السلطة:

«لك من بلادك قبضةٌ من نيئ الدم والتراب،

وخطوة فى غربة الموالِ،

والخبز المشعشع بالقرابة وانتظار السيل..

والبلاد مسافة تمتد ما امتدت شظايا المرمر

المغروس فوق شواهد الأموات..

فانظر.. هل ترى!! لا شيء يبقى من بلادك

غير جير العظم،

هل وطنٌ سوى هذى المسافة بين لحمك

فى الجحيم وبين سلك الكهرباء!!)

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: الموت والدرويش)

ثم يتأمل فى طبيعة السلطة وآليات سيطرتها المتوارثة جيلا فجيل وهو يتعرض لتحقيق سياسى تحت وطأة التعذيب، فيجدها تستمد قوتها من نشر الجوع والفوضى فى ربوع الوادى الطيب:

«كان المماليك العتاة الأقدمون المحدثون

يتنزلون خلائفا من هيلمان الجوع والفوضى»

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: إيقاعات الوقائع الخنومية)

فيصير أبناء الوطن من الفقراء والجوعى جنودا فى صفوف الطغاة:

«كيف هناك:

يتنخل الوطن فتيته الطالعين من عكارة

البلهارسيا وصمم الأمية وحيوانية الجوع

ورهبة العبيد وطاعة الإماء وجبروت الوحش،

ثم ينتقي:

أجساد قدت من صخرة واحدة على قالب وحيد

فلا استثناء فى شيء»

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: إيقاعات الوقائع الخنومية)

يلحظ الشاعر سياسة تنميط البشر وسجنهم فى قالب واحد، ويبحث عن رمز أيقونى لها فيجده فى «خنوم» إله صناعة الفخار فى مصر القديمة:

«كأن «خنوم» كان يدخرها فى فواخيره الأزلية

حرسا سرمديا لفراعنة كل العصور

وسوى خنوم لا آلهة هناك»

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: إيقاعات الوقائع الخنومية)

ثم يرصد الشاعر حذو السلطة حذو خنوم فى رفض كل من يتمرد على حبسه فى قالبها، الذى تريد السلطة نحت الوطن بأكمله على مثاله، حتى يصير وطن السلطة سجنا كبيرا، شيده مهزومون كأيقونة للخراب:

(هذه كانت حدود «العبقرية فى المكان»:

سجنٌ وجلادون، أدوار الخنوميين ما بين

الهزائم والخرابْ

فى الأرض من أقصى غوايات القناصل وابتباع

السيف حتى الموت فى خَتْلِ الكلام)

(ديوان: احتفاليات المومياء المتوحشة، قصيدة: إيقاعات الوقائع الخنومية)

لقد رحل عفيفى مطر قبل أن يشهد ثورة الشعب على السلطة المباركية التى اعتقلته وعذبته، تلك السلطة التى شاخت فبدت كمومياء متوحشة تقيم احتفالها الأزلى على إيقاع آنات ضحاياها من المعارضين المقاومين، ولكن وعيه الشعرى الرؤيوى كان يبشر بتلك الثورة قبل حدوثها بأربعين عاما، فهو القائل:

«وتقدّم بالشعار الملتهب

تاركا فى صخرة الأرض الخلاء

من خُطى الثورة والخَلْق علامة

للقيامةْ».

(ديوان: والنهر يلبس الأقنعة، قصيدة: سهرة الأشباح «محاكمات وانتظار» 18/ 7/ 1970)

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 837 الثلاثاء 26 يوليو 2016